سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة
هذا الكتاب في أصله مقالة نشرها المؤلف في موقع (المقال)، وقد أثارت المقالة ضجة في حينها، ووردت عليها ردود كثيرة، فلذا وسع المؤلف مقالته وطرحها في هذا الكتاب مقسماً إياه إلى قسمين، القسم الأول سماه (النظرية) خصصه لتناول المرجعية العليا للشريعة الإسلامية، ومفهوم تطبيق الشريعة، وكذلك مفهوم السيادة، وأخيراً مبدأ أن الأمة هي الأصل وهي منبع السلطات والشرعية، بينما خصص القسم الثاني (الاعتراضات) للرد على بعض الاعتراضات التي وردت على الفكرة، مثل ماذا لو أرادت الأمة تعطيل الشريعة؟ وإشكالية التخيير في تطبيق الشريعة أو تعطيلها، وإشكالية ماذا لو كان الحاكم مسلماً والشعب يرفض الشريعة كمرجعية؟ وقتال أبو بكر للمرتدين وعدم منحهم حرية الاختيار، وإشكالية الجهاد، أليس فيه إلزام للشعوب بالإسلام؟
يمكننا اختصار فكرة الكتاب في عنوانه، أي أن (سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة)، فما يطرحه المؤلف هنا، فكرة قد يبدو لنا غريباً الاعتراض عليها، وخاصة عندما نعرف أنها تهدف إلى جعل تطبيق الشريعة بيد الأمة لا بيد الفرد المستبد، ولكن المؤلف مدفوعاً بحجم الاعتراضات التي وردت عليه، وربما قسوة الهجوم الذي تعرض له، يبالغ في توضيح الفكرة، وفي الرد على الاعتراضات عليها، وهذا ما يدفع إلى أيدينا كتاباً من مئتي صفحة.
فكرة المؤلف هي أن الشعوب العربية خرجت ثائرة تطالب بالحرية والكرامة والعدالة، أي أنها بكلمة واحدة خرجت تطالب بسيادتها، لم تخرج الشعوب لتطالب بتطبيق الشريعة، لم ترفع هذا الشعار في تظاهراتها رغم شرفه، وإنما طالبت بسيادتها أولاً، أي أن تكون هي المصدر الوحيد للسلطة والشرعية، وهذا يوجب أن لا يحق لأحد بعد هذا أن يفرض على الأمة شيئاً من دون الاحتكام إلى إرادتها، وإلى الدستور الذي اختارته عبر صناديق الاقتراع، فإن اختارت الأمة منظومة القيم والمبادئ الإسلامية مرجعية عليا للتشريع والقوانين فبها، وإن لم تفعل فيجب احترام قرارها، ولا يجوز قهرها وإجبارها بشيء لا تؤمن به، ويبقى هذا هو خيارها الذي تسأل عنه أمام الله وأمام التاريخ، ويبقى أمامنا محاولة دعوتها إلى الالتزام بالشريعة الإسلامية من خلال الوسائل السلمية، بحيث يتحقق التغيير من غير سلوك طريق العنف، والإكراه والتغيير بالقوة، وهذا لا يعني أن الشعب هو معيار القيم والمبادئ، وإنما المعيار دائماً هو المرجعية التي يؤمن بها الإنسان، ويؤكد المؤلف على هذا بقوله "وليست وظيفة الشعب، فلسفة وتنظير وتبرير القيم والأفكار كما يتصور بعضهم، إنما وظيفته تنحصر في خلع السلطة والسيادة على تلك القيم والأفكار وتحويلها من مجرد قناعات أخلاقية إلى قوانين دستورية سيادية تطبيقية".
ويؤكد المؤلف أن تقديمه للسيادة وجعلها أولية ليس على الشريعة وإنما على تطبيق الشريعة، وفرق بين الشريعة وتطبيقها، فالشريعة معطى إلهي منزل مستمد من الوحي، أما التطبيق فهو فعل بشري اجتهادي تاريخي لذلك المعطى الإلهي، وتقديم السيادة على التطبيق لا يعني فوقية الأمة على الشريعة، وإنما هو لضمان تطبيق الشريعة على الوجه الأمثل.
كتاب مهم ويأتي في إطار حملة تهدف إلى إعادة بعث سياسة عصرية، ذات روح إسلامية.