ألا فالحمدُ لله!
إذن تاريخ الأندلس حروب وغزوات ومكايد وصراعات سياسية طاحنة وطمع في السلطة وكرسي الحكم، وتقويض ممالك نصرانية وإهلاك أهلها وتسوية دورها بالأرض، وإجبار النصارى الأسرى على حمل النواقيس الحديدية الضخمة لكنيستهم مسافات طويلة على كواهلهم للذة التعذيب لا غير ولإستخدام النواقيس كزينة في قصر الخلافة، ثم أن مؤلف الكتاب ذاته يقول أن هذه الغزوات والصوائف الإسلامية المتكررة كانت تنهك الجيوش الإسلامية بقدر ما كانت تنهك جيوش العدو، وأنه لم يكن لها غاية محدودة مستقرة، وأن معظمها كان يقصد فحسب إلى العيث في أرض العدو وإلى إحراز الغنائم المؤقتة، ولم تنجح قط في تحطيم أو سحق قوى الدولة البيزنطية أو سحقها ..
وفي تاريخ الأندلس أيضًا يظهر الهوى الجم لرجال الحكم في التلقب بألقاب الإمارة والخلافة والملك، حتى إن تسمَّى أربعة منهم في زمان ومكان واحد بلقب أمير المؤمنين، ليقول ابن حزم الفيلسوف المعاصر:
"هذه فضيحة لم يقع في العالم إلى يومنا مثلها، أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيام في مثلها، كلهم يتسمى بأمير المؤمنين ويخطب لهم في زمن واحد"
أدركتُ على الأقل لماذا كنت أنفر من الأدب الأندلسي، ولماذا لم أعجب بأحد شعرائه قط مع كثرتهم وكثره نظمهم، ولمَ لم أنشط لقراءة تاريخ الأندلس من قبل!، ولماذا قال نزار:
لن أقرأ التاريخَ بعدَ اليوم
إن أصابعي احترقتْ
وأثوابي تغطيها الدماء
فسيرة نزار قباني طويلة مع أسبانيا على أية حال
.
.
وإن كان الحاجب المنصور وقصة إنشائه للدولة العامرية في الأندلس، واستيلائه على الحكم الفعلي بها، وبراعة مؤلف الكتاب في سرد سيرته بشكل أقرب إلى رواية في غاية التشويق، حتى فاقت في أحداثها المشوقة كل من سيرة طارق بن زياد وموسى بن نصير وعبد الرحمن الداخل وعبد الرحمن الناصر مجتمعين!، وجعلني الحاجب المنصور أكرر أكثر من مرة أثناء القراءة، عبارة مثل: يالك من رجلٍ داهية!، أين دهاء عمرو بن العاص منك!
وكررت في نشوة البيت الذي قالت الرواية أنه نُقش على قبره:
تالله لا يأتي الزمانُ بمثلهِ أبدًا
ولا يحمي الثغورَ سواه