يا له من كتاب!
مرهق,عصيب,مخضَّب بالدم,وثري بالمعلومات.
عاشقٌ أنا لتلك النوعية من الكتب; أشياء على غرار (الاغتيالات السياسية في التاريخ) و(نهايات المشاهير) و(الأيام الأخيرة في حياة الخلفاء)..إلخ.يبهجني الكتاب البسيط السلس الذي لا يخلو من إفادة,لكني بدوري أعرف الكتاب الدسم الذي أرهق كاتبه من الصفحة الأولى..وكتابنا هذا من ذلك الطراز بجدارة.
في ما جاوز المائة قصة قصيرة,بها تراجم مختصرة في غير استسهلال,يحكي لنا خالد السعيد عن أشهر الشخصيات في التاريخ الإسلامي والعربي التي تم اغتيالها وبمختلف الطرق التي قد تخطر,أو لا تخطر,على قلب بشر: من الذبح للطعن للتسميم في الطعام والشراب وحتى قوارير العطر!.
سيصعقك كم الدماء التي خضَّبت تاريخنا,سيثير ضيقك ونفورك وكامل حزنك تلك المآسي التي ظللت تاريخنا الإسلامي,الذي وجدته ليس بالنصاعة التي تصورتها.هو تاريخٌ لأمة لها مآثر وعليها مثالب.أنارتْ العالم بحضارتها ونقاء دينها,وفوق كل هذا أخلاق وعلوم رجالها,لكنها أيضًا أمة بها من الأشرار من لوثوا صفحتها البيضاء بجشعهم للسلطة وشهوتهم لملمس الدنانير وسطوة العرش وأبدان النساء.لكن الجميع ذهب فما نفعهم مالٌ ولا دفعت عنهم امرأة مهما كان حبها واخلاصها.لم يخلّفوا ورائهم غير أعمالهم تشهد لهم أو عليهم يوم الحساب العظيم.
من الصفحة الأولى في الكتاب وحتى كلمة النهاية,ستلمس المجهود الحقيقي للكاتب في الجمع والترتيب والسرد.سيملؤك الإعجاب بالرجل لاهتمامه بما يكتب وليس مجرد نقل القصص وحسب.ثقافته واضحة واطّلاعه جلي يستحق الاشادة فعلًا.
لكن على ذلك,وبرغم إعجابي الشديد بالكتاب,أوقفني عن منحه العلامة الكاملة شيئان رئيسيان:
أولهما تأثر الكاتب الواضح بكتاب هادي العلوي (الاغتيال السياسي في الاسلام),واستشهاده بعدة مقاطع منه.وهو كتاب لو تعلمون شديد التهجم على الدين,بالغ الوقاحة في حديثه على النبي والصحابة,أصابني الاشمئزاز منه يوم قرأته,وهاجمته بقسوة.وكدت اليوم لا أكمل كتاب السعيد بسببه,لولا أن فضّلت على مضض قراءته للنهاية والفصل بين الاثنين ليكون النقد موضوعيًا,والحق أني لم أندم على هذا الفعل.
أما ثانيهما فوقوع الكاتب في فخ سبقه إليه غيره من الكتّاب في حديثهم عن الفتنة الكبرى عهد علي ومعاوية,وكذا في سرد وتحليل ما جرى لعثمان رضي الله عنه.اتبع الكاتب نفس الإكليشيهات المحفوظة عن محاباة عثمان لبني أمية وتقريبه لهم,وتوسيد الأمر لغير ذو الكفاءة,وفشله في إدارة الدولة إبان حكمه,وكذلك فساد سيدنا معاوية واغتياله للحسن بن علي..إلخ.يعذر الكاتب فقط أنه وجد تلك القصص في كتب الأقدمين التراثية,وأن هذا ما ذهب إليه فكره واستراح له.فالاختلاف هنا في الفكر لا يستدعي الاتهام في العقيدة ولن يخلو من احترام للكاتب وإن ذهبتُ غير مذهبه.
كان لابد للكاتب أن يقرأ كتاب المحدثين أيضًا,ولا يركن إلى قصص معتادة ومكررة لمجرد أنها وردت في أعلام النبلاء أو مروج الذهب أو البداية والنهاية وغيرهم.فالتراث لا يخلو من حكايات وقصص تستوجب النقد والتنقيح بل والنقض من الأساس.أفكار بعض قصص تلك الكتب ليس مُسلَّم بها لمجرد أنها قديمة وتراثية.لقد نقدها كثيرون قديمًا وحديثًا,ولنا في د.حسين مؤنس ورائعته (تنقية أصول التاريخ الاسلامي) عظة مهمة; فالرجل نقد روايات لإبن كثير وابن عساكر والذهبي وغيرهم,مرسِّخًا قاعدة فائقة الخطورة أنه لا قداسة إلا للدين ذاته,لا لبشرٍ ولا لخليفةٍ وحتمًا لا لمؤرخٍ مهما لمع نجمه وعلا اسمه.كل الأفكار,مهما كانت,قابلة للنقاش والنقد,ما كانت من ثوابت الدين ذاته.
هل يعني هذا أن الكتاب غير مهم؟ أو استسهل الكاتب فيه النقل؟..لا بالقطع,على العكس,فبعيدًا عما ذكرت بأعلى,وهو مجرد جزء من الكتاب وليس كله,ستجد اهتمامًا حقيقيًا من الكاتب فى النقد والسؤال والتفكير في كل نقطة; تجده مهتمًا بوضع كافة القصص والآراء التي تدور حول حادثة واحدة مهما بدت بسيطة,يهتم بالتشكيك فى عُمْر بطلها وأفعاله وتاريخه والسبب وراء اغتياله والدوافع التي أودت لهذا..إلخ.وفي ذلك بصراحة مجهود يستوجب منا,وإن اختلفنا مع رأيه مرة واحدة أو حتى عشر,الاحترام والتقدير حقًا.
انتهاءً: كتاب السيد خالد السعيد هو كتاب مهم وثري وممتع,قضيت معه وقتًاً طيبًا,وأسعدني أن أعمل فكري ودفعني للنقاش والنقد.أعشق هذه الكتب التي تدفعك للحراك وليس التسليم بما بها.اقرأوه وأعتقد أنه قد يروق لكم.
حسام عادل
29.07.2015