تتميز "بلد واحد هو العالم" للروائي هاني الراهب، بثلاث خصائص رئيسية. أوﻻها الاستخدام المركزي لأسطورة "فاوست"، كما طرحها غوته، في بيئة تنتمي إلى العالم المتخلف. وثانيتها النسيج الرمزي الكثيف، ولكن المموّه حتى يصعب التقاطه، الذي تكمن فيه أطروحات الرواية. وثالثتها الصياغة المتقنة لمعادل روائي يحل محل الواقع، ويعيد تشكيله بدل أن يغترف منه وحسب. بالتأكيد ﻻ تلتقي هذه الرواية بسرد التجربة، وإنما تنقلها إلى صعيد الرؤيا والشمول، وعبر هذه التقنية تحاول أن تستشرف الدور المحوري لشرائح اجتماعية هامة في العالم الثالث، تتوسط صراعات القوى الضاغطة والقوى المضغوطة.
ولد هاني الراهب في اللاذقية عام 1939، درس الأدب الإنجليزي في الجامعة الأميركية في بيروت ونال شهادة الدكتوراه من بريطانيا وكان عنوان رسالته (الشخصية الصهيونية في الأدب الغربي)، درّس لسنوات طويلة في جامعة دمشق، ثم سافر الراهب إلى اليمن والكويت، عاد إلى دمشق وتوفي فيها إثر مرض عضال أصابه (6 شباط عام 2000)، كتب الرواية والقصة والنقد الأدبي، له ثماني روايات وثلاث مجموعات قصصية ـ ، صدر آخرها بعيد رحيله وعدد من الكتب المترجمة، نال في العام 1961 جائزة مجلة الآداب اللبنانية وفي عام 1981 نال جائزة اتحاد الكتاب العرب عن روايته (الوباء)
"هل يمتلك الإنسان سبعين سنة من هذا الدهر كله ليعيشها راكضاً لاهثاً وراء اللقمة؟ أهذه هي الحياة؟ أهذا هو كل شيء في عمر الإنسان؟ حياة، أم عيش وكفى؟ "
📖 بلد واحد هو العالم – هاني الراهب
في هذه الرواية، ينشغل هاني الراهب كعادته بمأزق المثقف العربي داخل واقع سياسي واقتصادي متردٍّ. وبما أنّ الرواية كُتبت عام 1985، في ذروة الخطاب الاشتراكي العربي، فإنها تقدّم نقداً مبطّناً لتناقض الأحزاب الحاكمة بين الشعارات التي رفعتها والممارسات التي كرّستها. ويبدأ هذا النقد من العنوان ذاته، الذي ينطوي على إسقاط لفكرة الشمولية الاشتراكية، وفي الوقت نفسه يحيل إلى واقع العالم العربي المأزوم.
▪︎ الرمزية والشخصيات: مرآة الصراع الطبقي
تأتي شخصيات الرواية محمّلة برمزية سياسية واجتماعية واضحة: يمثل علوان نموذج المثقف المنتمي إلى البرجوازية الصغيرة، العالق في صراع دائم بين طموحه الشخصي والقيود التي يفرضها الواقع. في المقابل، تجسّد أم اللولو الرأسمالية بوصفها قوة إغواء لا كبنية اقتصادية فحسب. ويعزّز الراهب هذا البعد حين يشبّهها في بعض المقاطع بـ«هيلين طروادة»، في إحالة رمزية إلى «الوهم الجميل» الذي يدفع البشر إلى التضحية بكل شيء، حتى بالأرواح، من أجل لحظة من اللذة أو الامتلاك. تقابلها أم عبودة التي تمثل الطبقة المسحوقة، بينما يجسّد سلطان السلطة القامعة المتسلّحة بالدين، في صورة تكشف تواطؤ الخطاب الديني مع البنية السلطوية. وتغدو العلاقات بين هذه الشخصيات انعكاساً مباشراً للصدام الطبقي والسياسي داخل «الحارة»، بوصفها نموذجًا مصغّراً للبلد. أما زينب، فتُقدَّم بوصفها مركز ثقل رمزي في الرواية؛ فهي تمثل الوطن المغلوب على أمره، الأرض الجميلة المحاصَرة التي تتقاطع عندها قيم الحب والحرية والاختيار. ويغدو موتها انكساراً لمشروع نهضوي كامل. في المقابل، تجسّد أم يسير صورة الذاكرة الصابرة للشعب، الأرض القديمة التي تحتمل القمع والتهميش بصمت. وتكتسب الشخصية دلالة إضافية عبر مفارقة اسم ابنها «يسير»، الذي يوحي بالسهولة والانفراج، بينما يكشف الواقع عن عسر دائم، في إحالة واضحة إلى الفجوة بين الشعارات المعلنة والواقع المعيش. كما يحضر الفلسطينيون في الرواية بوصفهم أداة لكشف زيف الخطابات القومية؛ فبينما تُقدَّس «القضية» في الشعارات، يُهمَّش الإنسان الفلسطيني أو يُستغل ككرت سياسي داخل البنية العربية المأزومة.
▪︎تقنيات الكتابة: تفتيت الواقع
سردياً، لا تعتمد الرواية حبكة تقليدية أو مساراً تصاعدياً للأحداث، بل يلجأ الراهب إلى تقنية تفتيت الحدث (Narrative Event Fragmentation)، حيث يغدو الحدث حالة ذهنية أكثر منه واقعة مكتملة. فالكاتب لا ينشغل بسؤال «ماذا حدث؟» بقدر اهتمامه بسؤال «كيف نُدرك ما حدث؟». وينسحب هذا التفتيت على الزمن السردي، الذي يتحرك في مسار دائري أقرب إلى المتاهة، في إيحاء بأن هذا «البلد» محكوم بالركود والجمود التاريخي. ويتعزّز ذلك عبر اعتماد السرد المتعدد الطبقات (Multi-layered Narrative)، حيث تتجاور أصوات الراوي العليم، وعلوان، إلى جانب التقارير وبطاقات تعريف الشخصيات. هذا التعدد الصوتي لا يوسّع هامش الحرية بقدر ما يكشف هيمنة «الصوت الأعلى» داخل النص، في محاكاة دقيقة لبنية السلطة. كما تحاكي التقارير وبطاقات التعريف ما كان سائداً في تلك المرحلة من بطاقات عضوية للحزب الواحد وتقارير رسمية تُقدَّم عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية. ولا يقتصر التجريب على بنية السرد فحسب، بل يمتد إلى اللغة نفسها، التي تتحول إلى فضاء صراعي يكشف بنية المجتمع. فلكل شخصية لغتها الخاصة: بهذا المعنى، لا تؤدي اللغة وظيفة نقل المعنى فقط، بل تصبح أداة كشف أيديولوجي تُعرّي التفاوت الطبقي وتُجسّد الصراع بين السلطة والمجتمع داخل النسيج اللغوي للنص.
▪︎ المثقف وأسطورة فاوست
يعكس مصير علوان واستمرار تقلّب تحالفاته صراع المثقف مع السلطة والضمير، في استدعاء مباشر لأسطورة فاوست، بوصفها استعارة للمساومة القسرية التي يجد المثقف نفسه أمامها. فكل محاولة للتماهي مع القوة تُنتج وهم السيطرة، لكنها في الوقت ذاته تفضي إلى فقدان الموقع الأخلاقي، مؤكدة هشاشة موقع المثقف داخل هذا الواقع المأزوم.
▪︎ خلاصة
الرواية صعبة ومرهقة، وبالتأكيد ليست للقارئ العادي ولا للقراءة الترفيهية، فهي تصلح بقوة للدراسات الأكاديمية.