يقدّم كاظم جهاد في هذا الكتاب عملًا تنظيريًا وتطبيقيًا عظيمًا. يرتكز في تنظيره على عدّة مشارب ومجالات، تأكيدًا على أنه لا مندوحة من إرفاد الترجمة المُتطلّبة بجهود تنظيريّة عابرة للتخصصات، فهو يستفيد من تنظيرات فلاسفة التقليد القاريّ (هايدغر - بنيامين - دريدا) ومن التحليل النفسي واللسانيات ومن منظريّ الترجمة أنفسهم، بالإضافة إلى كتابات وممارسات العرب القدامى والمحدثين في الترجمة عمومًا وترجمة الشعر خصوصًا، ويأطّر كل ذلك برؤية ما يُمكن أن نطلق عليه تيّار الترجمة الحرفية، وتحديدًا، إسهام أنطوان برمان في ذلك (لحسن الحظ، يُمكننا قراءة أفكار برمان في الترجمة بترجمة نشرتها المنظمة العربية للترجمة بعنوان "الترجمة والحرف أو مقام البُعد"). وغني عن القول إن "الحرفيّة" المقصودة ليست الحرفية بالمعنى الشائع، أي ترجمة كلمة بكلمة، بل هي حرفيّة تسعى جاهدةً إلى إبقاء غربة الغريب وآخرية الآخر في النص المُترجَم، وهذه هي "حصّة الغريب"، التي أصبحت في هذه الرؤية ضربًا من التعهّد الأخلاقي الذي يقطعه المُترجم إزاء النص، ورؤية شعريّة للممارسة الترجمة. قد يكون المثال النموذجي النقيض لهذه الرؤية هو ترجمات المنفلوطي، التي تتمتع بحريّة واسعة في التغيير والحذف وتجريد الغريب من "غربته" تمامًا، وربما تجد النقيض من الناحية التنظيرية في تنظير طه عبد الرحمن في الترجمة (ولكم وددتُ لو تطرق لمناقشة آرائه هنا).
هذا في الجانب التنظيري، أما في الجانب التطبيقي فقد خصصه لمناقشة ترجمات شعرية لمترجمين عرب منذ ترجمات كتّاب عصر النهضة وحتى ترجمات قريبة (ترجمة البستاني للإلياذة - ترجمات عبدالرحمن بدوي لهلدرلين - ترجمات أدونيس لبيرس ولإيف بونفوا، وغيرها) وعلى الرغم من أن جهاد قدّم انتقادات هامة، إلا أنه، في رأيي، وقع أحيانًا في ما ذكر بأنه سيتجنبه في مقدمة الكتاب، وأقصد تحديدًا بعض الملاحظات الجزئية التي قد تحتملها الترجمة ضمن رؤية ما للمترجم، بالإضافة إلى أنه عاب المترجمين أحيانًا في أنهم ترجموا القصائد ترجمةً تعبّر عن شعريّة المترجم نفسه وليس عن شعريّة الشاعر، الأمر الذي، في ظنّي، قد ينطبق على بعض انتقاداته لهم.
بحث مميّز سيكون ضمن قائمة اقتراحاتي للمترجمين والمترجمات