ولكن ، وأياً كان نطق اسمها أو معناه.. جَدة أو جِدة، جُدة أو (الثريا)كما قال بيركهارت.. فقد كنت وأنا أغادر جدة القديمة إلى حي البغدادية وكان ضحية من ضواحيها.. قد أصبح بيني وبين نوافذها ورواشينها الخشبية القديمة عهد، وبيني وبين برحاتها وأزقتها الضيقة وعد، وبيني وبين أهلها حب.. بدأ لم ينتهي بعد. عندما أتحدث عن جدة، أتحدث عن المكان والإنسان، وهناك قرابة بينهما في صدى الأبواب والشبابيك، وكلاهما لا يستغني عن الآخر.
يتحدث عبدالله مناع في هذا الكتاب عن جدة في حقبة الخمسينات والستينات من القرن الماضي مفصلاً جماليات هذه المنطقة، حاراتها وشيوخها وشعرائها وأسواقها وعطارينها وغيره.
للقرى و المدن جسد و عقل ، البشر غذاء المدن ، احياناً أكثر يكون فاسداً ، فيصبح للمدينة أمراضها ، يتساقط جلد الإنسانية و ينسلخ عن وجهها ، و تتحول الى زوجة أب ، تلبس ثياب الأم و لا تملك قلبها
جدة -تحديداً - تعلمت القسوة سريعاً ، قد يكون إنفلات توازن التركيبة السكانية فيها سبب لتلوث عقلها ، يغرق كل جداوي بين عشرات من غير الجداويين ، لم تعد جدة حانية على غريب كما كانت ، و لا تطعم مسكين كما كان أهلها.
تغير كثيراً عقل مدينة جدة ، تصحر أكثر ، ليس للبحر تأثير ، فلأنه لم يعد مصدر رزق ، أصبح مجرد لوحة زرقاء معلقة على جدار السماء ، حتى أنه لم يعد يأتي بدماء جديدة تمنح جسد جدة موروث اضافي من اخلاقيات سامية ممزوجة بأدوات اقتصادية ماهرة .
بات ليل جدة دياراً ليتامى الطفل المتسول لكلمة طيبة ، قبل ريالات تذهب لمافيا دولية ، ثم اذا اشرقت الشمس انكشفت ارصفتها عن تكتلات من نسوة أفريقيا السمراء ، و صغارهن حتى يأتي الغروب و نيف ، فأغلب ارصفة جدة مزارع لفلاحة البؤس و قطفه .
تذهب النسبة الكبرى من الكثافة السكانية الى جينات وحناجر غير عربية ، بعضهم أتت به أقدار قاسية من ديار قاسية ، طاقتهم السلبية ذات تأثير واسع، ثم جاء نظام الكفيل بتكريس حقير للقسوة ، و قدرة على تحويل الفرصة الوظيفية في السعودية من حلم كبير الى نفق كدح و شقاء ، فاللهم ارحم البلاد و العباد من نظام الكفيل ، لأنه نسخة متطورة من سوق النخاسة .
يتحدث اهل جدة عن الرياضة اكثر من بحثهم عن حلول لمدينة سيكون الشحاذين و المتسولين أغلبية فيها خلال سنوات قليلة ، فبخل الناس برحمة الناس يرفع مستويات الجفاف حتى في شعر قطط تتناثر في شوارعها أو أيادي رجال و نساء ينبشون - و بشكل روتيني - صناديق النفايات ، وحده الجوع القارس يحرض الأدمي على ممارسة سلوك حيواني ، بما في ذلك القتل ، بينما السرقة في هكذا تناقض تكون خارج دائرة تطبيق الحدود نصاً أو تعزيراً ، فطالما كان لكلاً قيامته ، فلكلاً فقره، و عذره .
كانت شوارع جدة مكتظة بلكنة حجازية ( خفيفة دم ) و مليئة بالذكاء لغة و معنى ، محشوة بالوضوح و الليونة ، و تعبيرات رحيمة جداً ، أما الآن باتت لغة خجولة ، تنزوي في الأماكن العامة، كأنها وسيلة تواصل بين جالية فقط، أختارت جدة الأعتماد على لغة جديدة ، اللغات الجديدة تستوجب إجادة تامة حتى تصل الصورة كاملة ، لم تعد جدة تتكلم كما كانت ، و بالتالي لا تسمع بوضوح ، هذه قسوة ضد السابق و اللاحق من ساكنيها .
أختفت عن جدة قدرتها السابقة على الإيمان بالقضاء و القدر في زوايا الرزق ، و جلب المال ، باتت ( الفهلوة ) الرشوة ، العمولات جوالب رزق أكثر من الوظائف ، و كذلك صدق التعامل ، فالوافدون من الداخل أو الخارج يمارسون سياسة ( اشبع فطير و طير ) ، أو كدلال بنات الهوى ، فمن تقسو على الديار تقسو عليه ، ذلك قصاص.
كان ولا يزال أكثر الفاعلين في بناء خيمة القسوة على أرض جدة هم أبناء قومي ( البدو ) ، تدثرنا الحضارة لباساً و عجزنا عن هضمها مضموناً ، قسونا على جدة كثيراً ، أتيناها جياعاً فأطعمتنا، عراة فكستنا، جهلاء فهذبتنا ، و عندما أصبح القط نمراً بات يلغي التاريخ ، و يسرق الجغرافيا ، و حاربنا ثقافتهم ، شككناهم حتى في عقيدتهم ، سلبناهم هويتهم ، أجبرناهم على التوقف عن امتدادهم الطبيعي ، و رغم ذلك لم نك أكثر من أهل جدة قسوة عليها ، لانهم صدقونا و كذبوها ، اطاعونا و عصوها ، اغلبهم اعتقد ان اسلافه كانوا خطائين ، فالقسوة على التاريخ و الموروث و إقصاءهما بعمليات قيصيرة يؤدي دوماً إلى كآبة تملاء أرض و سماء الحجاز . @jeddah9000 jeddah9000@hotmail.com نشر في صحيفة الحياة http://alhayat.com/OpinionsDetails/42...
أي كتاب عن جدة يفرح النفس ويوشوش الفؤاد، أقولها بكل ثقة وأريحية! لهذا الكتاب مكانة خاصة لتوثيقه لرجال حارات جدة القديمة ومنها حارة الشام والتي كان جدي لأمي أحد نجومها. رحل عنا الأديب عبدالله مناع الشهر الماضي - رحمة الله عليه
المجهود المبذول في إخراج المعلومات في الكتاب، طريقة الطرح، وفكرته تجعلني أعطيه أربعة نجوم، وإن كنت أعتقد أنه مهما كانت توجهاتك وإهتماماتك فالكتاب سيجلب إنتباهك ويحوط على إعجابك. لكنك إن كان في قلبك مثقال ذرة حب لجدة فسينال على إنتباه كجميع خلايا عقلك. منظم بتقسيم حارات جدة مع ذكر أشهر العوائل والبيوت والحوادث اللتي كونت التاريخ القريب لجدة (أخر مائة سنة) . نحتاج أن نعطي هذا الكتاب لبعض الناس المتقوقعين داخل عنصريتهم المغبرة بالجهل والحقد الذي لا معنى له
هذا الكتاب مرجع لمعرفة كيف كانت جدة في السابق أعجبني الأسلوب المتبع في الكتابة، فالفصول مقسمة بأسماء الأشخاص المميزين في كل حارة، كالعمدة والعطار ومدير المدرسة والخباز وغيره ممتع جداً في القراءة
سرد حميم من الذاكرة لمكان الطفولة والصبا والشباب لمدينة جدة القديمة بتفاصيل جميلة مفعمة بالمحبة والكاتب اجاد المراوغة حيث افلت من توثيق أي حدث ولم يؤطر الكتاب في رواية مع ذلك وجدت نفسي معجباً بالسرد المتماسك في اغلبه