يمكن الجواب على سؤال " لماذا تقدّم العالم و تأخّر المسلمون " بالاستشهاد بمثل هذا الكتاب .. طبعاً لا تتوقّع أنّ الكتاب يبحث هذا الموضوع أو يشغله بشيء .. أبداً و إنّما حين تقرأ بحثاً مكثّفا عميقا جبّارا يحاول مسح تيّارات الفكر الديني الإسلامي و المسيحي و البحث عن نقاط التشابه و الاختلاف بقراءة عميقة لكلّ هذه المدارس , و ببحث حقيقيّ من مستشرقين متخصّصين في هذا الموضوع , بينما أفضل كتاب ألّفه عربي عن تيّارات الفكر الإسلامي لا يتعدّى الحديث المدرسي عنها , و في أفضل الكليات الشرعيّة لن تحرم من سماع كلمات مثل " الفلسفة ترف .. إن لم تكن كفراً " و يكون مستوى التقدّم و التميّز فيها بناء على ترداد المكرّس أ وإعادة إنتاجه عسريّا في احسن الأحوال ... فبوسعك أن ترى الهوّة العميقة التي تجعل المعرفة لدينا على هذا الحال من ضعف الاكتراث بها و من استرذالها في كثير من الأحيان , و بين المعرفة لدى غربيّ مسيحيّ التي تجعله يقضي عقوداً من البحث و التفكير لأجل بحث كهذا . يقدّم الكتاب عرضاً مسحيّا لتيّارات الفكر الإسلامي و ما فصل بينها و ما جمع , و تاريخيّة نشأتها و تطوّر مدارسها , يقع علم الكلام و الفلسفة و بحث العلاقة بينهما معا و بين كلّ منهما مع الفكر الإسلامي موقعاً مركزيّا من هذا البحث , إضافة للمقارنة الدائمة مع علم اللاهوت المسيحي و إبراز نقاط الاختلاف و الاجتماع , هو طبعاً يتجاوز نقاط التلاقي الشكليّة إلى ما هو أعمق , من حيث المنطق الكامن أو الأفكار الكامنة في النماذج , لا يمكن القول إنّ لويس غاردييه و جورج قنواني متخلّيان عن تحيّزهما تماماً في هذا الكتاب ولكنّهما استطاعا تقديم بحث موضوعيّ إلى أبعد حدّ يتوقّع من مستشرق , و هو مدخل ممتاز لهذا الموضوع و لا أعتقد أنّ له بديلا في المكتبة العربيّة ... إضافة إلى أنّ الغة الترجمة متقنة و متناسبة مع الموضوع على خلاف كثير من الترجمات التي لا تنجح في نقل روح علم الكلام و الحضارة التي نشأ فيها . للمهتمّين بالموضوع عليهم أن يقرؤوه , طبعا هذا الجزء الأوّل ... و يليه مجلّدان آخران