إن كتابات منى أبو الفضل المذكورة وغيرها ممن يعمل في مشروع المنظور الحضاري-الإسلامي البديل للعلوم الاجتماعية تفتقر إلى التخصص الأصولي العميق من جهة، والنقدي من جهة أخرى، وهذا ظاهر في قلة عدد المصادر الأصولية فيها، فلا تأصيل دون (أصول)، ولا كذلك من دون نقد جذري. هذا سوى تشابه مفهوم الأمة القطب، أو الأمة الوسط مع المفهوم المناظر عند أبي يعرب المرزوقي في تونس، وإن كان المرزوقي أكثر نسقية وتخصصًا في العلوم الإسلامية والفلسفة المثالية الألمانية والمنهج الفرضي-الاستنباطي وأفاد منها معًا، وكانت خلاصة ذلك لديه (الجليّ في التفسير-الدار المتوسطية للنشر-2010) تفسيرًا للقرآن كنسق وليس كنص (أعددت عنه دراسة منهجية تحت الطبع بالفعل). وقد قطعتُ أنا شوطًا لا بأس به في رسالتي للماجستير (نظرية الحق في علم أصول الفقه) التي استكشفت فيها نظرية الحق ومفهوم الحق في هذا العلم وفي العقل الإسلامي عمومًا إن جاز التعبير. لذلك أفكر حاليًا في كتابة بحث تحت عنوان شغلني كثيرًا منذ عام 2008 وهو "مفهوم الأصل: دراسة في علم الأصول، مساهمة في إزاحة المركز الإسلامي".
رؤيتي في هذا المشروع-الذي لا تمثل رسالة الماجستير بدايته بل خطوة فيه-هي أننا نحتاج إلى إزاحة المركز الإسلامي وليس الغربي. فقد استطاع الغرب تقديم نقد ذاتي، ولم نزل نحن نحتمي تارة بالذات، أو نهاجم الآخر خوفًا على الذات، أو نحاول تأصيل الذات تراثيًا، ولكن كل ذلك دون رؤية نقدية حقيقية توظف المناهج الحديثة في دراسة النصوص والبنى المعرفية والاجتماعية. وهذا هو رأيي كذلك في مشروع أستاذنا (د. حسن حنفي) الذي (استعملَ) التراث دون نقده وبيان تناقضات أنساقه الداخلية وكشف مفاهيمه المحورية ونظرياته ومناهجه. وإن كان (الجابري) قد حاول استكشاف هذه الأنساق التراثية، فهو للأسف افتقرَ إلى عمق (حسن حنفي) العلمي بمادة التراث الذي لا مثيل له بين المفكرين العرب المحدثين. ولم تزل الساحة الفلسفية العربية تحتاج مَن يجمع بين التخصص في العلوم الإسلامية (خاصة الأصول) وبين الرؤية النقدية غير البراجماتية غير الأيديولوجية، والتي تتحرر كذلك من منهج تأويلية الارتياب (بتعبير ريكور) الذي يفترض خلفية أيديولوجية مسبقة لعلماء الأصول ويحاول بيانها (نصر أبو زيد وعلي مبروك نموذجين). وقد قدمت في ختام رسالتي للماجستير نقدًا واضحًا حاسمًا ضد كل هؤلاء، لتدشين هذه الرؤية الخاصة بي.
على أية حال أحاول في هذه البحث المقترح استكشاف مفهوم الأصل، وهذه محاولة مبنية على محاولة سابقة قمت بها في بحث قدمته عام 2008 في مؤتمر للجمعية الفلسفية المصرية تحت عنوان (الوضع والطبيعة في أصول الفقه عند الشاطبي) وخصصت جزءًا من المقدمة (التي هي أهم ما في أبحاثي دائمًا) لدراسة مفهوم الأصل لغويًا ونسقيًا في علم أصول الفقه. وفي مشروعي للدكتوراه المقدم إلى جامعة (كولن) في ألمانيا أنتوي دراسة مناهج التفسير الإسلامية بردها إلى (علم أصولِ تفسيرٍ) أحاول استكشافه، كخطوة أبعد على طريق هذا المشروع الذي أتمنى العمل عليه باستمرار دون عوائق
د.منى أبو الفضل الأمة القطب: نحو تأصيل منهجي لمفهوم الأمة. عرض وتحليل: حفيظ هروس د.منى أبو الفضل الأمة القطب: نحو تأصيل منهجي لمفهوم الأمة. عرض وتحليل: حفيظ هروس
هناك تواطؤ عام على أن "الأمة" ظلت تشكل على امتداد الزمان الضمير الحي والمخزون النفسي لعموم جماهير الجماعة التي قطنت دار الإسلام، لكنه مع ذلك بقي مجرد انفعالات وجدانية لا أثر له في الواقع المعيش للمسلمين، وعليه فقد أصبح مراجعة هذا المفهوم واجب الوقت قصد الارتقاء به من "مجرد ظاهرة حسية-وجدانية إلى مفهوم عقلي منطقي"[1]. ومن بين أهم موجبات هذه المراجعة بالإضافة إلى ما سلف ذكره هو المد الإحيائي الإسلامي الكبير الذي يقابله إهمال شديد للعناية بهذا المفهوم وإعماله عن طريق إخراجه من دائرة الظل والخمول إلى حيز النور والفاعلية، ومن هنا تأتي أطروحة الكاتبة "الأمة القطب"، بحيث ترى أن صفة القطبية هي أقرب صفة يمكن إسنادها "للأمة" وهي "الصفة التي مكنت الأمة من الاستقطاب والقابلية والقدرة على التجميع حولها"[2] وهي بهذه الصفة تؤدي وظيفة مزدوجة "من حيث تماسكها الداخلي وانفتاحها وجاذبيتها بالنسبة للغير على المستوى الخارجي"[3]. إن أهم خصائص الأمة التي انطلقت منها المؤلفة هي ملاحظة أنها "ارتبطت بالعقيدة الدعوة"[4] مما يعني أن "الأمة تدور مع العقيدة، والعقيدة هي منطلق بقاء الأمة"[5]، كما أن العلاقة الجدلية بين الأمة والعقيدة باتت هي "المدخل المنهجي لمراجهة المفهوم"[6] عند كاتبتنا. وقد أضفى هذا الطرح على المفهوم المدروس بعدا غيبيا واضحا بالاضافة إلى الأبعاد الأخرى نتج عنه قصور المناهج المادية في معالجة وتحليل الظاهرة لذا اقترحت المؤلفة بدل ذلك المزواجة في المناهج المتوسل بها لإعادة بناء المفهوم بين الظواهر والماديات ="البرانيات"، وبين القيم والمعنويات ="الجوانيات". وبما أن أخص خصائص الأمة هي "العقيدة الدعوة" فإن المحور الرأسي للاستقطاب في أطروحة السيدة منى تعتليه العقيدة ثم تتبعه العبادات بينما تحل العوامل الجغرافية والتاريخية والبشرية أبعادا للمحور الأفقي، وتطغى أهمية العقيدة على غيرها من العوامل لأنها تشكل "مصدر تماسك الكيان الذاتي للفرد، ثم هي مصدر تماسك الكيان الذاتي للجماعة"[7]. أما الدولة فإنها تبقى في هذه الأطروحة مجرد أحد العناصر المكملة لا أصل البناء "فليست الدولة في الإسلام مدارا للأمة قياما وتطورا وامتدادا وضمورا"[8] بحيث أن "الإسلام عندما جاء بأمة "الأمة" لم يقرنها بحتمية تنظيمية معينة... بل هي القادرة على إيجاد الأشكال والصياغات التنظيمية التي تتلاءم ومعطيات العصر"[9]. وحقيقة بقاء الأمة واستمرارها مرتبط بخلود أصل نشأتها الحيوي المرتكز أساسا على "المنشأ النفسي المتجدد"[10] وهو منشأ ذاتي لا يستمد عنفوانه من أية جهة خاريجة، هذا بالاضافة إلى المنشأ الأول التاريخي الذي ارتبط بمطلع الدعوة والفترة التكوينية لجماعة المسلمين الأولى. والمنشأ النفسي هو الذي يتيح للأمة استقلاليتها ويكرس وحدتها. ولنا على هذا الطرح التجديدي لمفهوم الأمة ملاحظات نجملها فيما يلي: 1-تقديم الأمة وأولويتها في طرح الأستاذة منى أبو الفضل على جميع الأشكال والصيغ التنظيمية التي برزت أو يمكن أن تبرز فيها وعلى رأسها الدولة التي تراجعت إلى الخلف في هذا التصور يعكس وعيا عميقا بالمأزق الكبير الذي يعيشه الفكر الإسلامي وخصوصا الحركي منه منذ الميلاد المبكر للأطروحات الحركية التي جعلت الدولة تطغى بشكل كبير على اهتماماتها وطموحاتها وأهدافها. حتى أصبحت عبارة عن "أسطورة" مركزية في النسق المفاهيمي لفكر الحركيين كما بيّنت بحق د.هبة رؤوف عزت في كتابها القيِّم "الخيال السيسي للإسلاميين: ما قبل الدولة وما بعدها"[11]. فالأستاذة منى ما فتئت تصر في كتابها على أن "الأمة هي الأصل" باعتبارها "وعاء القرآن"[12]، وهو طرح كفيل بتنبيه الحركيين إلى ضرورة مراجعة النظريات وإعادة ترتيب الأولويات، ولعل من أثر ذلك النظرة المقاصدية للعلاقة بين الدولة والأمة عند شيخ المقاصديين المعاصرين د.أحمد الريسوني الذي يؤكد بدوره "أن الأمة هي الأصل وليس الدولة"[13]، معززا أطروحته بكون الخطاب الشرعي في جل النصوص التكليفية الشرعية "هو أساسا وابتداء للأمة ولجماعة المسلمين"[14]. ومن ثمَّ يردُّ الكثير من القضايا التي اعتبرها الفقه التقليدي لصيقة بالدولة إلى الأمة فهي في نظره بها ألصق وبمهامها أشبه، ومن ذلك قضايا الدعوة ونصرة الدين وتغيير المنكر وتحقيق الشورى. وهذا الطرح النظري الذي ينزِع عن الدولة قدسيتها ويردها إلى حجمها الطبيعي وينتصر في المقابل للأمة كفيل بأن يعيد للمجتمع عمليا دوره وحجمه الحقيقي في بناء النسق المعرفي والسياسي في المجتعات التي يغلب على طابعها الخصائص الإسلامية العامة ولعل هذا الكتاب يعتبر من اللبنات الرائدة في هذا الباب. 2-الطريقة الحجاجية والأسلوب الذي تعرض به الكاتبة نظريتها يعوزه الكثير من آليات الاقناع خصوصا وأنه يحفر في أرض بقيت حكرا مدة ليست باليسيرة على الخطاب الديني، وبالتالي فإن التوسل بنفس الخطاب والأسلوب يكون أدعى للإقناع والمنافحة بينما الاتكاء على الخطاب القانوني الإنساني الذي لا يُنكر أهميته –خصوصا وأن الكاتبة تؤكد على ضرورة الوصل بين الإسلاميات والإنسانيات- يبقى أقل فاعلية في مواجهة خطاب الحركيين المفعم بالنص الديني. 3-ربط مفهوم الأمة القطب بالعقيدة عند كاتبتنا مشكل، وهو نفس الشيء الذي آل إليه طرح الأستاذ الريسوني الذ يرى أن الأمة هي "أمة الإسلام، وهي جماعة المسلمين"[15]، وأرى أن الإشكال يبرز من جانبين اثنين هما: أولهما الإشكال التاريخي المتعلق بوضعية غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، وثانيهما عدم القدرة على الانفتاح على مفهوم المواطنة بالمعنى المعاصر. ثم إن ربط مفهوم الأمة بالمضمون الديني يتعارض مع الاستخدام النبوي لهذا المفهوم في صحيفة المدينة التي اعتبرت الجماعات الدينية اليهودية أمة من الناس "وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين" وهي ملاحظة ثاقبة اتكأت عليها د.هبة رؤوف في افق التطوير السياسي لمضمون الأمة[16]. كما أنه –أي ربط الأمة بالمضمون الديني- يحُول دون تطوير المفهوم في أفق المسلك السياسي بدل المسلك الديني الصرف، وهذا لا يعني بالضرورة تبني التعريف "القومي" لهوية الأمة بالطريقة التي تشكلت بها في الأدبيات السياسية الغربية وإنما القصد فتح نوافذ تجديدية للمفهوم تحت المظلة السياسية المتسعة لجميع الناس بدل الانحباس في المعطى الديني الذي سيخلق اختناقات هوياتية على مر الزمان.
[1]- د.منى أبو الفضل، الأمة القطب: نحو تأصيل منهجي لمفهوم الأمة. مكتبة الشروق الطبعة الأولى 2005. ص36. [2] -نفسه ص29. [3] -نفسه ص51. [4] -نفسه ص24. [5] -نفسه ص24. [6] -نفسه ص24. [7] -نفسه ص67. [8] -نفسه ص24. [9] -نفسه ص56. [10] -نفسه ص78. [11] -د.هبة رؤوف عزت، الخيال السيسي للإسلاميين: ما قبل الدولة وما بعدها. الشبكة العربية للأبحاث والنشر. الطبعة الأولى 2015. ص72. [12] - د.منى أبو الفضل، الأمة القطب ص55. [13] - د.أحمد الريسوني، الأمة هي الأصل: مقاربة تأصيلية لقضايا الديمقراطية وحرية التعبير. الشبكة العربية للأبحاث والنشر. الطبعة الثانية 2013. ص10. [14] -نفسه ص12. [15] -نفسه ص9. [16] - د.هبة رؤوف عزت، الخيال السيسي للإسلاميين ص102. http://harrous.blogspot.com/2015/09/b...
كتاب صغير الحجم، كثيف المضمون يحتاج إلى هضم وتمثيل، وهذا لا يتم إلا بأن تشتبك مع نص الدكتورة منى أبو الفضل، وتدخل في جدال مع النص، وتعانيه، وتحاول تفكيكه وتذوقه واستقبال جرعات المعرفة المركزة والمضغوطة في المفردات والجمل. الكتاب يطرح مفهوم الأمة وفق التصور الإسلامي، الذي هو مفهوم قرآني فريد، لا زلنا نرى آثاره على الواقع السياسي والاجتماعي للعالم الإسلامي، رغم تشظي هذا العالم، ورغم ما يبدو عليه من فرقة وشتات وتشرذم. يقول الدكتور طه جابر العلواني – زوج المؤلفة – في مقدمته على هذا الكتاب، أن كتابي " الأمة القطب" و " ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" يكمل كل منهما الآخر، فإن كان الأخير يوضح آثار انحطاط المسلمين على البشرية كلها، فإن الثاني يحلل بطريقة علمية موضوعية أصيلة مفهوم الأمة، وخصوصا مفهوم الأمة القطب. وتقصد المؤلفة بالأمة القطب أو caresmatic nation، أي الأمة التي تملك خاصية الاستقطاب والجذب، وهي أمة منفتحة على البشرية بكل تنوعاتها، تستوعب كل الأجناس والأنواع والأطياف،ولا تقع حكرا لشعب مختار ، وهي كيان اجتماعي تكافلي يخرج الإنسان من ذاتيته وفردانيته الضيقة إلى رحابة الأخوة الإيمانية
محاولة جيدة و ولا بأس بها للدكتورة منى ابو الفضل ، ولكن تبقى المشكلة ،هي انه عندما تقرأ لمتخصص في مجال معين ، فإنك ستحتاج جهداً استثانئي بسبب اللغة المركزة المتينة التي تستعمل و بسبب قناعتي ان المتخصصين تحديداً لا يكتبون كلمة دون معنى بسبب معرفتهم العميقة و اطلاعهم الشامل للمفاهيم التي يستعملونها ، الامة القطب ، هو مفهوم يُّعنى بتوضيح مركزية الأمة الاسلامية من ناحية داخلية ، من ناحية نظرة ابائها لهذه الامة و سعي لتوضيح مركزية هذه الامة في حياتهم محاولة حثيثة لتجديد آمل ان يكون متبوعاً بمؤلفات أخرى