بدعم من الديوان الملكي العامر، صدر عن دار أزمنة، ودار طمليه للدراسات والأبحاث، كتاب للكاتب الراحل محمد طمليه بعنوان: «على سرير الشفاه»، يتضمن مقالات كتبها طمليه أثناء صراعه مع مرض السرطان .
واشتمل الكتاب على نصوص إبداعية ومقالات، من ضمنها: رجال ونساء، يحدث لي دون سائر الناس، الجرعة الأولى، أنا والسرطان وهواك عايشين لبعضينا، أمراض ترفع الرأس، وغيرها من المقالات.
قدم للكتاب القاص مفلح العدوان، وجاء في مقدمته: « كأنه الآن، هو بنحول جسده، وبسخريته المحببة، كأنه الآن، هو بأسطره القليلة التي يخطها على ورق، فتوشك على الميلان قليلا عن مسارها فوق بياض الصفحة»، ويضيف العدوان: «وعبر بعض مقالاته، بنيته كتابة رواية عظيمة في بداية اكتشافه لمرضه، كأنه يستهزىء بالسرطان، ويريد استثماره على هواه، حيث يقول: (على أي حال، «أشهد أنني قد عشت»، و»ربّ ضارة نافعة»، و»السرطان» مجرد «سكرتير» مجتهد قمت بتعيينه في جسدي لتذكيري كل صباح بواجبي إزاء مشروعي الأدبي الذي يعرف كثيرون أنني أفكر فيه منذ أيام الجامعة: رواية تضعني في الصف الأول عالميا، واشعر أنني مؤهل لها: كلامي متطرف أيضا، وقد يعتبره كثيرون شكلا من «الهلوسات» التي تصدر عن مريض بائس يخضع للعلاج «الكيماوي »).
محمد طملية كاتب وصحفي أردني (1957 - 2008) من مواليد مدينة الكرك، جنوب الأردن.
يُعد من الكتاب الأردنيين الأكثر شهرة محلياً وعربياً لما يتميز به من سخرية لاذعة وفهم سياسي لما يدور محليا ودوليا.
بدأ مشواره الصحفي مع جريدة الدستور عام 1983، وكان كاتبا لعمود يومي في عدة صحف أردنية أخرى، كما كان عضواً في الهيئة الإدارية لرابطة الكتاب الأردنيين، وفي اتحاد الأدباء والكتاب العرب.
وهو أول من كتب مقالا ساخرا في الأردن. وقد استطاع أن يوجد لنفسه أسلوبا فريدا، فجمع بين الأسلوب الصحفي والأدبي في الكتابة
هل قلت من قبل أنني قد أواجه دبابة أو جندي اسرائيلي أو أشارك في مظاهرة ولن أشعر بالخوف لكن أن تضعني أمام شخص مريض وخاصة السرطان أو من فقد أحد والديه فلن تنفعني مئات الكتب التي قرأتها ولا الشهادات التي حصّلتها ولا خبرتي في هذه الحياة على التعبير عن تفهمي لمثل هذا المصاب بله أن أعبر بشيء آخر سوى الصمت.
فقدت إحدى صديقاتي منذ ما يزيد عن عامين بمرض السرطان وكانت أقوى منّا جميعاً وأكثر مداراة لمشاعرنا التي كانت تخوننا أمامها خصوصاً بعد أن فقدت شعرها بالكامل. كان لديها مدونة تكتب فيها كل ما كان يحصل معها والنوبات التي كانت تنتابها من جراء العلاج الكيماوي وكيف كانت تصف قدرتها على الشعور بما كان يدور حولها ورغبتها أن تطمئن والدتها أنها بخير لكنها لا تستطيع التعبير عن ذلك! عندما أديت واجب العزاء لوالدتها كانت تبتسم لنا ولم أجد الكثير من الكلمات لأواسيها.
البارحة ذهبت لأداء واجب العزاء لصديقتي التي توفيت والدتها. أذكر أنه في آخر زيارة لها أعدت لنا أكلة "المسخّن وورق دوالي" وكانت تدور حولنا لتتأكد أن كل شخص قد تناول ما يشبعه ويزيد. خانتني الكلمات مرة أخرى وبكيت بدل أن أواسيها.
محمد طمليه... أقول كما قال الشاعر الفرنسي (أراغون): "لست نادماً في حياتي على شيء، قدر ندمي على امتلاء فمي بكلمات لم أقلها"!! وها هي الكلمات تقف مرة أخرى في الحلق وترفض أن تخرج لتترك جرح جديد في هذه الروح المشوهة.
رحم الله محمد طمليه وجميع موتانا ورحمنا برحمته التي وسعت كل شيء.
ومن انا لأكتب عن طمليه ؟ كان هامشيا جدا ان اقف امام خزانة الجاحظ المشهورة في وسط البلد في عمان بجانب ابازيد احمل في يدي كتابا لأحلام مستغانمي .. ثم يقول لي " خذ هذا ! "
هذا الكتاب استثنائي .. والكاتب استثنائي .. والحالة التي كتبه بها بحد ذاتها استثنائية .. ولكن ان تقرأ لكاتب مريض بالسرطان .. ثم هو يناكفه .. ويكتب عن الامل عن الحياة وعن الحب ؟ يدعو حبيبته لترقد بجانبه على سرير الشفاء - الذي سماه سرير الشفاه - .. ثم هي تشاركه الهجوم الكيماوي .. !
هذا الكتاب مميز بالنسبة لي .. هو كتب ما كتب ويعيش اماكن مثل شارع الجامعة وجريدة الدستور ومركز الحسين للسرطان وهي اماكن من ابجديات يومي التقليدي .. اي ان شخصا مثل طمليه كان معنا كل يوم .. ثم انا لم اعرفه ! عزائي ان طمليه عزز نظريتي ان كثيرا من المبدعين لا نعرفهم وابداعهم الا بعد موتهم .. او على الاقل بالنسبة لي !
اليوم انتهيت من كتاب "على سرير الشفاه" للخالد محمد طمّليه. كتاب جيد ومميّز. هو كتاب ضعيف نسبة إلى "إليها بطبيعة الحال"، لكن له رونق خاص مع السرطان. أحببت السرطان من خلال طمّليه!
أشارككم بهذا النص الذي يُعبّر عن طمّليه، وكتابه، وحياته:
"النافذة...
أنا واحد من أكثر من خمس ملايين إنساناً يعيشون في بلد يبدو للوهلة الأولى عائليّاً وحميماً، حتى أنك تقرأ على واجهات المحال: بقّالة الثقة للعائلات / ملحمة ومخابز ومحمص... للعائلات / محطّة محروقات ومستشفى ولادة وبنك: هذه للعائلات أيضاً، وما يُغيظني مزيداً من الغيظ هو أن ثمة في كلّ مطعم ركناً خاصاً للعائلات، فيما يجلس الأشقياء مثلي إلى طاولات شقيّة مثلهم، ويأكلون بصمت، ثم يخرجون لمجرّد التيه في الزحام، وأنا أبحث عن موطئ حضن: أيها الذاهبون إلى (صلة الرحم) خذوني.
بصراحة، أريد أن ألتصق / أن أُشارك على نحوٍ ما في الوئام / أن أكون طرفاً في الأواصر / أن أصافح الجميع، ويصافحني الجميع / أن... أعتذر، لا أدري.
لا عليكم، كل ما هنالك أنني أهذي، فقد أمضيت الأسبوع الأخير في المستشفى، ونعرف أن المكوث هناك في مطلع الخريف يبعث على الأسى.
أتذكّر أن الكاتب الأمريكي (أو. هنري) كتب قصة عن امرأة مريضة ظلتْ تراقب من نافذة غرفتها في المستشفى شجرة تتساقط أوراقها تباعاً في خريف موحش، وقد توهّمت المرأة أنها ستموت عندما تسقط كل أوراق الشجرة. وبالفعل أخذ الوضع الصحيّ للمرأة يتردّى يوماً بعد يوم، وبتناغم مع الأوراق التي تسقط، إلى أن بقيتْ ورقة واحدة فقط، فظنت المرأة أنها ستموت حال سقوط هذه الورقة، ولكنّها فوجئت في اليوم الذي يلي أن تلك الورقة ما تزال ملتصقة بالشجرة، وتكرّر ثبات الورقة على مرّ الأيام، فانعكس الأمر على صحّة المرأة التي استردّت عافيتها، لنكتشف أن الورقة التي بقيتْ هي عبارة عن لوحة رسمها أحد محبّي المرأة.
صدر حديثاً كتاب (على سرير الشفاه) للكاتب محمد طمليه لم أحصل على نسختي حتى اللحظة. لستُ بصدد الحديث عن التأخير، فـ أنا بشوق لتصفح ما لم أقرأ بعد ،، ولكني مشغوله أكثر بتغيب صاحب التوقيع نفسه !!
مر بالبال للتو - حوار سابق.. اجراه الاستاذ ابراهيم جابر ابراهيم مشكوراً * كقاص, اصدرت اربع مجموعات, ولكنك لا تُذكر تماما حين يجري الحديث عن الثقافة والشأن الابداعي؟ اعتقد ان "دوستوفيسكي" لا يذكر في الاردن, ولا "تشيخوف" هذا زمن منافٍ للثقافة..
* في الاجابة ثمة تذمر كما يبدو من انك لم تنصف ابداعيا؟! الكاتب الاردني لم ينصف ابدا, والمؤسسات القائمة على ذلك, بما في ذلك "رابطة الكتاب" التي نحترمها متورطة في هذا التقصير. يوجد لدينا وزارة سياحة ولا توجد سياحة, هناك شارع ثقافة ولا يوجد مثقفون يتسكعون فيه! هذه الساحة عبارة عن "كوفي شوب" كبير!.
... محمد طمليه ... أمثـالك لا يعرفون الغياب أرقد بسلام، نحبك
محمد طمليه الإنسان المصاب بالسرطان القادر على أن يتهكم على مرضه تارة و يشاكسه في أخرى و يعبث معه و يستئن به أحياناً في ليلةٍ موحشة يقضيها وحيداً و يتحداه في كل لحظة سمحت له بذلك.
محمد طمليه لا يعجز أن يضحك و هو يصارع المرض و يتناول الكيماوي، و لا يعتزل الناس بينما السرطان ينهش فيه بل هو يخبرك أو ربما يخبر مرضه بأن لديه كل يوم أصدقاء جدد من ممرضات يمازحهن صباحاً قبل تناول جرعة الكيماوي و رفقاء في الغرف المجاورة يشاركهم نفس المرض ، هو ربما يفعل ذلك ساخراً متحدياً سرطانه الذي ينتقل من مكان إلى آخر.
و تراه أحياناً يكتب ممتناً له " ... فقد كشف السرطان عن جوانب في شخصيتي لم أنها موجودة أصلا و منها أنني بسيط للغاية... لا أذكر بأنني تسببت باذى لأي كان و يعرف القسم المالي في الجردية بأن راتبي ليس لي و بيتي مفتوح للجميع ..أنا ممتن بالفعل للسرطان"
و أحياناً تجده يخاطب حبيبته و يطلب منها أن تشاركه وحدته و مرضه و يخبرنا كثيراً عن شجرات السرو الثلاثة اللاتي كنَّ يطللن عليه من نافذة غرفته في مركز الحسين للسرطان.
لا أدري ربما كان علي أن أستمع إلى صديق لطالما ذكر الرجل و سألني مستنكرا إن كنت أعرفه. قرأت له هذا الكتاب فقط، هو مبدع، و صاحب صدر رحب احتوى السرطان بكفاءة عالية. محزن جدا أن تقرأ الكتاب و أنت تعرف أن الرجل ميت!!، و محزن أنه ملم ببؤسه بشكل عميق، و لا زال كاتبا ساخرا! تركيزه و تكراره لعدة لفتات مبرر بالنسبة لي. الله يرحمه !
ما اجمل ان يحب الحبيب حبيبته كما تحب الوردة ندى الفجر ... وكما تحب ظلمة الليل شعاع الشمس .. وكما تحب صغار العصافير اعشاشها ... عندما تقرأ سطور محمد طمليه تشعر ببراعته في روعة التصوير والبلاغة سطور كتبت بواسطة شخص ميت ... تبعث الحياة في كل قلب حي