نبذة المؤلف: قصدت من خلال هذا الموضوع إلى دراسة وعرض جوانب النظرية النصية الحديثة وبيان مدى فائدتها وملاءمتها للشعر العربي. ومن خلال المزاوجة بين المصادر والمراجع القديمة والحديثة حاولت في هذه الدراسة إبراز دور نحو الجملة بمفاهيمه ومعطياته في التحليل النصي، سواء من ناحية الاندماج مع مفاهيم النصية أو من ناحية توسيعها وتطويرها. كما أن شعر "محمد مهدي الجواهري" لم يتناول من قبل في دراسة من هذا النوع وهو جدير بها لإبراز مواطن جماله ووضعه في مكانه اللائق به. فقد تميز هذا الشاعر بالتزامه بعمود الشعر، وتمسكه بالموروث الشعري في لغته وأسلوبه، وحرصه على إحياء مفردات اللغة وتقديم نص شعري يضارع الشعر العربي في أزهى عصوره.
وقد اقتضت طبيعة الموضوع أن يقسم على النحو التالي: تمهيد يضم أربع مقالات: تقدم الأولى تعريفاً مختصراً بالشاعر محمد مهدي الجواهري. وتضم الثانية بعض المفاهيم عن لغة الشعر وخصائصها والملامح العامة المميزة لها. اما الثالثة فتؤصل لمفاهيم الدراسات النحوية النصية، وتعرف نحو النص، وعلاقته بنحو الجملة، والمعايير التي يقوم عليها. وتختم الرابعة بصورة موجزة عن شعر الجواهري، من ناحية خواصه الأسلوبية، وبعض الظواهر الشائعة فيه. الفصل الأول: عن معيار السبك، وفيه توطئة، والفصل الثاني: عن معيار الحبك.
أما المنهج المتبع في الدراسة فهو المنهج الوصفي الإجرائي، وقد نظمته مجموعة من المفاهيم العامة، والتي منها: أنه لا توجد شكلية مطلقة في الأعمال الأدبية، وخصوصاً في فن الشعر، فدائماً توجد علاقة وثيقة بين الشكل والمضمون، والعلاقات الكائنة في النص بين الأصوات والألفاظ والمعانى والصور الشعرية والقوافي، إضافة إلى التنغيم والإلقاء، هي التي يكون بها الشعر شعراً، وكل هذه العناصر مجتمعة تبني الشعر، وتساهم بدرجات مختلفة في كونه على ما هو عليه، ودور البحث إبرازها، أو على الأقل مراعاتها وعدم مصادمتها.
أن الدراسة من خلال فكرة النصية أو علم النص- وحده- ليست كاملة، ولا تزال بحاجة إلى كثير من التطوير، ولذلك يجب التدقيق في دراسة النصوص العربية عن طريقها، وفي تناول بعض مفاهيمها التي لا تصلح بديلاً لمفاهيم مناظرة في النحو العربي، فما زالت مفاهيم النحو هي الأساس في الدراسة النصية. مراعاة المستوى اللغوي الخاص الذي يسير عليه الشعر، وكونه نظاماً داخل النظام اللغوي، واختلاف لغته في بعض مناحيها عن اللغة العامة.
الاهتمام بمعيارين من معايير النصية على وجه الخصوص وهما: السبك، والحبك؛ لما لهما من صلة وثيقة بالنص ذاته، ولم يفتني الاهتمام- ضمناً- بالمعايير التي لم يرد لها بحث خاص في دراستي، ومنها على سبيل المثال: التناص، ورعاية الموقف، والإعلامية. أما أسلوب العرض فهو الاختصار، مع دقة المعلومات واستيفاء عناصر كل موضوع أو جزئية داخل البحث، وتقديم نماذج تطبيقية مختارة من شعر الجواهري لكل جزئية.
وفي الختام آمل أن تكون هذه الدراسة مساهمة في إلقاء الضوء على شعر الشاعر محمد مهدي الجواهري، آخر العمالقة الكلاسيكيين، وفي تطوير الدراسات النصية العربية، التي ينتظر منها الكثير في المستقبل بإذن الله تعالى.
يتميز الجواهري بأسلوب شعري فريد وقدرة فائقة على الصياغة، حيث أجهد نفسه وأتعبها في التمرس بالكلمة، وقرأ كثيرًا، وأُعجب بالذي قرأ وحفظ، فصار ذلك مادة خصبة أضيفت إلى تجربته الغنية، فظهر شعره بهذا الشكل الفريد (2).
وقد كان لتكوينه الثقافي أثره الواضح في أسلوبه المشرق الذي اعتمد في تثقيفه وتجويده على غرر التراث العربي، الذي سرى بروحه وصوره وألفاظه في كثير من قصائده، فاتخذ من هذا التراث مثلاً أعلى في الأسلوب الشعري، دون التورط في أن يكون هذا الاتجاه لديه نوعًا من التقليدية أو المحاكاة بمعناها الرديء الذي تُلغى معه الشخصية أو تُغلق المشاعر عما يحيط بالشاعر ويمس نفسه (3).
ومن الخواص الأسلوبية التي فشت في شعر الجواهري بفعل تأثره بالتراث: المحسنات البديعية، من طباق، وجناس، وحسن تعليل، وحسن تقسيم، وما إلى ذلك (4).
أما موضوعات شعره الغالبة، والتي تتصل بالسياسة والمجتمع، فقد فرضت على شعره كثرة أساليب الطلب، مما يعكس التباين بين ما يريده الشاعر وما يفرضه عليه مجتمعه من ركود وتخلف يقتضيان منه التوجه إليه بالأمر والنهي حينًا، وباللوم والتقريع أحيانًا، وفي أحيان يأتي الطلب على هيئة استفهامات متتالية، منها التقريري ومنها الإنكاري (5).
ويأخذ التكرار مكانًا بارزًا في شعر الجواهري، بل كثيرًا ما يصبح التكرار أهم سمة أسلوبية في القصيدة، ومعلوم أن للتكرار وظيفة إبداعية، فالشاعر يصل إليه بعد وضوح ويخرج منه إلى وضوح، فهو يمكنه من مواصلة الإبداع (6).
كما أن التكرار عنصر توازن في القصيدة يعين الشاعر على مواصلة الفعل، فالشاعر لا ينتج قصيدته بيتًا بيتًا، بل يبدعها قسمًا قسمًا، ويمضي فيها على شكل وثبات، في كل وثبة تشرق عليه مجموعة من الأبيات دفعة واحدة، حتى تأتي لحظات الانطفاء أو الخفوت، فيحاول استرجاع ذلك الوضوح بالتكرار (7).
ومما يشيع في شعر الجواهري ـ وخاصة في الرباعيات والقصائد التي أخذت شكل القصص ـ تلك النزعة الحوارية، وتشيع معها ـ تبعًا ـ أنماطٌ لغوية، كحذف الجمل، وحذف عنصر لغوي لدلالة ما سبق، والربط بين الجمل بالفاء وثم، وغير ذلك.
وللجواهري ولعٌ بالتصرف في تضام الجمل داخل الأبيات عن طريق الفصل بين المتلازمين، وغالبًا ما يهدف بهذا الفصل إلى خدمة القافية التي يحملها آخر المتلازمين ورودًا، وهي ظاهرة أسلوبية في شعره نشأت من رصده قافية البيت قبل نظمه في غالب الأحيان.
وجديرٌ بالذكر أنَّ الجواهري ـ مع جودة لغته وقوة أسلوبه وصحة سليقته اللغوية ـ ترد في شعره بصورة نادرة بعض الهنات اللغوية أو ما هو من قبيل الإدلال بقوة اللغة عن طريق الاختراع والارتجال، أو التصرف في نظم الكلام تقديمًا وتأخيرًا على خلاف مقتضى النحو مثلاً، إلا أن هذا يعد من قبيل النادر جدًّا والذي لا يكاد يظهر وسط هذه الكثرة الكاثرة من شعره متين النسج، جزل العبارة، قوي التركيب.
ويبدو أن هذه الهنات النادرة سوَّغت لبعض الباحثين مؤاخذته على أخطاء طباعية ليست من صنعه (8)، وعلى بعض التوسُّع الذي تجيزه اللغة ولا تأباه، وهذا من باب التحامل على الشاعر بالباطل.
فنجد مثلاً الدكتور محمد عبد العزيز الموافي (9) يخطِّئه في لفظ (مَعِيب) والذي شكل في المطبوع بضم الميم(10)، قائلاً: ” ويبدو أن الجواهري يدرك تمامًا الخطأ الذي يقع فيه، ولا يهمه بعد ذلك أن يتركه على حاله ” (11)، وليست هذه من الأخطاء البلقاء التي يُحاسب عليها الشاعر؛ فهي غلطة مطبعيَّة.
ومثلها تخطئته إياه في تشديد النون من لفظ (أَرِن)، بقوله: ” مع أن (أرن) على وزن (فَعِل) لا على وزن (أفعل)، ومن ثم فليس من داع لتشديد النون، إلا لضرورة الوزن والقافية، وجعلها من الرنين ـ كما ذهب مفسر الألفاظ في الديوان ـ خطأ! ” (12) ، ولا ضرورة هنا لتخطئة الشاعر، فمصحح الديوان أخطأ في الشكل وفي تفسيره، وأراد الدكتور الموافي تخطئة الجواهري فأخطأ هو؛ فليس هنا من داعٍ أصلاً لتشديد النون! (13) لا وزن، ولا قافية تدعو إليه.
كما يخطئه أيضًا في قوله (14): فإن الموت أقصر قيد باعٍ بأن يغتال فكرًا واعتقادا
بقوله: ” ولعلَّ من الأصح أن يقول: (أقصر … من أن) ” (15)، ومعلومٌ أنَّ ” حروف الجر ينوب بعضها عن بعض إذا لم يلتبس المعنى ” (16)، فلمَ نحجر واسعًا والشعر محل اتساع؟ كما أن الجواهري لم يكن يعجز أن يقول: ” منَ ان يغتال فكرا واعتقادا ” بوصل همزة القطع من (أن)(17)، بمعنى أنه أتى بالباء عن قصد ووعي، ولعلَّ الشاعر فضَّل الاتِّساع في حرف الجر على الوقوع في رداءة وصل همزة القطع.
ويبلغ التحامل ذروته حين يخطِّئه بقوله: ” وكذلك لم يتبع المألوف في قوله من (عقابيل داء): ورُبَّتما لاحت على السنِّ ضحكةٌ له تنفثُ السُّمَّ الزعافَ وتلصِبُ
حيث أدخل (ربَّ) على (ما) النافية ” (18)، فلا هذا من عدم اتباع المألوف، ولا هي نافية من الأصل، بل هي زائدة كافة، وزيادة (ما) بعد ربَّ مع عدم كفها عن العمل موصوفة بالقلة (19)، فما لدينا هنا إذن من قبيل الكثير المعروف.
وعلى مستوى الموسيقى في شعر الجواهري نجده حريصًا في غالب شعره على عمود الشعر والشكل القديم للعروض، بما يدخل في ذلك من وحدة القافية التي ساعده عليها طول نفسه، وضخامة معجمه الشعري من الكلمات والتراكيب.
لكنه مع ذلك ورد في شعره تعدد القوافي مع وحدة البحر، تارةً على نظام الموشحات، وأخرى بنظام المقاطع، حيث لكل مقطع قافية.
وعلى مستوى التجديد في الوزن نجده مثلاً في قصيدة (أزف الموعد) (20) يستعمل الرمل بالعروض والضرب التامَّين (فاعلاتن)، ونجده في قصيدة (زوربا) (21) وبعض الرباعيات يستعمل بحر الرمل بخمس تفعيلات في البيت، وبقوافٍ متنوعة داخل القصيدة، الأمر الذي يعني عدم جموده، وأنَّه قادرٌ على التجديد ومسايرة ما حوله من دعواتٍ إلى التجديد، غير أنه يفضِّل العمودية التي رصدها الخليل في الشعر العربي؛ لأنها تستفزُّ طاقاته، وتبيِّن قدراته، وتقربه من التراث الذي يتنفسه، ألفاظًا، وأسلوبًا، وموسيقى.