2012 التصنيف: تدوينات *جمع مؤلفيه أكثر من 30 تدوينة تمت كتابتها على الفيس بوك خلال الـ18 اليوم الأولى من الثورة
عزيزى عمر وعدتك منذ زمن بحكايه لن يحكيها لك سواى ولكنى اكتشفت أن هذه الحكايه ستسمعها من كثيرين .. ستسمعها من امك .. وستسمعها من أصدقائى كذلك .. وعدتك ايضا أن أحكيها لك قبل النوم ولكنى أعرف الآن أنك ستسمعها وأنت تجلس بينا عندما يأتى الحديث عن هذه الأيام وتدور الكلمات بيننا لنذّكر بعضنا بما كان منا فيها .. ستجلس بيننا فى إنبهار تستمع لكل ما حدث فى هدوء .. ستستمع لأصواتنا التى كانت تدوى فى فضاء بلادنا الذى كان صامتاً ولن يعود كذلك أبداً .. سترى الجميع يخرجون من الشرفات ليشاهدوا هؤلاء الذين خرجوا من بيوتهم ليلاقوا المجهول بحثاً عن وطن حلموا به كثيرا ولم يجدوه وقرروا أن يخرجوا بحثاً عنه .. ستقرأ فى كتب التاريخ أنها كانت ثوره من عالم إلكترونى إفتراضى خلقناه لأنفسنا وعشنا فيه ولكّنى سأخبرك بالحقيقه التى لن يذكرها أحد .. سأخبرك أن عالمنا هذا كان العالم الحقيقى الذى خلقناه بعيداً عن عالمهم الذى يمتلأ بالزيف والزور والكذب .. خلقنا عالما لنعيش فيه بصدق ولنقول أراءاً لا نسمعها منهم ونحلم أحلاما طالما حاولوا طمسها وتشويهها فى عالمهم .. وعندما مللنا أكاذيبهم خرجنا للنور .. حددنا موعدا وأماكن لنلتقى .. سخروا منا .. سخروا كثيرا .. حتى أصدقائنا سخروا منا .. وعندما أتى اليوم كانت الحقيقه التى لم يكونوا ليروها فى عالم ملئوه بالاكاذيب .. خرجنا للنور نهتف بأسم الوطن .. خرجنا نجوب شوارعنا التى لم تكن شوارعنا .. خرجنا نوقظ الصامتين فى بلاد تقدس الصمت والصامتين .. خرجنا بأصوات عاليه ملّت السكوت .. شباب فى مقتبل العمر يحلم بوطن .. يحلم بحياه .. يحلم بصدق ويؤمن بحلم .. تعاهدنا ألا نعود ووفينا ما عاهدنا عليه .. وفينا بوعدنا أمام عصى الامن المركزى وأمام قنابلهم ورصاصهم المطاطى والحى .. احيانا كنت اشعر اننا خرجنا للإنتحار وأنا أرى شخصاً محمولاً من أصدقائه ينزف من طلق نارى فى قدمه ويهتف بهتافنا ويأمرنا فى حماس بالثبات .. أشعر أننا كنا ذلك كلما تذكرت وقوفنا أمامهم رغم كل ما فعلوه .. ستقرأ فى الكتب أنهم أستخدموا (القوه المفرطه ) ليمنعونا ولكنكم أبداً لن تعرفوها لأنهم لم يعودوا موجودين ..
لم يبقى فى هذا الوطن إلا من صمد أمام القنابل والرصاص والعصى ورشاشات المياه وبطش المخبرين والشائعات وحملات التخوين .. لم يبقى فى هذا الوطن إلا هم والجبناء الذين لازموا بيوتهم .. أما ما عادهم فقد ذهب إلى الجحيم .. لن أذكر لك أسماءاً لأن كتب التاريخ نفسها لن تهتم بذكر أسمائهم .. أعرف أن حكايتنا مع المخبرين ستعجبك وستجلس لأعيدها على أسماعك مرات ومرات لتعرف كيف كنا نجرى منهم فى الظلام فى حوراى وأزقه لا نعرفها.
ستقرأ فى كتب التاريخ عن حملة الإعتقالات فى الأيام التاليه وستسألنى عنها وستسألنى كذلك عن هذه الجمعه المباركه التى غيرت التاريخ عندما خرج الجميع جوارنا .. لم نعد شباباً يسعى خلف حلم بوطن بل أصبحنا فى هذا اليوم شعباً يسعى لإستعادة وطن .. ستقرأ فى الكتب عن إشاعة الفوضى وفتح أبواب السجون وحرق المبانى وسرقة المحلات وعن الإشاعه التى روجها النظام بنهب الخارجين عن القانون للمنازل حتى نعود لبيوتنا ونلتزم بقرار حظر التجول ليعود الصمت إلى بلادنا من جديد .. سأحكى لك ما لن تذكره الكتب عن شباب هذا الوطن الذى واجه رجال أمن بسلوك البلطجيه وبلطجيه بسلطة رجال الأمن بصدور عاريه .. نزلنا لنحمى بيوتنا .. نزلنا لنحمى شوارعنا .. نزلنا لنحمى وطناً شعرنا لأول مره أنه لنا .. أننا منه وأنه منا .. ستسمع كثيراً عن أن هذه الازمه كانت سبباً ليشعر الجميع بالأمن لأول مره .. وستسمع عن الشباب الذى كان ينظم المرور .. ستسمع منا عن أجمل أيام هذا الوطن رغم ما كان يروجوه فى شاشتهم من فزع فى صرخات تليفونيه لربات بيوت لم نعرف أبداً مصدرها .. كانوا يعتقدون أنهم سيقايضون حرية هذا الوطن باستقرار مؤقت وأمان مزعوم وقاصر ..
سأحكى لك عن الحرب النفسيه التى واجهناها فى هذه الأيام من الإعلام ومن أهلنا وأصدقائنا كذلك .. وعن حملات التخوين والعماله والرغبه فى تخريب هذا الوطن وزعزعة استقراره التى إتهمونا بها.. وستسمع منا ونحن نضحك على حكاية وجبات الكنتاكى والأجندات الملونه التى كنا نحملها .. ستسمع منى عن الفُرقه والقلق الذى سادنا ليوم عندما أثّرت هذه الحملات على كثيرين ولكّنا بقينا على العهد .. بقينا رغم جراحنا من بطش الأمن الذى زادتها شماتة الأهل والأصدقاء واتهماتهم .. بقينا لأن حلمنا كان أكبر من كل هذا الألم .. بقينا نحلم بوطن لنا ولكم .. بقينا ليستمر مسلسل سقوط الاقنعه .. وسقوط رجال النظام كأوراق الخريف .. بقينا ليستمر تهاوى هذا الوطن الزائف برجالاته ورموزه حولنا فى أيام معدودات .. لتسقط أقنعة المنافقين .. وتسقط أبواق النظام واحداً تلو أخر ولا تبقى إلا أصواتنا التى تُغنى للوطن وللحريه .. بقينا على العهد ليستمر مسلسل السقوط مدوياً لكثيرين ولتظهر فى هذه الأيام الوجوه الحقيقيه للجميع بلا مساحيق تجميل ..
كانت أياماً جميله لأنها كانت حقيقيه وفاصله .. كانت إختباراً قاسياً للجميع .. كانت محنه لإختبار هل نستحق هذا الوطن الذى نبحث عنه؟ .. وأثبتنا أننا نستحقه .. ستسمع عن كل الاساليب الدنيئه التى إستخدموها ضدنا بدءاً من أسماء كانت محل إعجابنا من فنانين وكتّاب ومثقّفين وحتى إستخدام المجرمين بأسلحه بيضاء لإرهابنا .. كنا ندافع عن حلم نعرف أننا لو فقدناه فلن يكون بإمكاننا الحلم من جديد .. حلماً تحقق بدماء شهدائنا الذين كانوا جوارنا يتساقطون .. حلماً تحقق بجروحنا من رصاصهم وعصّيهم فلم ننتظرها لتلتئم لنقف من جديد فى المواجهه .. حلماً تحقق بأيام قضيناها فى سجونهم ليرهبونا فأنتظرنا الخروج لنعود للصفوف من جديد .. حلماً تحقق لأننا نستحقه ولأن هذا الوطن يستحقه .. حلما بأن نبنى هذا الوطن من جديد ليخرج للنور وطنا .. وطنا بحق .. وطنا تراه الان وتحبه ..