يمثل هذا الكتاب الذي كتبه المؤرخ السوفيتي " نيقولاي إيفانوف" رؤية صادمة للتقليد الماركسي في الكتابة التاريخية العثمانية، صحيح هو لا يستبعد الآليات الماركسية في قراءة تاريخ العثمانيين لكنه قدّم مع ذلك – وقت صدور الكتاب- رؤية جديدة للتاريخ العثماني في الأقطار العربية، فهو يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن الشعوب العربية في كافة الأقطار استقبلت العثمانيين بالترحاب، فكما يقول المؤلف أن الاستعداد لملاقاة العثمانيين والترحيب بهم كان شعورًا سائدًا في كل بلد عربي، وهذه فرضية من الفرضيات الأساسية في الكتاب والتي أكدها إيفانوف من خلال السرد التاريخي المكثف للوجود العثماني في البلاد العربية إما عن طريق التوجه المباشر لها كما حدث في مصر والعراق والشام، وإما عن طريق الانضمام الطوعي لسلطة الباب العالي كما في بلاد المغرب العربي.
يُقدِّم إيفانوف تفسيرًا لذلك الترحيب بالعثمانيين في الأوساط العربية بما يمكن تسميته بالقراءة الفلاحية للتاريخ، إذ تتحكم الرؤية الماركسية هنا في إيفانوف فيري أن المفاهيم الطوباية التي روّج لها العثمانيون عن العدالة جذبت الفلاحين في كل الأقطار العربية للترحيب بالعثمانيين، ويوضح أن وضع الفلاحين كان أفضل بعد دخول العثمانيين للأقطار العربية فقد ألغوا من عليهم كثيرًا من الأعباء قبل أن يتدهور حال الفلاحين في فترات أزمات الدولة العثمانية، والحقيقة أن هذه الصورة مجتزأة وقاصرة في فهم موقف الشعوب العربية وترحيبهم بالعثمانيين، فقد رحبت بهم الجماهير -بتقديرنا- لقوتهم العسكرية التي ستحميهم من خطر التهديد الأسباني والبرتغالي، لم يكن الأمر مجرد مُثل طوباية خدع بها العثمانيون الشعوب، ولا مجرد شعبوية عثمانية على حد تعبير مسعود ضاهر في مقدمته السيئة جدًا التي كتبها للكتاب والتي فيها حاول الالتفاف على إيجابيات إيفانوف التي ذكرها للعثمانيين.
بل تجد ضاهر بلا موضوعية حقيقية عندما ينقد العثمانيين يوضح أن الطريق الواجب اتباعه للنهضة هو طريق الأوروبيين الذين فصلوا الدولة وإنتاجها عن الكنيسة، ناسيًا إجرام تلك الدول في سبيل قيامها في أفريقيا وأسيا وأمريكا، والنهب الاستعماري لتلك الدول ، فهل كان خطأ العثمانيين أنهم لم يكونوا همج من هينة كارل الخامس ملك أسبانيا الذي أباح تونس لجنوده عقب احتلالها يقتلون ويغتصبون ويبقرون بطون النساء لمدة ثلاثة أيام في وقائع مبكية مخزية ينقلها إيفانوف هنا قبل أن ينتزعها العثمانيون منه!.
إن قضية فهم أهمية التواجد العثماني في الشرق الأدنى والمغرب العربي وأفريقيا لا يمكن أن يتم وأنت تقيم ما حدث وعقلك حبيس مفاهيم " الشعوبية" و " القومية" التي لم يكن لها وجودًا في نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر، ودون اطلاع على الواقع العالمي الصعب في تلك الفترة، وعلى طبيعة النظم السياسية الممزقة في تلك الأقطار العربية التي كان من المفترض أن تتصدى للخطرين البرتغالي والأسباني، ولذلك أهم ما فعله هذا الكتاب هو تقديم عرض تاريخي مكثف للحالة السياسية المهترئة في مصر واليمن والعراق وتونس والجزائر إلى قلب أفريقيا المسلمة في الصومال ومساندة العثمانيين للصوماليين تحت راية زعيمهم المجاهد أحمد غران في جهادهم الكبير ضد الإثيوبيين الذين كان يدعمهم البرتغاليون.
والحقيقة أن الفارق العسكري بين العثمانيين وبين البرتغاليين والأسبانيين لم يكن شاسعًا بعكس الفرق بين الدول الأن، لكن استطاع العثمانيون حماية مصر والشام والحجاز والعراق، كما استطاعوا فرض نفوذهم في الجزائر وتونس وطرابس الغرب واليمن بعد صراع دامي ظهر فيه أبطال من عينة " خير الدين برباروس" الذي كان الصاعقة البحرية التي تصدت لأسبانيا في المتوسط وشكلت لها قلقًا في الجزائر وتونس، و " طورغوت رئيس" الذي كان يتحرك كحليف لسليمان القانوني وأنزل ضربات بحرية موجعة للأسبان، وأحمد غران الذي أخد على عاتقه بمحالفة العثمانيين تدمير إثيوبيا اليعقوبية، و" أوزدمير باشا الشركسي" الذي يُعد المؤسس الحقيقي لسواكن العثمانية والذي حرم الحبشة من الإطلالة البحرية والمدد الذي كان يأتيها من البرتغال.
فأعتقد أن هذا الكتاب يُعطيك تصورًا ممتازًا عن الدور الذي قام به العثمانيون في حماية الأقطار العربية لاسيما في ظل حكومات عميلة كانت خنجرًا حقيقيًا في قلب الأمة مثل الحفصيين في تونس والزيديين في اليمن، فلم يقاوم العثمانيين على الحقيقة إلا الطبقات الحاكمة التي انتزع منهم العثمانيون سلطانهم أو تلك الفئات الموالية والتي كانت منتفعة من ذلك العهد البائد.
الكتاب ممتاز على الحقيقة لم يعكره سوى مقدمة الدكتور مسعود ضاهر لهذا الكتاب، وقد تحامل فيه على العثمانيين كما قلنا بلا موضوعية، وقد فنّد هذه المقدمة ونقدها الأستاذ محمد شعبان صوان في فصل من فصول كتابه الذي صدر حديثًا" معضلة قراءة التاريخ" فمن أراد الاستزادة يمكنه الرجوع لهذا النقد.
#معرض_الكتاب٢٠٢٠
#عيد_الفطر_المبارك
#شوال_١٤٤١