«يحاول هذا الكتاب أن يقدّم مساهمةً متواضعة في إعادة كتابة تاريخ الحداثة في الفكر العربي المعاصر. وهي محاولة لا تعتذر عن رغبةٍ لديها في إعادة الاعتبار لهذا الخطاب الذي لَحِقُه حيْفٌ شديد وتعرَّض لتهميش كبير ـ وخاصة في الربع الأخير من القرن الماضي ـ من لدن معظم من تصدّوا لكتابة تاريخ الفكر العربي الحديث والمعاصر من مواقع ثقافية توسَّلت بمقدمات أيديولوجية، وعالنتِ الحداثةَ عداءً صريحاً وقبْليّاً حتّى من دون أن تصغي إلى خطابها أو تضعه في ميزان التقدير العلمي! وعندي أن تأْريخاً للفكر يُعْرِض عن تناول الأفكار والمنظومات الفكرية المتباينة في كلّيتها ، ويجنح للانتقائية والتحزُّب الثقافي، ليس من تاريخ الفكر في شيء، ولا يَقْبَلُ النظر إليه بوصفه جَهْداً علميّاً... إلخ».
عبدالإله بلقزيز باحث مغربي في الفلسفة وفي شؤون الفكر العربي والفكر السياسي. حاصل على دكتوراه الدولة في الفلسفة من جامعة محمد الخامس في الرباط، المغرب. أستاذ الفلسفة والفكر العربي الإسلامي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء. هو الأمين العام لـ"المنتدى المغربي العربي"، الرباط
Abdelilah Belkeziz
Morocco Writer, Holder of the State’s Doctorate Degree in Philosophy from Mohammad V University in Rabat, Belkeziz is the Secretary General of the Moroccan Arab Forum in Rabat. He has previously worked as head of the Studies Department at the Beirut-based Arab Unity Studies Centre. Belkeziz has published hundreds of articles in Arabic newspapers such as Al-Khaleej, Al-Hayat, Al-Safeer and Al-Nahar. In addition to articles, he has published around 43 monographs.
الكتاب هو تاريخ الحداثة العربية في الفكر العربي في بدايات القرن العشرين، ونهايات القرن التاسع عشر، والكتاب في ثلاثة أقسام، الأول هو الأصالة، الحداثة، الأنا والآخر، والثاني التكوين، التراكم، الحصيلة، والثالث هو الحرية، الدستور، العقل، التربية (دراسة حالات)، تحدث فيها عن طه حسين، وعلي عبدالرازق، و أحمد لطفي السيد، واعتمد اختيار بلقزيز لهذه الفترة وذلك لأن الانتاج الفكري فيها لم يستند إلى مفهوم دقيق وشامل للحداثة، يحسب فيها شجاعة النهضويين بالجهر بأفكارهم ودفع ثمنها، ويعدنا بلقزيز بجزء تالي للكتاب يتحدث فيه عن المرحلة الثانية للنضوج الفكري منذ بدايات النصف الثاني للقرن العشرين، ولا أعلم إن صدر أم لا. في القسم الأول بنى مقدماتٍ عامة حول جدل الأصالة والحداثة في الفكر العربي، وجدلية الأنا والآخر بحسبانها جدلية تأسيسية، والقسم الثاني بدراسة تكوين فكرة الحداثة وتطورها و بوضع حصيلتها في ميزان نقدي والثالث يتناول المفاهيم الرئيسة في خطاب الحداثة (الحرية، الدستور، العقل، السياسة المدنية، العلم، التنوير) لدى الأسماء الثلاثة التي اختارها في دراسة تطبيقية للأفكار التي سبق عرضها في القسمين الأولين. يتحدث بداية عن انكفائية أبي حامد الغزالي، أو ابن تيمية الحرّاني، لفرملتها إيقاع التجديد والاجتهاد، سأتجاوز عن ابن تيمية، واعلق على التهمة الملتصقة بالغزالي، والتي بحثها جورج صليبا في عدد من مؤلفاته، وتوصل إلى أن الغزالي لم يكن سبباً بانحطاط الحضارة الإسلامية، و أن العلوم ازدهرت بعد الغزالي لقرون، وأن أسباب الانحطاط بعدها كانت مختلفة. مما لفت انتباهي أنه يضع طه عبدالرحمن، مع محمد عمارة ومع الأخوين قطب وغيرهم، كأسماء لدعاة الأصالة كُتاب النصوص التأصيلية للخطاب الإحيائي، والتي كونت منظومة أيديولوجية، عبرت عنها الحركات الأصولية. والتي يرى أن لديهم ثلاث موضوعات تشكل منطلقاتهم النظرية، وهي تفوق الإسلام على غيره من العقائد، وأن مدنية الغرب إلى زوال وانحطاط، واستغناء المسلمين عن غير المسلمين بموروثهم الثقافي والعقدي. يتهم النصوص الاحيائية بأن فيها تحريضاً على الغرب وقيمه، ولا أفهم لماذا لا تدخل ضمن ردة الفعل، تجاه العدوان العسكري الغربي بالاستعمار، وغيره من مظاهر الهيمنة؟ لماذا يصنفها عداء ويتجاهل ظرف المكان والزمان؟ من ضمن نقده لذلك الخطاب يصفه بتوسل النصوص الإحيائية بالنص الديني، لمنع نقدها ولوئد التفكير، وتكريس ثقافة نصية ضحلة! ثم يتحدث ضمن حديثه عن اختراع معنى أصولي للأصالة، وأن علم أصول الفقه ابتدعه العقل الفقهي في غياب صريح للنص! لا أعرف إن كنت لم أفهم هذه النقطة جيداً، أو أن بلقزيز يخفى عليه نشأة علم أصول الفقه، وأن غياب النص لا يعني أن الحكم عقلي وهو يقصد القياس، وأي مطلع يعرف أن القياس ليس عقلياً محضاً! ثم يختم بأن خطاب الأصالة، هو خطاب الهزيمة النفسية القاسية أمام الحضارة والتاريخ، والتي أدت لأحداث ١١/٩، و لا أعرف كيف وسعه الاختزال إلى هذا الحد، وتجاهل بقية الظروف في المنطقة في تحليل العنف السياسي، وكذلك هل خطاب الهزيمة مقتصر على الخطاب الإسلامي وحده؟ لا يحتكر خطاب الهزيمة على الإسلاميين إنما ينتقد الحداثيين أيضا، المكتفين بنقل النصوص الحداثية، وأن على خطاب الحداثة مواجهة نقد خطابين، متباعدين في المنطلقات ومتحالفين في النتائج، خطاب جالية ثقافية ماضوية من خارج الزمان، وخطاب جالية ثقافية حداثوية من خارج المكان! والتعبير بجالية ظريف :) هل رحيل الشاه لحظة فارقة في تاريخ المنطقة لكونها سبب لصعود خطاب الأصالة والإسلاميين؟ ونكسة الحداثة؟؟ في أيام الشاه هل كان لإيران دور في الشرق؟ و لماذا الحديث دائما عن ما بعد سقوطه! الوقت لا يسعفني للحديث عن الكتاب بشكل كافي للأسف، هناك الكثير والكثير من النقاط المثيرة للجدل والنقاش حولها، والأفكار التي تستحق التوقف والإهتمام. لغة بلقزيز أدبية جميلة، وعذبة لفتت انتباهي منذ البداية، بالإضافة لأنه يتجنب الوعورة ويبذل مجهوداً لشرح أفكاره بطريقة واضحة مرتبة. محاضرة لجورج صليبا عن تأخر العلوم الإسلامية: https://www.youtube.com/embed/5pcS2L8... وله عدد من المؤلفات بعضها مترجم ومقالات مترجمة في موقع حكمة وغيرها كتاب العلوم الإسلامية وقيام النهضة الاوربية https://www.goodreads.com/book/show/1...
يمكن القول إن هذا الكتاب يمثل ندوة فكرية أو ملخصًا تاريخيًا يعرض مقولات المفكرين العرب الحداثيين، مع التركيز على المقارنة بين التيار الإصلاحي الإسلامي الذي برز قبل الحرب العالمية الأولى، والذي بدأ في تبني فكرة الفصل بين ما هو سياسي وما هو ديني من خلال خطاب "شرعي" مستمد من المؤسسات الدينية، وبين تيار الأصالة. لاحظ أن التيار الإصلاحي حاول المزج بين أدوات التحديث الغربي وبعض الأفكار التي تسعى للتوفيق بين ثقافة الشرق ولغته وبين مكتسبات الحداثة الغربية في القرن التاسع عشر.
أما الحداثيون العرب في القرن العشرين، وخاصة في بدايته، فقد كانوا في الغالب ليبراليين في توجهاتهم. حاول بعضهم إيجاد نوع من التوافق بين الحداثة والتراث، بينما تبنى آخرون الراديكالية وقطعوا الصلة مع التراث بالكامل.
يستعرض الكتاب أسباب صعود التيار الإصلاحي الإسلامي في مقابل التيار السلفي، الذي يرى أن الحل الأمثل لمشاكل المجتمع الشرقي يكمن في العودة إلى الأصول الإسلامية وتطبيقها في جميع مناحي الحياة. من وجهة نظر التيار السلفي، فإن العودة إلى الماضي تُعتبر الحل الأكثر فعالية في مواجهة الضعف والشعور بالنقص أمام الغرب ومجتمعاته. يرى هذا التيار أن التراث العربي/الإسلامي هو نتاج نقي للإسلام، وكأن الاسلام وتراثه لم يتأثر بالحضارات المجاورة مثل مصر وسوريا والعراق، أو لاحقًا الفرس واليونان !!.
إن مراجعة بلقزيز الدقيقة لشخصيات مثل علي عبد الرازق، طه حسين، ورشيد رضا، تقدم لنا ملخصًا واضحًا للنجاحات والإخفاقات التي شهدها الفكر العربي في المنطقة خلال الـ150 عامًا الماضية.
تكمن أهمية هذا الكتاب في تسليطه الضوء على المواجهة بين هذه التيارات الثلاثة (الاصالة والسلفية والحداثية)، وتوضيح أسباب صعودها وتراجعها. كما يمكن اعتبار هذا الكتاب بمثابة مقدمة لمشروع فكري أوسع سوف ينشره الدكتور عبد الاله بلقزيز بأربعة أجزاء تحت مسمى "العرب والحداثة".
يناقش عبد الاله بلقزيز مفهوم الحادثة في السياق الثقافي العربي و عما استورده العرب غصب عنهم من أوروبا بداية من عصور الاستعمار الأوروبي إلي العولمة الثقافية و ينتقل إلي مناقشة أعمال كل أحمد لطفي السيد رائد الليبرالية المصرية و أول من حاول مأسسة مفهوم الحرية في الدستوري المصري في القطر العربي و انطلاق من هذا خلق حياسة سياسية حقيقية حديثة علي الطراز الأوروبي، و كتابات الشيخ علي عبد الرازق حول مفهوم الخلافة بعد سقوطها في 1924 و كتاب الإسلام و أصول الحكم. تكلم الكتاب عن الردة الثقافية التي مُني بها بعض المحدثين أمثال طه حسين في آخر أيامه و محاولته لبتييض أسمه بعد سيطرة الأصوليين علي المشهد الثقافي العام و المزاج الشعبي، و سلسلة العبقريات من عباس العقاد ، و محاولة عبد الرحمن بدوي كتابة كتاب عن القرآن ليطهر بها تاريخه المنادي بالحداثة و الوجودية في الحياة الثقافية المصري، يمكن الوحيد الذي لم يقم بفعل هذا هو سلامة موسي. يري الكاتب أن العرب كان أمامهم فرصة حقيقية للتحديث الثقافي و المادي معًا حتي في وجود رأي شعبي بأن التحديث معناه بالتسليم و الانسحاق أمام المستعمر حيث امتلك العرب في القرن الشعرين رموز ثقافية و فرصة سياسية سانحة لادخال مدلولات ثقافية حداثية في الحياة العامة، و لكن مُني المشروع الحداثي في ثوبه القومي العربي الثوري بالهزيمة الكبري في 67 علي يد الكيان الصهيوني و انفرط عقد القومية العربية واحد تلك الآخر بعد تحييد مصر عن المشهد السياسي العربي علي يد السادات.
الحداثة تراكم تاريخي طويل الأمد وليست وحياً يقذف به فجأة في ثقافة ما فتصبح حداثة دون تقديم مقدمات وتمهيد الأصول، لهذا ولدت فكرة الحداثة الثقافية عند العرب من صراع بينها وبين القديم نتيجة تجاهل الأصاليون أن ما يحسبونه اصيلاً إنما كان جديداً حين ظهوره، وما هو حديث الآن سيصبح قديماً في المستقبل، لهذا هناك فرق عظيم بين الحداثة وبين التقليد الرث للغرب، الحداثة ابداع يجذف ضد التيار كي يؤسس مكاناً للنفس، أما التقليد فيرادف التبعية الفكرية والكسل المعرفي والتسول الثقافي والعيش من خلال ابداع الآخرين وتحويل المعرفة من انتاج إلى ترجمة وترديد ممل ورتيب لما قاله الآخرون. ادى هذا الشيء إلى حدوث خلط بين مفهومي الحداثة والتحديث، الحداثة هي رؤية فلسفية ثقافية جديدة للعالم تعيد بناء وصياغة الادراك الانساني بينما التحديث فهو فعالية سياسية واجتماعية تروم تطوير بنى المجتمع والسياسة والاقتصاد بحيث توائم بين مستوى التحولات الطارئة على صعيد الزمن والمكان والعلاقات الاجتماعية والحاجات والصلات المتزايدة بين المجتمعات وهنا يتعلق الأمر بالسياسات واجراءات مخطط لها موضوعة ينهض بأمر تحقيقها جسم اجتماعي فوقي هو الدولة، بهذا الوطن العربي عاش تجربة التحديث المادي من دون ان يعيش تجربة الحداثة الفكرية والثقافية