"المهم هو الكتابة, هو هذه الطريقة التي تصبح بها الكلمات والجمل أهم من الحكاية, شيئاً خالصاً, يمنحك إحساساً بجمال مجرد, لا مضمون له, أو هو مضمون نفسه"
هذه عبارة وردت في الرواية (*) في سياق استحضار لجوزيه ساراماجو وعالمه الروائي, ومن خلال قرائتي لرواية واحدة لساراماجو هي (انقطاعات الموت) بإمكاني تأكيد هذه المقولة, وسحبها على تجارب جديدة في الرواية غير التقليدية التي لم يعد فيها لعنصر الحكاية وما تستلزمه من زمان ومكان وشخصيات وجودا رئيسيا. مثل هذه المقولة يمكن أن نجدها عند كثير ممن كتبوا حول نظريات التلقي, منهم ستانلي فيش الذي استبعد المعنى من عملية القراءة واختزلها في قوله أن "القراءة ليست مسألة اكتشاف لما يعنيه النص وإنما سيرورة اختبار لما تفعله بنا". ومثل هذا قاله عبدالله الغذامي في كتابه (المرأة واللغة) حيث تصبح اللغة هي الحبكة والبطل.
بالعودة إلى رواية القوس والفراشة سنجد أن هذه العبارات تنطبق على نحو ما مع عالمها بالرغم من وجود الحكاية بشخصياتها وأزمنتها وأمكنتها, لكن ما يجعل القارئ ينشغل عن هذه العناصر هو هذيان السرد الذي يأخذنا إلى عوالم سحرية رغم التصاق موضوع الرواية بالواقع المحلي المغربي.
ليس الهدف من هذا العرض تقديم رؤية أو قراءة متمعنة في الرواية وكافة أبعادها, وإنما لفت الأنظار إليها, فبالرغم من أنها فازت بجائزة البوكر لعام 2011 إلا أن حضورها, واسم مؤلفها في الأوساط الثقافية وكذلك في نقاشات القراء, نادر. لذلك سأكتفي بما قلته وستتكفل الاقتباسات عن الرواية بتقديم صورة واضحة عن عالمها بصفته التي وردت في مطلع هذا العرض؛ أي "الطريقة التي تصبح بها الكلمات والجمل أهم من الحكاية, شيئاً خالصاً, يمنحك إحساساً بجمال مجرد, لا مضمون له, أو هو مضمون نفسه".
ولنرى ما الذي ستفعله الاقتباسات بك, فهي بمثابة اختبار قد تدفعك لتقصي المزيد منها عند قراءة الرواية, فما سيرد هنا من اقتباسات, يندرج في النقد الأدبي تحت مسمى الخطاب التأملي, والاقتباسات لا تُغني عن قراءة الرواية كاملة ليس مرة واحدة بل مرتين, على اعتبار أن الكتاب الجيد لا يعتبر كذلك ما لم يُقرأ مرتين على الأقل. وأضيف أن الرواية الجيدة هي تلك التي لا تريد أن تنتهي من قراءتها حتى في القراءة الثانية. ولعلي أثناء القراءة الثانية لها أتعمق أكثر وأتوقف عند أبعادها الأخرى.
>>
إليكم الاقتباسات:
>>
"المهم هو الكتابة, هو هذه الطريقة التي تصبح بها الكلمات والجمل أهم من الحكاية, شيئاً خالصاً, يمنحك إحساساً بجمال مجرد, لا مضمون له, أو هو مضمون نفسه. هل تفهم ذلك؟" ص 38
"الدقة هي أفضل تجليات الجمال" 40
"الخراب الأكثر جمالاً هو الذي نراه حولنا كل يوم فيما يتهاوى من أحلام" 51
"الأنقاض هي الأرواح الحجرية التي نستخرجها من أحشاء الأرض" 51
"المعجزة في صيغتها الأدبية تأخذ بعداً واقعياً يكسبها جمالاً مدهشاً لا يوجد في الصيغة المقدسة. ربما لأن الإيمان في هذه الأخيرة هو أساس الإحساس بالمعجزة, وهو شيء لا ينبع من النص" 51 – 52
"الهجرة دودة تأكل الروح" 69
"الهجرة دودة نائمة تمص وتنام" 69
"المدن التي بلا أنهار كأنها مدن لا تبكي" 80 بتصرف
"الخروج من الطفولة هو التكرار الأبدي لمسألة الخروج من الجنة" 132
"الكائنات كلها, عندما ترتبط بها تصبح مثل لون عينيك, لعنة أبدية" 136
"كل شيء يبدأ من المدافن وينتهي إليها, لا تفهم مدينة ما بشكل جيد إلا من مقابرها" 166
"لم يكن يهم إدريس الأول سوى تشييد حمام لأداء الوضوء الأكبر قبل الشروع في تششيد الدولة, وكذلك كان. هذه دولة تتوضأ منذ فجر الخليقة دون أن تدرك الطهارة المنشودة" 167 – 168
"أحياناً الخراء وحده يكون معجزة!" 178
"إن الممكن الأكثر انتشاراً في حياتنا هو الاستحالة" 179
"إذا كانت الحكاية أصلاً وسخة فلماذا هذا الإصرار على تجميلها بحكمة سخيفة ؟" 186
"الإنجاب ليس مسألة ثانوية, وإلا لكان الله قد أوقف الحكاية في آدم وحواء" 186
"لا تقاعد في الحرب, هناك كائنات خلقها الله لتحارب, وأخرى لتهادن وتلحس الأحذية, وأخرى لتضجر فقط وتموت بسبب ذلك" 190
"ما أسهل اللغة, يمكن أن تضع فيها ما يكفي لتدمير بلد بأكمله دون أن يرف لك جفن" 194
"عندما تستطيع امرأة أن تسقط مدينة من حياتك كورقة ميتة, فمعنى ذلك أنها بنت في دواخلك مدناً بلا حساب" 203
"مهما حاولنا الإفلات من بذورنا, فإنها تختط لنفسها مساراً يوقعنا عاجلاً أو آجلاً قي شرك السلالة" 282
"في مرحلة أصبحت فيها بدون أوهام تجاه خساراتي الحقيقية. وصرت أدرك بسهولة أن الخسارة ليست ما نفقده, ولكن ما يتبقى في نفوسنا من شعور بالعجز عن فعل شيئ لم نفعله, وقد قرأت, لم أعد أعرف أين, أننا عندما نولد, تكون أمامنا احتمالات لا نهائية لحيوات مختلفة, ولكن عندما نموت, لا يفضل من هذه الاحتمالات سوى الاحتمال الوحيد الذي تحقق منها. وعند ذلك فإننا لا نخسر الاحتمالات التي فقدناها إلى الأبد – فهي لم تكن بين أيدينا في أي وقت من الأوقات. ولكن نخسر بطريقة تراجيدية تلك الإمكانية التي كانت لنا: أن نكون غير ما كناه" (ص 21)
"هنا كان يقف باخوس حاملاً على كتفه عناقيد عنب بلدي من كروم باب الرميلة, قبل أن يُسرق في ظروف غامضة, هناك من يعتقد أن مافيا الآثار هربته إلى بلد أجنبي, وهناك من يعتقد أنني سرقته شخصياً وبعثته لثري ألماني, وأسنة السوء تقول إنه سكر في حانة الفرسيوي فضيع الطريق إلى قاعدته, أو هرب ضجرا من هذه الأرض المملة, أما أنا فأعترف لكم, وأرجو أن لا تخبروا الشرطة بذلك, أنني دفنته في باحة مسجد قروي في تلافيف هذا الجبل الممتد خلفكم, مساهمة مني في إرباك علماء الآثار في منتصف الألفية الثالثة عندا يعثرون عليه سكراناً في بقايا عمارة إسلامية قديمة" (ص 164)
..
"با له من يوم صعب, أن تبيع للناس أساطير مضحكة, وأسطورتك الخاصة, وأنت لا تملك ذرة واحدة منها, وتبحث في نبرات أصواتهم عن لهفة تستأنس بها, بينما لا شيء من حياتهم يتسلل إليك, ولا شيء من حياتك ينفذ إليهم, كأنهم, وهذه الحجارة, وأنت, وكل شيء في هذه الأمكنة, لفظته أركيولوجيا متسرعة لنفي الزمن خارج الزمن, والمكان خارج المكان, وهذه الحرارة, الحرارة البكماء, الثقيلة! لماذا لا تنبت الأشجار في الخرائب, لماذا لا يجرؤ أحد على غرس زيتونة في هذا اليباب ؟!" 183
>
______________.
(*) الطبعة الثانية, 2011, المركز الثقافي العربي.