..حركة الوعي الإسلاميّ الحديث
بنظرة نقدية لحركة الوعي الإسلامي الحديث, في سيرها المُعاصِر المُشاهد, وبقراءة لما كُتب في هذا الاتجاه, مما عرف بكتب النقد الذاتي, ومشكلات الدعوة ونحوها, نجد أن الحركة تعاني في بعض مواقعها, أو بعض هياكلها من مجموعة من الأمراض التي كثر فيها القيل والقال, وترددت به الألسنة والأقلام, كلام بحث عن مواضع الضعف والخلل..
وهي تتعلق حيناً بأفراد الحركة كأفراد; كضعف الهمة وقلة المبادرة, والانتظارية الاتكالية و وندرة الرواحل من الأقوياء الأمناء..
وتتعلق حيناً آخر بالتنظيم الحركي، كإطار كلّي يستوعب أفراده, كوجود أدبيات تُمجّد التنظيم كتنظيم, مما يؤدي إلى ظاهرة الحزبية والتعصّب, ثم التآكل والحرث في الأرض المحروثة. فتتناحر الجماعات فيما بينها, بسبب ذلك,
مما يؤدي إلى تحريف الولاء في قلوب الأتباع, من عبادة الله إلى عبادة التنظيم!
من حيث لا يدرون, فيكون الحب والأخوة بين شباب الصحوة, مبنياً على الآصرة التنظيمية, لا العقدية الصافية.
فتُنصب التنظيمات والهياكل والزعماء والألقاب، وسائل تحول دون الاتصال المباشر بالله عز وجل ..
وهذه نتيجة طبيعية لغياب التربية التوحيدية داخل الحركة أو ضعفها وانصرافها لضرب من التربية الوساطية على الصورة الفكرية أو الصورة الروحية سواء..
فأما الوساطة الفكرية, فقد تجلت في أخذ بعض أبناء الصحوة الإسلامية لأفكار بعض مفكريها بشيء من التقديس اللاشعوري, فتكون الأحكام التي أطلقها بعض الرواد - وهي أحكام اجتهادية في الطبع- صالحة لكل زمان ومكان في اعتقاد بعض المنتمين للحركة, وربما كانت تلك الأحكام خاطئة في أصلها, وربما كانت صحيحة في حينها وظروفها التي صدرت فيها..
حيث صارت كتب معينة متناً تشريعياً للحركة .. ذلك أن فكرة وضع مقررات تربوية, تكون مادتها الأساس هي كتب فلان أو فلان.. ولا ننكر أن تكون هذه الكتب وغيرها من الوسائل التربوية لأبناء الحركة, ولكنها على أساس أن تكون ذات قيمة مرجعية للقراءة والمطالعة قصد الاستفادة من التجربة الحركية والفكرية للمؤلف.. أما أن تكون لها قيمة مصدرية فتكون هي "التربية" وتحتل بذلك مكانة القرآن والسنة في النفوس فهذا هو الخطير..
إن بعض كتب حركة الوعي الإسلامي تحتاج إعادة صياغة شكلاً ومضموناً أي سواء من حيث طبيعتها وغايتها أو من حيث ما ورد فيها من أحكام تتسم بالعموم والشمول مما يخالف المنهج العلمي الحقّ..
ومرة أخرى القصد ليس هو إلغاء قراءة تلك الكتب وإنّما القصد أن توضع في مكانها الطبيعي كمرجع مفيد فيه الحقّ والخطأ..
أضف إلى ذلك أن الوساطة الفكرية حينما تنتشر في صفوف الصحوة الإسلامية تؤدي إلى نوع من الحيرة والتمزق بين أبناء الحركة الواحدة إذ كلٌّ يتّخذ كتاباً من الكتب التربوية إماماً له في التربية فتتناقض الأفكار والمناهج ..
فبعض من تخرجوا على كتب بعينها قد انغلقوا على بعض مفاهيمها انغلاقاً تجاوزته المرحلة التي صاروا إليها
وهذا يُفقد الحركة القدرة على الحوار مع المكونات الأخرى, من التيارات والتنظيمات, والقدرة على التأقلم مع الاوضاع الجديدة التي قد تدخلها الحركة بسبب تغير الظروف الاجتماعية والسياسية مما لا يستجيب لمناهجها التي سطرتها في أدبياتها الداخلية أول مرة
وذلك كله كان مما أدى إلى خفوت الفعالية واضمحلالها حيناً, وحيناً إلى تضخّم الشخصانية وطغيانهاأو الوثنية التنظيمية فتكون صراعات وانقاسامات وتفرقات لا ترجع إلى أسباب معقولة من أصول الخلاف بقدر ما ترجع إلى الاهوء الوساطية أساساً.. وهذه نظرات تسعى إلى الانتخاب النموذجي لا الستقصاء والاستقراء التام, ونختم بالتركيز على قضية من أهم قضايا الحركة الناتجة عن نفس الإشكال المذكور ألا وهي التفرقة المذمومة والتآكل الدوري المفرغ..
وهذه مناشدة لكل حركات الوعي الإسلامي الحديث المجاهدة في هذا الثغر أو ذاك وتحت هذه اللافتة او تلك أن تشرع في فصل جديد من تاريخ العمل الدعوي هو فصل المراجعة والحوار الداخلي قصد توحيد الجهود وتركيزها في اتجاه مجاهدة المد المعادي للإسلام واتجاه إقامة دين الله إذ الأساس من كل عمل وحدوي هو توحيد التصورات فيما يتعلق بفهم الدين والتدين وفهم الواقع وتفسيره للوصول إلى وحدة لا تلغي الاختلاف الطبيعي الفروعي فيما يتعلق بمجال التنزيل للعمل الدعوي الإسلامي
هذا وإن أول خطوات التوحد إنما تبدأ بتوحيد التصور االتربوي .. بالفهم عن الله ورسوله بالأدوات المنهجية الإجرائية مما أنتجه العلماء في إطار العلوم الشرعية
وصناعة جيل من الرواحل تتم بتكوين المسلم القرآني وبوضع التصورات التربوية وإخراج البرامج العلمية نصوصاً قرآنية وحديثية وإعادة قراءة السيرة النبوية كنموذج تطبيقي لاكتشاف سنن التربية العملية والمعالجة التفصيلية للنفوس والأشخاص ثم المعالجة الكلية للظروف والمواقف والمراحل ولا علينا بعد ذلك إذا اختلفنا في الانتخاب والاستخراج إذا انضبط لنا التصور الكلي والمنهج العام للتربية ثمّ لا يعلينا بعد ذلك إن استفدنا من عقل الفقيه أو مواجد الصوفي أو تحليلات المفكر السياسي ما دام النّص هو الحَكَم..
وتلك طبيعة التربية التوحيدية الكفيلة بإخراج الطاقات الدعوية المخلصة لله
"قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ"