يبين عنوان الكتاب لقارئه هدف مؤلفه، الذي عمل جاهدًا على تقديم تاريخ موضوعي لمدينة القدس لأبناء شعبه والشعوب الإسلامية كافة، وقد قدم هذا العمل في طبعته الأولى في خضم النكبة التي ضربتنا، وهو نفسه الوقت الذي كان ينتشر فيه بين أيدي الناس كتب تؤرخ لتاريخ القدس وفلسطين من وجهة النظر الغربية بل والصهيونية في بعض الأحيان، وبعض هذه الكتب خطتها أقلام بني جلدتنا، كثير منها كتب تحت تأثير الإعجاب بالغرب والنقل عنه غثه وسمينه، وقليل منها لا أبرأه من سوء الطوية وخبث النوايا، فأتى كتاب (تاريخ القدس) في الوقت المناسب، ليتلاقاه المثقف العربي تلقي الظمآن للماء، ويصبح مرجع في عقود الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن العشرين في تاريخ مدينة القدس، يرجع إليه المؤرخون والأثريون وعلماء الاجتماع والصحافيون، وتعتمده للقراءة حلقات التثقيف السياسي في مختلف التيارات السياسية.
كان (العارف) قد أنتهى من كتابه هذا في شهر أغسطس من العام 1951، وهو شهر يرتبط في الثقافة الشعبية الفلسطينية بالحر اللاهب والتقلبات الجوية، حتى أسموه (آب اللهاب) وقالوا عنه (آخر عشرة من آب، تفتح للشتا الأبواب)، ولعل مثل هذا المناخ المتقلب يقابل حرارة وتقلبات الأعوام الأخيرة التي عاش فيها المؤلف والشعب الفلسطيني النكبة وما سبقها ولحقهما من مآسي. فلما أنتهى من تأليف كتابه، قامت (دار المعارف) المصرية بنشره وتوزيعه في العام نفسه، فكانت الطبعة الأولى، ثم لحقتها طبعة ثانية لا أعرف تاريخ صدورها على وجه اليقين، وإن كان رقم ايداعها يشير إلى أنها صدرت عام 1997، أي أن هذا السفر الجليل والمهم، قد فصلت بين طبعتيه ما يقرب من نصف قرن، ولا أعرف طبعة جديدة
يتكون الكتاب من ستة فصول؛ الفصل الأول عنوانه (القدس في العصور الغابرة)، وفيه يتناول تاريخ القدس في العصور القديمة، وما يتميز به هذا الفصل أنه أول تناول نقدي عربي لأسطورة بناء القدس على يد بني إسرائيل، ومن خلال عرضه لتناوب الحضارات والشعوب المختلفة الهيمنة على القدس، ورسوخ التنوع الأثني والعقائدي والثقافي في المدينة، يفند المؤلف اسطورة أخرى تتعلق بالتاريخ اليهودي المتصل لمدينة القدس، وانفراد يهود بها دون غيرهم من الشعوب؛ الفصل الثاني عنوانه (الفتح الإسلامي)، وفيه يتناول المؤلف تاريخ القدس ابتداء من الفتح الإسلامي حتى قبيل الحملات الصليبية، وفي هذا الفصل يؤكد المؤلف على خلو القدس من اليهود في ظل الحكم الروماني ثم البيزنطي، ابتداء من دمار القدس الثاني على يد تيتوس وحتى تسلمها الفاروق، أين من منتهى القرن الأول الميلادي وحتى ما بعد منتصف القرن السابع الميلادي؛ الفصل الثالث عنوانه (الصليبيون وصلاح الدين)، وفيه يتناول محنة المدينة تحت الحكم الصليبي، مرورًا بتحريرها على يد صلاح الدين، ثم تاريخها تحت حكم بني آيوب وخلفائهم المماليك؛ الفصل الرابع عنوانه (الفتح العثماني)، ويتناول فيه تاريخ القدس تحت ظل العثمانيين، وأثر الصراع بين العثمانيين ومحمد علي على المدينة خاصة، والشام عامة، ثم الأثار الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي لحقت بالمدينة تحت حكم العثمانيين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وحتى الحرب العالمية الأولى؛ الفصل الخامس عنوانه (الاحتلال البريطاني)، ويتناول فيه الفترة التي تبدأ بالاحتلال البريطاني لفلسطين تحت مسمى (الانتداب)، والذي باركته وشرعنته (عصبة الأمم)، سلف (الأمم المتحدة)، وتنتهي بالنكبة، والتي جرت أيضًا بمباركة وشرعنة (الأمم المتحدة) والمجتمع الدولي؛ وباعتبار الفترة التاريخية التي يغطيها هذا الفصل، فإنه يعتبر من أطول فصول الكتاب، حيث تناول فيه المؤلف التفاصيل التاريخية للصراع بين الفلسطينيين واليهود؛ الفصل السادس عنوانه (أخبار عن القدس في مختلف العصور)، ولفهرس للأعلام الجغرافية لمدينة القدس ونواحيها؛ الفصل السابع عنوانه (القدس كما رأيتها في أواخر عهد الانتداب)، وهو فصل مذهل بمعلوماته عن المجتمع الفلسطيني في مدينة القدس، وطبقاته الاجتماعية، وجماعاته الحرفية، وطوائفه الدينية، والمؤسسات المختلفة لهذا المجتمع، الإدارية والاقتصادية والخدمية والروحية والثقافية؛ ويأتي الفصل الأخير، وعنوانه (الأماكن المقدسة ودور العبادة)، ثبت تاريخي وجغرافي وأثري للأبنية الروحية في مدينة القدس، لكافة الأديان والطوائف، وكأنما المؤلف قد أبصر المستقبل يومئذ، وأدرك ما ترمي إليه الصهيونية من تغيير لوجه المدينة لتسويغ سرقتها، فأراد أن يوثق تنوعها وثراءها الإنساني والحضاري، حتى يسهم في إحباط مؤامرة أعداء الإنسان والحضارة.
يجب الإشارة إلى أن كتاب (تاريخ القدس)، غير كتاب (المفصل في تاريخ القدس)، وهو سفر عظيم في أربعة مجلدات، أسهب فيه المؤلف في عرض تاريخ القدس، مختطًا خطة شبيهة بالخطة التي اختطها لكتابه (تاريخ القدس)، وإن كان تناوله في (المفصل) للمسائل أكثر تفصيلًا.