يعالج المفكر العربي الدكتور محمد جابر الأنصاري في كتابه "انتحار المثقفين العرب وقضايا راهنة في الثقافة العربية" موضوع الانتحار لدى الأدباء والمفكرين العرب كظاهرة معاصرة لم تكن موجودة في العصور القديمة بهذا الشكل الذي نجده الآن ، ويبحث في النزعات الانتحارية لدى المبدعين والمثقفين باعتبارهم أكثر الشرائح ميلاً للانتحار من أجل القضية لغلبة الجانب المبدئي القيمي على تكوينهم وتفكيرهم ، ويشبههم بالرهبان البوذيين الذين يشعلون النار في أنفسهم للاحتجاج على الظلم أو للتنبيه إلى قضية عادلة، ويرى أن المبدع صاحب النزعة الانتحارية قد عانى مع معاناته لقضيته المبدئية مشكلتين فرديتين أساسيتين ، إحداهما تتمثل في استحالة الانسجام مع الآخرين أو مع العالم أوحتى مع النفس، بينما تتمثل الثانية في مشكلة عجز أو قصور جنسي أو غرامي أو إخفاق مرير في علاقة زوجية بحيث تتضافر هاتان المشكلتان مع شعور المبدع بإخفاق قضيته الكبرى من قومية أو فكرية أو إنسانية وبشكل يؤدي إلى بلورة قرار الانتحار أو الانجراف نحوه بصورة أو بأخرى.
الدكتور محمد جابر الأنصاري المستشار الثقافي للعاهل البحريني. كاتب ومفكر بحريني، أستاذ دراسات الحضارة الإسلامية والفكر المعاصر، وعميد كلية الدراسات العليا في جامعة الخليج في البحرين وعضو المجلس الوطني للثقافة والآداب والفنون في البحرين.
ولد في البحرين عام 1939، تعلم في البحرين الي انهائة لدراستة الثانويه من بعدها انتقل للتعلم في الجامعة الأمريكية في بيروت حتي نال منها:
* بكالوريوس آداب عام 1963م * ماجستير في الأدب الأندلسي عام 1966م * الدكتوراة في الفلسفة الإسلامية الحديثة والمعاصرة عام 1979م
بالإضافة لذلك تابع تعليمه وحضوره للدورات الدراسيه في عدد من الجامعات المرموقه في العالم ك جامعة كامبردج. في عام 1982 توجه الي فرنسا لدراسة الثقافة الفرنسيه في جامعة السوربون بباريس. وحين وفاته كان يعمل في منصب: مستشار جلالة الملك للشؤون الثقافية والعلمية في مملكة البحرين
يعتبر كتاب الأنصاري هذا من ألطف كتبه – رغم عميق أثره "ثري" – كمادة انسانية متكأة عل المثقف / المأساة. ذلك أن له غير كتاب خفيف في موضوعه مقارنة ببقية مؤلفاته الفكرية التي تناولها فيها التأزم السياسي عند العرب وموقف الإسلام، وتكوين العرب السياسي. وذك تجده غي حالة مشابهة كحال كتاب د. الغذامي : حكاية سحارة والجهنية مقارنةً بالتكفير والخطيئة، وثقافة الوهم وغيرها.
يكاد يكون عنصر (الإنسجام) هو يبني عليه الأنصاري تشريحه لعملية الإنتحار، وذلك من خلال تناولة لشخصيات أدبية مثل (خليل حاوي : شاعر عربي)، و(همنقواي : روائي امريكي)، و(أبو حيان التوحيدي : مفكر عربي / يناقش انتحاره فكريًآ وليس جسديًا)، و(يوكويو ميشيما : روائي ياباني)،… حيث "حال القطيعة التي وقعت فيها النفس هي السبب الحقيي ص 35".هذا غيره مروره السريع على عدة شخصيات مثل الروسي (ماياكوفسكي)، (فان جوخ : رسام هولندي)، (اليهودي يافيم لاديجنسكي : رسام سوفياتي) وغيرهم مما يشير لهم المؤلف أثناء معرض بحثه كإشارته لشخصية (المشير عبدالحكيم عامر) كصاحب دور شعر بعدم الإنسجام بعد النكسة فنهزم وأنتحر هذا في حال إذا لم يثبت تصفيته من قبل صديقه عبد الناصر.
من إيمان الباحث بـ"الأديب قبل كل شيء موقف ص 113 "، وكذلك "الأفكار والفلسفات مواقف تاريخية قبل كل شيء ص 111" يبحث هذه الشخصيات – وإن تركيزه علي صديقه حاوي حاز النصيب الأكبر – ويناقش إنتحارهم ومسبب ذلك من خلال إيمانهم بقضية دون شك هي معنية بالهوية ورغبة إيجادها وسط مجتمعها ووسط ذلك تظهر جلية على السطح عدة عوامل مثل الإنتماء والمجتمع وضياع القضية – مهما كان جنسها – والوهم والحقيقة. لهذا هو يناقش الإنتحارة ظاهرةً نفسية متأخرة عمريًا تصيب بعض الأفراد الأسوياء أصحاب النشاط البارز في المجتمع ولا يناقش هذا الإنتحار – السلوك – كمرض عقلي لدى المعاقين نفسيً وذهنيًا. ص 33 .
يرى المؤلف أن "ظاهرة الإنتحار لا تتفشى في الأمة بسبب هزائمها الخارجية على يد الأعداء الخارجين، مهما كانت فداحة الهزائم وضرورة الأعداء. ص 33 "
كنت أتمنى أن يقف الكتاب ويستقل عن الباب الثاني (نظريتان في الخلق الفني 148 : من روائع الكتاب جديرتان بالقراءة والتأمل)، حيث يتناول مناقشة النص الأدبي - دون تحزيز نوعه - من خلال جناحان عظيمان للفن وهما :
1 - البناء المادي - الشكل - وهي موازية للفكرة. 2 - المحتوى - جوهر النص - بالتركيز على المعنى.
الباب الثالث (قراءات في الأدب العربي المعاصر) هذان البابان من عناونهما كان يجدر أن يضعهما المؤف في كتاب مستقل بما أنهم مقالات منشورة على عدة فترات زمنية وقد يلحق بهما مايرغب من مقالات في الأدب دون أن يقحمهما في عنوان الكتاب ومادة الثرية والجميلة، وهما مبحثان في الأدب تخبرنا بسعة ثقافة الأنصاري وعمق تجربته في قراءة الأدب العربي ناهيك عن الفرنسي.
مما أعجبني في الباب الثالث والأخير مقالته عن عباس العقاد وإعادة مناقشة شكوكه المبكرة قبل تأليفه للعبقريات كنتاج إسلامي – إسلامياته – بجانب كتاباته الأدبية شعرًا ونثرا.
قرأته منذ زمن -سنة تماما- ونسيت أمره، حسناً بالعودة لبعض ما فيه كنت أتأمل قليلا.
أليست الخلاصة في الإنتحار، إغتراب؟ شخص ما عجز عن تقبل واقعه والتعايش معه؟ شخص وضع للآراء المجتمعية أكثر مما تستحق .. ألم تقلها المستغانمي بأن الغرور شيء مطلوب بالعالم العربي للمبدع وهي هنا تقصد الثقة بالنفس بلا ريب..
أعني حسناً، اليأس يدفع المرء لفعل مالا يفعله المرء بحالته الطبيعية كالتفكير بإنهاء حياته لإنهاء عذابه أو عذاب من حوله أيا كان .. كذلك يفعل الأبطال - بالعودة في تأملات غازي القصيبي في كتابه المؤمن الصادق. وأعني هما من الصعب تحليل أسباب إنتحار المثقغين دون الحوض بإنسانيتهم الشبيهة بنا جميعاً.
هنالك تفصيلات أخرى .. كحبكة التصالح مع الذات حيث أن المثاليون بالعادة يميلون للقسوة على الذات وصعوبة رضاهم بذاتهم وهو ليس بشيء سيء لأنهم يضعهم في توتر يطورهم لكنه قد يتطور لمراحل خطيرة. أيضا هنالك، إشكالية واقع أن أصحاب المواهب يملكون تدفق أو فيض عاطفي أو عقلي يضخم كل ما حولهم بما فيه، أحاسيسهم وأفكارهم، وهو سيف ذو حدين.
قرأت في مقدمة حول حياة الكتابة فرجينيا وولف شيء قريب إلى الحالات التي مر بها المثقفون العرب .. وأستنتجت بعد زمن لا بأس به ، بأن غربة ذوات الموهبة واحدة .. خاصة بقياس المجتمعات لدى إكتشافات كورية الأرض أو حتى أهل الفكر كفرجينيا وولف مع مجتمعاتنا العربية وضعف مستوى التعليم قبل الثقافة.
كتاب عميق عن ظاهرة الانتحار يتحدث عن حالات فردية مثل انتحار خليل حاوي و "الانتحار المعنوي" مثل انتحار أبو حيان التوحيدي وحرقه لكتبه .. ويقصد المؤلف بالانتحار المعنوي في تنكّر المثقف والمبدع لجوهر كينونته
بما إني من المهتمين بالأنصاري و إنتاجه هذا الكتاب كان مختلف عن سابق كتبه التي قرأتها نوعا ما كونه ناقش قضية حساسه جدا ( وهي قضية الانتحار ) سواء انتحار معنوي أو انتحار جسدي
" كما أن هناك انتحار أكبر و هو في نظره" ما يجب محاربته و تحريمه شرعا وهو خراب العمران (بلغة ابن خلدون) و "السقوط الحضاري بلغتنا وهو النوع الأخطر من الانتحارات الجماعية
يتعرض الأنصاري بالبداية إلى الانتحار في ثقافات الشعوب فلدى اليابانيين مثلا الانتحار يكون: " عندما تدفعهم الحياة إلى مواقع أو تصرفات يعتبرونها قاسية أو معيبة لا تتفق مع مثلهم الأعلى في الحياة. وهم إذ ينتحرون تكفيرا عن الخطأ من الناحية، فإن الانتحار في التقاليد اليابانية يبقى رمزا لإصرار الياباني على تحقيق الحياة المثلى و تضحيته - بالانتحار - من أجل التذكير بها و ضرورة الارتقاء إلى مستواها لمن أراد أن يحيا .." من الملفت كما يشير الكاتب أن حياتنا العربية ينتحر فيها أصحاب الضمائر بينما المسؤولين عن الكوراث و الخراب و الفساد ....... أبعد ما يكونون عن التفكير في الانتحار! وهو هنا يعرض مقارنة بين الحالة اليابانية و الحالة العربية
و الأنصاري يحملنا مع معاناة الشاعر خليل حاوي وكيف انتهى به المطاف للانتحار فلماذا انتحر خليل حاوي العربي المثقف؟ وهل كان انتحاره لأمر شخصي؟ أم أن هناك سبب ظاهر يخفي تحته أسباب تراكمية أسباب تتجاوز الحياة الشخصية لـ خليل حاوي إلى همومه و خيباته على مستوى الجماعة؟
كتاب متنوع ومتعدد و ثري لا استطيع اختزال مواضيعه
ملاحظة:
الكتاب ليس دعوة للانتحار آخر الكتاب لم يلفت انتباهي سبق قرأته في أحد كتبه
قطوف من كتاب ' انتحار المثقفين العرب ' لـ د. محمد جابر الأنصاري
نقلها لكم: Mohsin Sultan
* وفي تصورنا فليس من المحتم ان "المنتحر" إنسان كاره للحياة، يائس منها، منهزم في ساحتها، ان المنتحر بمعنی من المعاني انسان تطلع الی حياة أفضل، الی حياة مثلی، اكثر عدلا وجمالا، وانه بانتحاره وتضحيته بوجوده الفردي إنما يسجل "احتجاجه" علی عدم بلوغ تلك الحياة: له او لغيره من أهل او وطن او جماعة.
* والمستغرب في حياتنا العربية المعاصرة، ان الانتحار في الأغلب ما زال مقتصرا علی المثقفين الذين تعذب الأوضاع القاسية ضمائرهم وتدمي نفوسهم، ولكن المسؤولين عن الكوارث والخراب والفساد في أوضاعنا العربية أبعد ما يكونون عن التفكير في الانتحار!
* الفنانون والأدباء والمثقفون بعامة هم أكثر المنتحرين ميلا للانتحار "من أجل القضية" .. لغلبة الجانب المبدئي القيمي علی تكوينهم وتفكيرهم. انهم كالرهبان البوذيين الذين يشعلون النار في أنفسهم للاحتجاج علی ظلم أو للتنبيه الی قضية عادلة ..
* وفي أساس انتحار كل مبدع تترسب اشكاليتان لا يمكن غض النظر عنهما وهما استحالة انسجام المبدع مع الآخرين او الواقع او النفس، وعجزه عن تأسيس علاقة انسانية عاطفية ثابتة يمكن ان تكون "خيطه السري" الذي يربطه بالحياة، عندما تنقطع خيوطه الآخری ..
* النساء -مبدعات وغير مبدعات- أقل عرضة للانتحار من الرجال. وما ذلك في رأينا إلا لأن خيوطهن العاطفية العميقة مع الحياة أقوی بكثير من خيوط الرجال الذهنية الواهية ..! ويقولون ان الرجل اقوی من المرأة .. وان المرأة مخلوق ضعيف ..!! انها ليست كذلك فيما يتعلق بقوة تشبثها بالحياة .. وقوة مقاومتها للموت .. (فالمرأة ايضا أطول من الرجل عمرا ..!) وإذا كانت المرأة أقوی من الرجل في التمسك بالحياة وفي مقاومة الموت .. فماذا يتبقی للرجل من قوة فيما يتعدی الحياة ويتعدی الموت؟!
* ما الانتحار في نهاية الأمر؟ هو ذروة الحرب الأهلية داخل النفس الانسانية .. والتعبير النهائي عن تدمير جزء من الذات الواحدة للجزء الآخر منها. وهذي الحرب الأهلية تبدأ عندما تشعر النفس ان الأهل قد تخلوا عنها ولكل نفس أهلها الذين تعتبرهم أهلا .. فالانسان العادي أهله أسرته .. والانسان ذو الشعور الوطني أهله مواطنوه .. والانسان المفكر أهله حاملو فكرته .. والانسان الداعية أهله جند دعوته .. والانسان المقاتل أهله جند رايته... وطالما ان "أ��ل" كل نفس انسانية بهذا المعنی محيطون بها احاطة السوار بالمعصم .. وهي ثابتة بينهم في موقعها الطبيعي الذي ارتضته لنفسها وارتضاه اهلها لها، فإن أية معركة خارجية لا يمكن أن تؤثر فيها داخليا .. ولا يمكن ان تف��ح لها جبهة صراع داخلي، بل علی العكس من ذلك يدفعها التحدي الخارجي علی يد الأعداء الخارجيين الی مزيد من التلاحم مع خلاياها الشقيقة في النسيج الداخلي للجماعة والأهل.
* اللاسلم واللاحرب هي افضل بيئة لتفريخ الانتحار والمنتحرين. واذا ما قررت جهة قضائية عربية ملاحقة قضايا الانتحار الأخيرة في العالم العربي، والبحث عن الجاني الحقيقي، فإني أتقدم برفع الدعوی علی .. كائن مشبوه اسمه: اللاسلم واللاحرب!
* والمنتحرون العرب تكاثروا .. لا لأن العدو متطاول، ولكن لأن الحبيب متخاذل ..!!
* عندما ينتحر شاعر في أمة من أجل قضيتها، لا يكون ذلك مدعاة يأس، بل دليلا علی بدء دبيب الحياة والحيوية والانبعاث في الجسم العقيم المتجمد ..
* الغالب علی تيارات الفكر العربي هي ثقافة ايدولوجيا أكثر مما هي ثقافة معرفة وثقافة حضارة، باعتبار أن المعرفة، معرفة الذات ومعرف الآخر ومعرفة الواقع بمعناه الأعمق والأشمل، هي الشرط الأول لبناء الحضارة ودفع عجلة التقدم الحضاري في الكتابات العربية الحديثة تغلب تصورات الأنا ورغبات الذات وأهواء النفس حتی في النظر الی الحقيقة والمجتمع والتاريخ والعالم؛ وتقل توصيفات الوقائع والحقائق والأرقام ويغيب حضور الموضوعات مدار البحث بدقائقه المحددة. فنحن ما زلنا نكتب غالبا المقالة الذاتية ونادرا ما أنجزنا كتابة المقالة الموضوعية التي هي مدخل المعرفة الحقة، أي الحضارة الحقة.
* يجب أن يكون واضحا وحاسما انه ما لم تحقق الثقافة العربية والمثقفون العرب اختراقا معرفيا نوعيا في أنفسهم وفي الآفاق، أي في حقيقة الذات العربية -تاريخا وحاضرا- وحقيقة العالم المحيط بنا بكل أبعاده وتعقيداته، فلن نستطيع الدخول في بناء الحضارة وفي معركة الحضارة، فلا حضارة بلا تأسيس معرفي.
* وفي اللحظة التاريخية الراهنة فليس بإمكان العرب بحكم الاختلال الهائل في موازين القوة تحقيق اختراق سياسي أو عسكري أو اقتصادي نوعي علی خريطة الواقع. طبعا لا بد من عمل كل ما يمكن عمله لكن لا يجوز تعليل النفس بالأماني الكاذبة. الاختراق النوعي الوحيد الممكن في اللحظة الراهنة هو الاختراق المعرفي، الاختراق المعرفي بالوعي العلمي الصحيح لأبعاد الذات والعالم. هذا ما لا تستطيع أية قوة منع العرب منه إلا إذا سمحوا لأوهامهم وعاداتهم الذهنية السيئة استمرار السيطرة عليهم.
* انه ما لم يتعود العقل العربي علی قبول الحقائق والوقائع بلا حساسيات وعلی أي مستوی، دنيوي أو ديني، سياسي أو علمي، وما لم يميز بشكل قاطع بين ما هو وصف لواقع وما هو تعبير عن رأي، فإنه لن يتمكن من اتخاذ الخطوة الأساسية في الثورة المعرفية.
* كيف يمكن لأمة لا تحسن تنظيم المرور في مدنها ولا تعرف كيف تنتظم في طابور لإنجاز معاملاتها ان تنتظم بين قوی هذا العصر وتخوض معاركه؟
أفضل شيء يفعله المثقف الأنتحار والتخلص من الرعاع والكلاب تنهش بعضها البعض لأنهم بلاء ومرض وجراثيم تتناقل الأمراض فيما بينها وهو يكتب ويشرح ويعرض ويسهر ويبحث وبالنهايه لا أحد يفهمه وكأنه قادم من المريخ وبالنسبه لمجتمعاتنا العربيه وفكرنا العربي فيجب على المثقف عندنا الأنتحار بكاز وسخ ! لأنه وهو على قيد الحياه فهو بحاله أنتحار دائمه معنويه وجسديه الكتاب على كلا ً جيد وبه تحليلات منطقيه وومتع
قد لخص الأنصاري أسباب انتحارهم فقال: بعد إمعان النظر وتدقيق التحليل في كثير من الحالات الانتحارية لدى المبدعين، يتَّبين للناظر في مختلف تلك الأحوال أن المبدع صاحب النزعة الانتحارية قد عانى مع معاناته لقضيته المبدئية، مشكلتين فرديتين أساسيتين تتمثل في استحالة الانسجام مع الآخرين أو مع العالم أو حتى مع النفس. بينما تتمثل الثانية في مشكلة عجز أو قصور جنسي أو غرامي أو إخفاق مرير في علاقة زوجية.
الفنانون و الأدباء و المثقفون بشكلٍ عام، هم الأكثر ميلاً للانتحار من أجل قضيّة؛ وذلك لغلبة الجانب المبدئي القيمي على تكوينهم و تفكيرهم. بهذه العبارة في صفحة21 ينطلق الشقّ الأول من الكتاب إلى تفكيك أنسجة الفكر الانتحاري لدى المثقفين والفنانين. حيث قام د.الأنصاري المُفكّر البحريني بتشريح لجسد الفكرة المتمثلة في الميل للانتحار و كان النموذج الأول الذي تناوله في موضوعه هو الأديب اللبناني الذي كان صديقًا له الشاعر خليل حاوي. فقام بمعالجة المشكلات المتعلقة بالأسئلة التي تدور حول دوافع الانتحار عند المثقف والتفسيرات لهذه القضية التي يراها معقّدة لترسّب إشكاليتان لا يمكن غضّ النظر عنها و هي استحالة اندماج المبدع مع الآخرين أو الواقع النفسي وعجزه عن تأسيس علاقة إنسانية عاطفبة ثابتة يمكن أن تكون خيطه السري الذي يربطه بالحياة، عندما تُقطع خيوطه الأخرى، أي المُنتحر. د.الأنصاري يستعرض كذلك نماذج أخرى عربية و أجنبية في ما يسمّيه بالانتحار الفكري، و المقصود به الحكم الإقصائي الذي يهدم حياة فكرية أو فلسفية من سيرة مثقفٍ ما، و قام بعرض مثالين وهما أبو حيان التوحيدي( لما أقدم على حرق كتبه) و انتحار سارتر فكريًا بعد أن هدم كل تصوّراته الفلسفية و إرثه الذي أقامه في فلسفة الوجود. بعبارة واحدة.
يقع الكتاب في ثلاثمائة صفحة غير أنّ المؤلف لم يلتزم بقضية الانتحار إلا في الشق الأول منه كما ذكرت آنفًا، و تحديدًا في 147 صفحة. و لو اكتفى بتقديم هذا الشق من الكتاب تحت العنوان الحقيقي له، و توسّع أكثر في بحثه و استعراضه لنماذج أخرى بجانب التي قدمها، و ركز على الجانب السيكولوجي، ثمّ أفرد كتابًا آخر يقدم فيه مادّته البحثية عن القضايا الفكرية المختلفة في الثقافة والحضارة العربية التي ناقشها في الشقّ الثاني من الكتاب، لكان أفضل بكثير من تداخل الفكرتين و دمجها في كتابٍ واحد. وهذه النقطة لم يوفّق فيها د.الأنصاري.
و بالمجمل فإن الكتاب خصوصًا في شقّه الأول يستحق القراءة و إعادة النظر مرة أخرى في قضايا ثقافية أخرى تتعلق بالانتحار الفكري على وجه الخصوص، لأن هناك الكثير ممن يدافعون عن قناعاتهم و ينظرون إليها على أنها مسلّمات و حقائق مطلقة لا تقبل المفاصلة مما يؤدي إلى انعدام المرونة والقابليّة للحوار الثقافي الفكري الذي قد يكون مثريًا لصاحب الرسالة أو صاحب القضيّة الفكرية إن جاز التعبير، لأنه قد يصطدم بوقائع تجعله ينتحر فكريًا كما فعل سارتر على سبيل المثال!
يعالج هذا الكتاب أزمة الوعي الثقافي في العالم العربي من خلال دراسة وضع المثقف ودوره الغائب أو المقيّد. يفترض المؤلف أن “انتحار المثقف” ليس حدثًا فرديًا، بل مسار اجتماعي وثقافي نتج عن القمع السياسي، وغياب الحرية الفكرية، وانفصال الخطاب الثقافي عن حاجات الناس. يشير الكتاب إلى أن كثيرًا من المثقفين فقدوا قدرتهم على التأثير، إما بالانزواء داخل دوائر ضيقة من التنظير، أو بالخضوع لإملاءات السلطة والأحزاب، مما جعل الثقافة عاجزة عن قيادة التغيير. ويدعو إلى استعادة المثقف لدوره الحقيقي عبر الوعي النقدي، والنزول إلى ساحة المجتمع، والمشاركة في بناء مشروع حضاري يقوم على العلم والعقل والتجديد
عميق وممتع ويلمس أجزاء بعيدة في القلب، ولا أجد فيه أيما جملة زائدة بدافع الحشو. بعض المقالات في الكتاب ليست أكثر من محرّك لأسئلة راكدة بنا. ونحن أحوج ما نكون لمحركات الركود
" وفي تصورنا، فليس من المحتم أن المنتحر إنسان كاره للحياة، يائس منها، منهزم في ساحتها، إن المنتحر بمعنى من المعاني إنسان تطلّع إلى حياة أفضل، إلى حياة مثلى أكثر عدلا وجمالا، وأنه بانتحاره وتضحيته بوجوده الفردي إنما يسجل "احتجاجه" على عدم بلوغ تلك الحياة..."
"...هناك انتحار التفاهة واللامبالاة والهامشية في ساحة الحياة والعصر، انتحار التسطيح العقلي والاستهلاكية السوقية... وهذا الانتحار -قبل غيره- هو ما يجب محاربته وتحريمه شرعًا، إن كان لدينا حقًا "فقه حضاري" يرقى إلى مستوى التمييز بين الحلال والحرام في معركة الحضارة والبقاء"