د. محمد برادة كاتب، ناقد ومترجم ولد 1938 بالعاصمة المغربية الرباط. انتقل مع عائلته في طفولته بمدينة فاس، سافر إلى مصر للدراسة في جامعة القاهرة, حيت نال فيها سنة 1960 الإجازة في الأدب العربي وفي سنة 1962حصل على شهادة الدراسات المعمقة في الفلسفة بجامعة محمد الخامس في مدينة الرباط كما نال درجة دكتوراه من جامعة السوربون III الفرنسية سنة 1973, اشتغل كأستاذا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط. شارك في تأسيس اتحاد كتاب المغرب وانتخب رئيسا له بين 1978 – 1981. يكتب محمد برادة القصة والرواية، كما يكتب المقالة الأدبية والبحث النقدي، وله في هذه المجالات جميعها العديد من الدراسات وبعض الكتب ذات الأثر اللافت في المشهد الثقافي والأدبي والنقدي العربي، ككتابه الهام حول محمد مندور وكتابه النقدي حول الرواية العربية. صدرت له أيضا بعض الترجمات لكتب أدبية ونقدية ونظرية أساسية، لكل من رولان بارت و ميخائيل باختين و جان جنيه ولوكليزيو وغيرهم، كما ترجم لغيرهم العديد من النصوص الأساسية في مجالات مختلفة، كم عرفت بعض نصوصه الأدبية أيضا طريقها إلى الترجمة إلى بعض اللغات الأجنبية. نشر برادة عشرات من الروايات والقصص القصيرة والكتب النقدية. أصدرت له أربع روايات: "لعبة النسيان" 1987، "ألضوء الهارب" 1993، مثل صيف لن يتكرر 1999، إمرأة النسيان 2001. محكيات "مثل صيف لن يتكرر" مجموعتا قصصية: سلخ الجلد 1979 وودادية الهمس واللمس 2004، كتاب رسائل باشتراك مع محمد شكري: ورد ورماد 2000 وكتب نقدية: محمد مندور وتنظير النقد العربي1979، الرواية العربية: واقع وآفاق 1981، أسئلة الرواية أسئلة النقد 1996، سياقت ثقافية: مواقف مداخلات مرافئ 2003 وفضاءات روائية 2003. د. برادة حصل على جائزة المغرب للكتاب، في صنف الدراسات الأدبية، عن كتابه النقدي "فضاءات روائية"
جاذبية عبدالعزيز صحافية وكاتبة مغربية جريئة، تحملُ همومَ ما بعد الاستقلال وتسعى إلى التَّحرُّر من السُّلطة الذكورية المُجحفة، في مناخٍ اجتماعيّ وسياسيّ مضطرب. منذ حكومة عبدالله إبراهيم، إلى الصراع بين المعارضة والقصر، مرورا بأحداث انتفاضة 23 مارس 1965، ثم مرحلة السبعينات التي شهدت موجة اعتقالات واسعة في صفوف مناضلي اليسار، ودرب مولاي علي الشريف، وناس الغيوان، إلى غيرها من الأحداث والشواهد التي تنقل صورةً بانورامية عن تاريخ المغرب في تلك الحقبة. الرواية يمتزجُ فيها الخيال بالواقع، عبر علاقةٍ محمومةٍ تجمع بين “جاذبية”، وشـاب يساري متخصص في الاقتصاد وقارئ متابع للأدب والفكر، هو “هيمان السبتي”، الذي تداهمه الأسئلة، ويصطدم بجدران صماء في رحلة اقتفائه لأثر امرأته المختفية، لتكون هذه الرحلةُ المُتعددة الأصوات والرسائل ملامسة حقيقية لمناطق الظّل في الذاكرة والذات والمجتمع، وتمجيدا أدبيا لما كتبتْهُ امرأةٌ سابقةٌ لزمانها؛ من أشياءَ تبدو مُتقدِّمةً عمَّا نعيشه اليوم.📝 ورواية ”رسائل من امرأة مختفية“، هي حكاية الذات المُفردة في مواجهة الذات الجماعية من نافذة الموروث والتابو والمؤسسة، وتمثل تجسيدًا أدبيًا لظاهرة الاغتراب الذاتي والاجتماعي، التي يُعاني منها المواطن العربي. ويُعدّ الاغتراب الذاتي من أبرز الأزمات النفسية التي تعصف بالفرد، في ظل الخيبات، جراء انكسار أحلامه ورؤاه وطاقاته المتفجرة، أمام واقعه المتسلِّط، إذ يؤدي توالي الخيبات إلى تأزم علاقة المبدع مع الأنظمة برموزها كافة، لينتهي به المطاف في دوامةٍ من الإحساس بالعزلة، مفضلًا الاستسلام والانكفاء على الذات. ويرى الباحث ”ميشيل مان“ في كتابه ”موسوعة العلوم الاجتماعية“، أن كلمة ”اغتراب“ تدل على ”ضياع المرء وغربته عن ذات نفسه، أو عن المجتمع الذي ينتمي إليه، أو عن الهيمنة على العمليات الاجتماعية والاقتصادية“.🍃
في إطار رسائل متبادلة بين هيمان وعشيقته السابقة لزمانها في الستينات، والكاتب الضمني لهذه السيرة الروائية يكتب برادة عن الإنسان المغربي وصراعاته وظروفه في فترة ما بعد الاستقلال. يكتب عن الحرية، والرغبة في التحرر والانعتاق وقيود الدولة والمجتمع التي تحاصر الأحلام، فتضطر أن تفرد أجنحتها إلى ما وراء الحدود حيث تجد ملاذها، وكذلك مُتنفسَاً لوجودها.
تختفي جاذبية ويفقدها محبوها ويتخيل كلاً منهم قصته لغيابها.. قصته التي يرجو منها أن تكون جاذبية؛ رمزَ أحلامهم الموؤدة، قد وجدت لها متسعاً بعيداً عن القيود التي لطالما تحدتها وكتبت عنها.
عن الدولة والمجتمع يكتب برادة، وهموم الكتابة والكاتب وارتباطه بالسياق والقارئ بلغةٍ شعرية مرصوفة استمتعتُ بها وأنا أقرأ.
رواية: رسائل من امرأة مختفية. الكاتب: محمد برادة عدد الصفحات:٢٠٠ دار الفنك للنشر.
ترصد الرواية رحلة البحث عن أثر “امرأة مختفية” داخل شبكة من الوثائق والرسائل والمواقف، فتلعب تقنية “التخييل” دورًا محوريًّا، حين يقدم الكاتب الضمني وهيمان معًا سردًا يجمع بين ما عاشوه وما لم يُروَ، ليشكّلا رواية بلا فصول ثابتة، مجرد “محطات” تُعيد الاعتبار لصوت المرأة في مغرب ما بعد الاستقلال. تتماهى قصة حرية جاذبية مع امتدادها في خطاب سياسي واجتماعي، وتكشف أنّ اختفاءها ليس نهاية، بل بداية لتساؤل حول الاستمرار في الكفاح ضد الهياكل السلطوية والثقافية السائدة..
محمد برادة يطل علينا في هذه الرواية ككاتب خفيف الظل، لا يشعر القارئ معه بثقل القراءة حتى يصل للصفحة الأخيرة! (رسائل من امرأة مختفية) هو تصوير دقيق لتطلعات مغرب بعد الاستقلال .. مغرب يحلم بالتحرر من قيود الاستبداد والقمع ووضع التابوهات على طاولة مكشوفة!
مقطع أعجبني من رسالة جاذبية عبد العزيز إلى حبيبها بطل الرواية هيمان السبتي
يا سكّيري اللامع، أفهمكَ. لم أقرأ نفس الشخصيات في نفس الكُتُب .. لم أرَ نفس الأفلام؛ لم أسمع نفس الأغاني والكلمات العابرة .. لم أشربْ كلّ تلك "الدّبّوزات" التي مرّتْ من جوفكَ .. لكني أفهمكَ في (العُمق)، فلكُلٍّ منّا طريقتُهُ في محاولة التّسلّل، أو البحث عن تغييرٍ جذري ... كمْ أكرهكَ أحياناً. تعرف كلّ شيْء .. وأعطيكَ نقيضَ الكراهية عن اقتناع .. تعرف كلّ شيء ... حتّى الثمالة أُجرِّبُ شعورَ الصبايا منذ عُدتُ: "الأسطوانة، والصورة، وطعمُ السّكّر في لساني، والبريق في عيْني وفي مواجهة المرآة ..." كلّهُ عبث في عبث. والبعض يفضّلون عبثهم، يضعونه في القمّة حارّاً. حارّاً حتى يذوب ويتلاشى أثرُه، فيبكون .. ليس ضياع العبث، أيّها السّكّير، ما يبكون، إنما هي "محاولة سجنِ مشاعرنا اللامحدودة في ألفاظ .. مجرّد ألفاظ ..". وبعد؟ صحيح "إنتَ اسمك إيه؟".