النسخة التي بين يديّ من هذا الكتاب قام بشرحها و ضبطها (أحمد أمين، أحمد الزين، إبراهيم الإبياري) و طبعتها الهيئة المصرية العامة للكتابِ، لكن لسوءِ الحظ جائت تلك النسخه بها الكثير من الصفحات التي لم تسوِدّها الأقلامُ بالقوافي، و أكثر الظن أنها سقطت أثناء الطباعة. أما فيما يتعلق بالشاعر، فإني أبتهلُ إلى اللّه أن يؤنِسَه في قبره كما آنسّني بكلماته، فأكثر نظمه جاء بسيط الكلمات و الأسلوب، مما يسهل على أقل الناس درايةً بالشعرِ أن يفهمه، و جائت أكثر أغراضه مدحاً أو رثاء لبعض ذوي العلم و السلطان، و منها ما تضمن إستنهاض شباب النيل ليصنعوا المجد ليلحق وطنهم بالأمم العظيمة، أما القليل، بل القليل جداً من شعره قد جاء في الغزل، و إليكم إحدي قصائده العذبه.
سَكَنَ الظَّلامُ وباتَ قلبُكَ يَخفقُ ... وسطا على جنبيكَ هَمٌّ مُقلِقُ
حارَ الفِراشُ وحرتَ فيهِ , فأَنتما ... تحتَ الظلامِ معذَّبٌ ومؤرَّقُ
دَرجَ الزمانُ وأنتَ مفتونُ المُنى ... ومَضَى الشَّبابُ وأنتَ ساهٍ مُطرِقُ
عجباً يَلذُّ لكَ السكوتُ مع الهوى ... وسواكَ يبعثُهُ الغَرامُ فَينطِقُ
خُلِقَ الغَرامُ لأصغَريك , وطالما ... ظَنُّوا الظنونَ بأصغرَيكَ وأَغرقوا
ورَموك بالسلوى ولو شَهِدُوا الذي ... تَطويهِ في تلكَ الضلوعِ لأَشفقوا
أخفيتَ أسرارَ الفؤادِ وإِنَّما ... سرُّ الفؤاد من النواظرِ يُسرَقُ
نَفِّسْ بربّكَ عن فؤادِك كربَهُ ... وارحمْ حشاكَ فإِنَّها تتمزَّقُ
واذكرْ لنا عهدَ الذين بنأيهم ... جمعوا عليكَ همومَهم وتفرَّقوا
ما للقوافي أنكرتكَ , ولم تكنْ ... لكسادِها في غيرِ سوقِك تنفقُ
ما للبيانِ بغيرِ بابك واقفاً ... يَبكي ويعجلهُ البُكاءُ فيشرِقُ
إني كهمِّكَ في الصبَّابةِ لم أَزلْ ... أَلهو وأرتجلُ القريضَ وأَعشَقُ
نفسي برُغمِ الحادثاتِ فتيَّةٌ ... عُودي على رُغمِ الكوارث مُورِقُ
إِنَّ الذي أغرى السهادَ بمقلتي ... مُتعنِّتٌ قلبي بهِ متعلِّقُ
واثقتُهُ ألاَّ أبوحَ وإِنَّما ... يومَ الحسابِ يُحَلُّ ذاك الموثِقُ
وشقيتُ منهُ بقربِهِ وبعادِهِ ... وأخو الشقاءِ إلى الشقاءِ مُوفَّقُ
صاحبتُ أسبابَ الرِّضي لركوبهِ ... متنَ الخلافِ لما بهِ أَتخلَّقُ
وصبرتُ منهُ على الذي يعيَى بهِ ... حلمُ الحليمِ ويتَّقيهِ الأحمَقُ