هذا الكتاب جزء من مشروع حضاري يهدف إلى إعادة الإعتبار للمكونات الثقافية القديمة لشمال إفريقيا. ويهدف على الخصوص إلى تصحيح بعد الأخطاء في التاريخ للفكر العلمي ببلادنا التي أصبحت أليم شائعة إلى درجات اكسبتها البداهة. بإختصار، يهدف هذا الكتاب إلى نفض الغبار عن تراثنا الثقفي العلمي القديم وإسترجاع لا ضاع منه وما تم اختلاسه من طرف شعوب أخرى، حتى نتمكن من دمج هذا التراث في هويتنا التقافية لتكتمل ابعادها التاريخية.
إنه لمن المؤسف حقا أن تكون بداية التاريخ الذي يدرس في المغرب يبدأ من دخول عقبة بن نافع إلى الشمال الإفريقي فاتحا أو غازيا، ويطمس كل تاريخ سابق على تلك المرحلة بإعتباره فترة جاهلية؛ في إطار تعريب المغرب وطمس مكوناته الثقافية الأخرى. هذا الكتاب يستعرض جزئيا تاريخا لايزال شبه مجهول لسكان الشمال الإفريقي بجميع مكوناته، حيث يعرض العلماء والمفكرين والأدباء المغاربيين الذين نبغوا في الشمال الإفريقي إبان الفترة الفينيقية والرومانية في القرون السابقة على ميلاد المسيح حتى حدود الفتح الإسلامي؛ محاولا إظهار مؤلفاتهم ومجال نبوغهم سواء في المنطق والجدل والفلسفة وعلم اللاهوت، والتاريخ والجغرافيا وباقي العلوم..متحسر على كون أغلب المؤلفات والكتب قد ضاعت ولم تصل إلينا سوى مقتطفات قليلة أو ذكر لها في الكتب اللاتينية واليونانية. الكاتب يطرح أيضا تساؤلا يحتاج لدراسة أعمق ويصادف في العديد من الكتب التي تناقش تاريخ المغاربيين وهو: لماذا لم يؤلف المغاربيون (تقريبا) أي إنتاج لهم باللغات المحلية، وكانوا دوما يستخدمون لغات المستعمر؟! فهم أنتجوا باليونانية واللاتينية والعربية والفرنسية..لكن إنتاجاتهم بالأمازيغة مثلا شبه منعدمة! كملاحظة أخيرة فالكتاب لايعدو أن يكون مجرد محاولة في بابه، فهو مفرق على شكل فصول (مقالات) يغلب عليها الطابع السردي أكثر منه التحليلي..كما أن كون أغلب المخطوطات ضائعة إضافة لغياب دراسات معمقة في المجال يجعل مادة الكتاب بحاجة للكثير من البحث والتحقق.
وعلى الأجيال الحاضرة تمرير المشعل إلى الأجيال القادمة ، وعلى المثقفين المغاربة أن يكفوا عن إهانة المنتوج الثقافي المحلي وعن الرفس على أرواح أجدادهم و عن ممارسة الإرهاب الثقافي بترويج أفكار مستوردة ، لقد آن الأوان للمصالحة مع الذات وتكريمها والاعتزاز بها. وبهذا وحده يمكن أن يحقق استقلاله الثقافي ويستعيد كل أبعاد حريته و مكانته في تاريخ الإنسانية"