جزء من مقدمة المؤلف: الإلحاد في عرف عامة الناس يعني إنكار وجود الله، والتكذيب بشرع الله، وجحد حقائق الغيب. والإلحاد في اللغة يعني الميل والانحراف، ومن عموم المفهوم اللغوي حددت مفهوم هذا السفر، فجعلت الإلحاد يشمل إنكار وجود الله، وجحد حقائق الغيب، والتكذيب بشرع الله إما في ثبوته .. وإما في صدقه .. وإما في معقوليته .. وإما في عدله. فإلغاء عقوبة القصاص إيماناً بأنها ظالمة، أو غير معقولة نوع من أنواع الإلحاد. وإنكار وجود الجن نوع من أنواع الإلحاد. والمطالبة بالتحرر من قيود الشرع نوع من الإلحاد. وتفسير حقائق الغيب بما ينافي خبر خالق الغيب نوع من الإلحاد. إلا أنني في مناقشة هذه المسائل الإلحادية تحاشيت المسائل العلمية واقتصرت على المسائل العقدية، فلم أحفل مثلاً بشروط إقامة القصاص، لأن غرضي بيان المعتقد الصحيح في مشروعية القصاص. ولم يكن الغرض من هذا السفر ملاحقة شبه الملاحدة، وإنما كان الغرض تحرير العقل من أغاليط الفكر، وإقناع الناس بثمرة الإيمان بالله وشرعه.
أبو عبد الرحمن محمد بن عمر بن عبد الرحمن بن عقيل (المعروف بأبي عبد الرحمن ابن عقيل الظاهري) هو عالم سلفي ظاهري وأديب سعودي. من مواليد مدينة شقراء في إقليم الوشم بمنطقة نجد من المملكة العربية السعودية عام 1357 هـ. هو عالم بالقرآن وتفسيره وعالم بحديث الرسول محمد بصحيحه وضعيفه، وفقيه وأصولي وأديب ومتقن لعلم الكلام والفلسفة. اشتهر الشيخ ابن عقيل باهتمامه بكتب الإمام علي بن حزم الأندلسي تحقيقاً وترجمةً لابن حزم نفسه. يسمى بالظاهري لانتسابه للمدرسة الظاهرية والتي يتمسك أتباعها بالكتاب والسنة وفق رؤيتهم، وينبذون الرأي كله من قياس واستحسان.
كتاب عميق جدًا يتناول أغلب ما يدور عليه الملحدين من شبهات ونظريات، يدخل في نظرية المعرفة وآراء الفلاسفة، ويسوق مواضيع مختلفة حول الحريّات والإيمان والعقيدة وغيرها. كتاب ماتع جدًا ويدل على غزارة المؤلف من الناحية الفكرية والفلسفية والعقدية، قد يكون صعبًا للمبتدئين ولكنك تخرج منه بمعرفة حقيقية تنقلك إلى مستوى آخر إذا فهمت كل ما يدور فيه.
الكتاب ذو قيمة بلا شك في بعض مواضيعه .. كموضوعه عن نظرية المعرفة مثلا فهو جدير بالتقدير بامتياز .. وأعجبني تجرده من الحشو الوعظي في بعض المواضع وموضوعيته .. تطواف جميل مليء بالمعلومات والفوائد..
وكما تنبئت دائما لا يتكلم عن الإلحاد رجل دين إلا وقريك منه .. أما صاحب الكتاب فالحق هو في رأي من أحسن من كتب في هذا الباب منهم ولديه اطلاع جيد على الفلسفة ومذاهبها .. ومع ذلك فالكتاب ليس ذا قيمة كبيرة في بابه -اقصد الالحاد- ..
إذ هم يعتقدون أن الملاحدة أناس عرفوا الله ورؤوه حتى اذا أثلجت صدورهم ببرد اليقين قالوا ربنا باعد بينننا وبين يقيننا ثم قاموا واشهروا سيوفهم ثم قالوا كفرنا بك رب العزة .. لأننا نبغي الكفر في ذاته .. ولن نؤمن لآياتك البينات ولا لعلاماتك الواضحات .. لأننا اخترنا بعد كل ما رأيناه من علائم الحق أن نترك هذا الحق الأبلج لاعتناق الباطل البين .. لم يدفعنا على هذا غير اتباع الهوى الفاسد وذلك ابتغاء دخول جهنم الحمراء .. فنحن قوم اشترينا الضلالة بالهدى عن قصد ورغبة بلا إكراه ولا شبهة .. مخلصين في كفرنا وإلحادنا .. هذا ما يتصوره رجال الدين حين يتكلمون عن الملحدين ..
هؤلاء لم يخوضوا في ما خاضوا إلا عبر الفلسفة ولم يعالجوا مسائل الدين بالطريقة السطحية المتوارثة القائمة على الترديد والتكرار .. ولما كانت مادة هذه المواضيع هي الفلسفة لزم أن يكون علاجها بنفس موضوعها لا أن نقول .. " امنوا معشر الملاحدة بالله الواحد " كما قالها "أبو عبدالرحمن" كما يحب أن ينادى ويعرف بنفسه ..
أما موضوعة الالحاد وهي موضوعة لم تاخذ حقها من الكتاب كما أرى .. فهو يعول اكثر ما يعول على دليل الفطرة ومعلوم لدى كل ذي نظر أن دليل الفطرة لا يمكن اثباته للغير ولا التحقق منه باي حال من الأحوال فهو ليس الا زعم ينازع فيه كل أحد .. وهي تقترب من أن تكون احتكام الى الجهل .. و يخلص بهذا البرهان الى أن إيمان العوام ليس تقليدا بل هو اهتداء فطري .. والذي اضطره ان يقول ببرهان الفطرة كما قال شيخه قبله ابن تيمية ان الاخير انكر الطرق الفلسفية الكلامية في اثبات الله واثبات النبوات ومنها تتلقى السمعيات الكتاب والسنة والاجماع وهي طريقة فسادها كبير كما يقول ومقدمات مسائلها مشتبهة يشع النزاع فيها - ولا اخالفه هنا عالاقل- مما اضطرهم الى ان يقولوا ببرهان الفطرة اذ لا مناص من القول به لاثبات العقيدة .. وارى ان هذا غير منصف ..
طبعا الشيخ ابن عقيل أقام فصلا عن الفطرة وقال إنها أقوى حجج الموحدين في التدليل على وجود الله .. وأقول إن كانت هذه أقوى الحجج فقد انقطع أملنا في الايمان بالله .. طبعا ابن عقيل يستدل على بداهة الفطرة بمنهجية غير صحيحة فيستدل على بداهة الفطرة بقوله تعالى أفي الله شك .. وهنا قد أحال بداهة الفطرة إلى دليل نظري سمعي .. فانتفى مباشرة القول بأنه فطري بدهي .. وتعريف البدهي هو ما لم يحتاج الى دليل لإثباته .. وبما أن الواقع يشهد بأن الناس في هذا الأمر مختلفين فإذن لا بداهة في ما ذهب إليه .. قد يقولون أن فطرهم -اي غير المؤمنين- منكوسة ومشوهة هنا أقول هاتوا برهان على سلامة فطركم وفساد فطر غيركم .. هذا محال إثباته بل كل حزب بما لديهم فرحون..
وهو يحترم الشك إلا في الدين وعلومه فهذا ما لا يقبل النقاش عنده.. فقلي بالله ما قيمة الشك أصلا إن لم يكن في هذه الأمور.. وأي يقين هذا الذي يتأتى بغير شك .. ويستدل بقوله تعالى أفي الله شك .. ويفسر حديث ذلك محض الايمان أنه لا يعود إلى الشك ذاته ولكن إلى الخوف بالنطق بما راودت به النفس نفسها ..
أما عن حواره مع القصيمي وردوده عليه فقد وفق في اشياء وخذل في أخرى .. وهنا ينبغي أن نبين نقطة مهمة جدا في طريقة محاكمته لبعض اقوال القصيمي .. وهي ..
أن القصيمي يكتب بحس أدبي شاعري ولا معنى اطلاقا لمحاكمة الالفاظ والعبارات الأدبية منطقيا إن هذه ليست الا دلالة على عدم الدقة وقلة الموضوعية في التعاطي مع الخصم.. فليس هكذا يتم توظيف المنطق المادي .. فاذا اردنا ان نعامل القران نفسه بهذه الطريقة سيكون مغالط منطقيا ..ما ينبغي أن نحاكمه هو مفهوم الكلام لا ألفاظه .. ومثال ذلك حين يحاكم القصيمي في قوله "هذا مالا ترضاه كل العقول" .. صفحة 307 ..
سائتني جدا طريقته في اتهام النوايا وهي طريقة سلفية معتادة في النقد وأنه -أي القصيمي- ليس الا مجندا صهيونيا وعميلا لاسرائيل ومناهضا لكل اعداء الماسونية الخ .. فلم املك الا ان اقلب يدي محوقلا ..
أما خلاصة كلامه عن إثبات وجود الله فتتلخص في الكلام التالي .. فيقول واتباع الظن الراجح مقدم على مجرد الاحتمال وعلى فرض انه لم يثبت وجوده .. فالراجح وجوده باحدى هذه المرجحات ..
1. برهان الحاجة للعقيدة وهو البرهان العملي فهي وان كانت خرافة فهي خير 2. برهان الحيطة والبخت .. نحتاط في ايمانه خشية الوقوع في العذاب .. برهان باسكال 3. العقيدة ضرورة نفسية .. كسلاح نفسي وعزاء للانسان ويعطيه المعاني ويملأ الفراغات .. الا ترى اذا حزب المرء امر خفق قلبه إلى ربه اما بدعوات من النياط واما بتلاوة القران واما بسجدات لله .. افلا يكون هذا برهانا نفسيا اخر على وجود الله .. ان الظمأ دليل على وجود الله ..
4. دليل الفطرة .. وهو أقوى الأدلة حسب قوله ..
عموما كتاب جيد وذو فوائد جيدة ومواضيع متنوعة .. لكن بخصوص مسألة الإلحاد فلا جديد تحت السماء ..