ليس الفراغ، عند الصوفية، مفهوما نظريا ولا تصورا ذهنيا، بل هو تجربة تنشد الأقصى، مستشرفة الما وراءه؛ ما وراء كل شيء، ما وراء الأحكام، وما وراء الضدية المنتجة لحجب الثنائيات، إنها منطقة بعيدة، فيها يتسنى للهوية الصوفية أن تتحقق من الآخر الذي به تغتذي وتتجدد. آخر منفلت دوما، يتوقف ومض ظهوره على شسوع الفراغ. الفراغ هو ألا ترتبط بشيء، ألا تبحث عن شيء، وألا تنتظر شيئا، هو منطقة حرة لتأسيس تعال، ينطلق من توقيف الأحكام وتعليق الكون، ومن جعل ذات الواقف تكتشف ما يحجبها عن نفسها. لذلك شدد النفري على أن الفراغ قوة واتساع ونور. المخيف في الفراغ ما يتطلبه الطريق إليه، طريق ينفرد بأهله، ما دامت تجربة الفراغ تخص من لا فكاك له من مخاطرة تقتضي ما سماءه النفري بالصبر الشاب، مخاطرة هي عينها الخلاص الممكن، المخيف، أيضا، في الفراغ الاعتقاد بأنه فارغ، اعتقاد تهدمه تجربة النفري بكشفها أن الفراغ الاعتقاد بأنه فارغ، الفراغ ممد، واهب، مؤت، نتوج. الفراغ خروج من زمن امتلاك الشيء إلى زمن التحرر منه. الفراغ انتساب إلى مستحيل لا ينفتح الإمكان فيه إلا كي يغذي الاستحالة.
تكمن مشكلتي مع كتاب "الصوفية والفراغ" في المنهج الذي استخدمه الكاتب، فرغم الأسلوب الأدبي الرائع والتسلسل المنتظم للأفكار، إلا أن محاولة قراءة نصوص النفري بمنظار بلانشو ودريدا في رأيي أمر خاطيء تمامًا. فرغم أن بلانشو ودريدا يوافقان النفري في أن التجربة، والكتابة عنها، "سفر بلا طريق"، لكنها عند النفري إلى منتهى يقع خارج الحرف. وهو ما أقر به دريدا نفسه عندما قال إن منتهى اللاهوت السلبي "الضرورة المتعالية" [الثابت المتجاوز للوجود وللمعرفة]، في حين أنه لا موقع لها في فلسفته، ولا حتى للصمت الذي يلازمها. ومن ثم يمكن أن نفهم نقد بلانشو لتصوف فيتجنشتاين، حيث يقول: "قد يأتي تصوف فيتجنشتاين ... من اعتقاده بإمكان البيان في المقام الذي يتعذر فيه الكلام. ولكن ما من شيء يبين دون لغة".
فالتفكيكية، والتحليل ما بعد الحداثي للخطاب عمومًا، هي فلسفة نافية لكل معنى وحقيقة ثابتة، ومن ثم قادرة على أن تقول كل شيء لأنها في الحقيقة لا تقول أي شيء، فترفض المفهوم المركزي في اللاهوت السلبي؛ الجهل العليم بالحقيقة الواقعة خارج العالم. هذا بالإضافة إلى ما ينتج عنها من تناقضات داخل محيط العالم ذاته. ومن ثم لا نجد عند النفري ارتيابًا في قدرات اللغة كما نجد في التأويل ما بعد الحداثي للغة، وإنما يقين بفشلها في نقل ما لا ينقال تستبطنه كل شذرة. لا يوجد في نصوص التصوف ألم كتابي مانع لانغلاق الخطاب فيجعله خطاب لانهائي المعنى؛ خاضع للمساءلة الدائمة والتأويل المستمر والوجهة المتجددة، وإنما خطاب منغلق في صورة إشارات موجهة المتلقي صوب الحقيقة التي لا يمكن التعبير عنها، فـ "لا يرى الحقيقة إلا الواقف". ومن ثم فإن النفري لا يروم كتابة المستحيل، "ما لا ينقال"، وإنما يروم بيان الاستحالة للإشارة إلى المستحيل.
إلا أن هذا التوجه لم يكن له تأثير كبير على قراءة الكاتب لنصوص النفري وبالأخص في بيانه لموقع الصمت منها، لكنه ظهر في موضع وحيد وهو تأويله للمحاورة بين ناطق وصامت إلى لسان واحد هو لسان النفري، ينسب خطابه إلى الإله، وكأنه يجيب عن سؤال دريدا: من يخاطب من؟ ومن ثم وضعت هذه القراءة النفري بين القائلين بوحدة الوجود سواء المقيد مثل ابن عربي أو المطلق مثل التلمساني ودون خوان [الذي دوام الكاتب على الاشارة إليه بالمعلم الهندي رغم كونه شخصية اختلقها الكاتب البيروفي كارلوس كاستانيدا ونسب إليه تعاليم صوفية]، وهم من اعتمد الكاتب على شروحاتهم لبيان المستغلق من نصوص النفري. لكن الحقيقة أن النفري ينفي ذلك الوقف مرارًا وتكرارًا في نصوصه من خلال تأكيده الدائم على الغيرية التامة مثل قوله "كلك خلق فماذا تروم؟"، فيظل للواقف حدًا، وهو ما يراه التلمساني في شرحه مجازًا لأن الواقف لا حد له، ومن ثم كان اختلافهما البنيوي.