خواطر وتداعيات عن أمراض النفس وشذوذ طباع نماذج من الناس عرفتها السيدة الفاضلة صاحبة الكتاب ممن ابتلوا بالبخل أو شدة الحرص أو الجهل أو الأنانية أو الكنود والكفران أو شدة الإفراط والتفريط، ولكنه ليس كتابًا تقليديًا!، لأنني أحببته!
تقول عن زوجها الطبيب الذي كان لا يبخل بوقته أو جهده أو ماله على مَن يستعين به، وعندما أرادت يومًا بعد وفاته خدمةً يسيرة من أحد ممن ساعدهم زوجها طيلة حياته ولمدة سنوات عديدة وعالجه هو وأهله وحاشيته بلا مقابل، قابلها بالنكران والجحود، فقالت هذه الكلمات المتوجعة فيه وفي أمثاله ..
لقد حُرمت سعادتي بوجود أحب الناس إلى جانبي، فحرمت بسمة نظرته وحنان لهجته وضرورة خدمته، طوال شبابي وبعد شبابي لانصرافه عني إلى عمله وإلى هؤلاء الذين كانوا يرغمونه على خدمتهم، فاغتصبوا سعادتي واستولوا على نصيبي وحقي في وقته، فشقيتُ لينتفعوا، وتألمتُ ليحظوا بالعلاج والشفاء.
إنه لم يكن يجد الوقت الكافي ليمضغ الطعام على مهلٍ، ولم يكن يقضي في بيته إلا فترات الأكل والصلاة والنوم، وإذا حاولت محادثته أثناء طعامه، قطع عليّ الحديث رنين جرس المسرّة ليطلب أحد مرضاه ربط موعد معه، ولم تترك هذه المسرّة اللعينة لي فرصة لأتمّ كلامي مطلقًا، حتى سئمت محاولاتي وعشتُ في صمتٍ قاتلٍ أقاسي وحدة العقل وحرماني صديقًا يصغي إليَّ لأفضي إليه، صديقًا يحادثني ويؤنسني ويؤاكلني ويرافقني أينما ذهبتُ وحيثما حللتُ، ويصادق عقله عقلي فيرى ويسمع ويفكر معي، فقضيتُ حياتي في جحيم وحدة العقل، وجحيم ملازمة من ليس له عقل، فقاسيت جحيمين وحرمت نعيمين، نعيم الخلوة إلى زوجي، ونعيم الخلوة إلى نفسي!
إن أسعد أيام حياتي هي أقسى أيام آلامي، لأن أيام مرضي الخطر الأليم، كان يلازمني فيها زوجي ويترك كل شيءٍ من أجلي ولا يبالي بغيري، فأشعر بأنه لي وحدي، وأنه لا يفكر في شيءٍ غيري، ولذا كنتُ أتمنى المرض لأحظي بوجود زوجي إلى جانبي ولأنعم بحنانه وعنايته، إذ كان يمحو شعوري بآلامي، شعوري بعطفه ورعايته ...