كُتيِّب نافع يحاول مؤلفه دراسة إحدى العواطف والمشاعر الإنسانية التي قلَّما تصفو حياة فرد منها، ألا وهي عاطفة الحزن والتى تصل للإكتئاب أحياناً، فيبتدأ الكاتب بتعريف الحزن والاكتئاب، قائلاً: "إن الحزن والإكتئاب لفظان بمعنى واحد، ويختلفان في الشدة والمدة الزمنية، فالحزن تُعرّفه العرب فيقولون: حزن الرجل حُزْناً، بمعنى اغْتَمَّ، وأما الإكتئاب فتقول العرب: كَئِبَ الرجل، أي تغيرتْ نفسه وانكسرت من شدة الهم والحزن"
ثم يتطرق الكاتب إلى أنواع الحزن ومراحل تطوره وصولاً لمرض الإكتئاب وأسبابه، ثم ما يلبث أن يتجه للعلاج والذى أرجع الجزء الأكبر منه إلى العقيدة السليمة المستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية.
فللعقيدة أثر كبير على مشاعر الإنسان وسلوكه، حيث أن: ▪︎عقيدتنا كمسلمين في القضاء والقدر تمنعنا من الحزن الشديد لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: (واعلَم أنَّ ما أصابَكَ لم يكُن ليُخطِئَك وما أخطأكَ لم يكُن ليُصيبَكَ)، فثقة الإنسان أن الذين من حوله لا يستطيعون أن يضروه، ولا أن ينفعوه إلا بقدر الله تعالى، يخفف من وطأة الحزن وشدته على نفسه.
▪︎الايمان بالله وصفاته وأسمائه الحسنى له دور كبير في هذا الأمر أيضا، فالمسلم الذي يؤمن بأن الله هو "الملك" يؤمن بأن له سبحانه الحق في المنع والعطاء، فلا يعترض عليه، والذي يؤمن بأن الله "حكيم" لا يُقدّر شيئا إلا لِحكمة سواء أدركها الإنسان -ذو العقل القاصر- أم لم يُدركها، كل هذا يجعله يتقبل الأحداث، ويعلم أن فيها خيراً له، مما يُكسِبه نوعاً من الإتزان في مشاعره.
▪︎مفهوم المسلم للمصائب والأحزان له تأثير عظيم، فإن المصائب قد تكون علامة على محبه الله للعبد لقول الرسول عليه السلام (إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم)، كما أن المسلم يؤمن بأن الإبتلاء يكون على قدر الإيمان (أشد الناس بلاءً الأنبياءُ، ثم الصالحون، ثم الأمثلُ فالأمثلُ)، ويؤمن أن بمجرد حصول المصيبة فإنه سيُؤجر عليها (ما يصيب المسلم من نَصَب، ولا وَصَب، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه).
ونستطيع تلخيص كلام الكاتب، وحلوله الباقية في مقولة ابن الجوزي في كتابه (صيد الخاطر) : "من نزلت به بلية، فأراد تمحيقها (ذهابها) فليتصورها أكثر مما هي تهن عليه، وليتخيل ثوابها (الذي يأتى بعد المصيبة)، وليتوهم نزول أعظم منها، فيرى الربح في الاقتصار عليها (يعني أنه اذا جاءته مصيبة فيرى أنها بسيطة بالنسبة لما هو أكبر منها)، وليتلمح سرعة زوالها (الأمل) فإنه لولا كرب الشدة، ما رجيت ساعات الراحة، وليعلم أن مدة مقامها عنده كمدة مقام الضيف، فيتفقد حوائجه في كل لحظة، فيا سرعة انقضاء مقامه! "
مشكلة هذا الكتاب أنه ينتهي! رحم الله مصنفه وجزاه خيرا. كنت أبحث منذ العام الماضي عن متخصص نفسي يتكلم عن علم النفس مع ربطه بالدين بعدما استمعت للقاء الدكتور عدنان معتوق عن الاكتئاب، ثم هداني الله لهذا الكتاب الرائع الذي يؤكد فكرة العلاج بالمعنى، وهي فكرة طرحها الدكتور فيكتور فرانكل في كتابه (الإنسان يبحث عن معنى). بإذن الله أنهي كتاب الدكتور فيكتور ثم أكتب تدوينة عن أهمية وجود المعنى في حياة الإنسان كي يعيش حياة طيبة ثم يتعافى من السوء إذا حل به، أسأل الله العليم الحكيم أن يوفقني ويسددني لأحسن بيان مرتبط بشريعته الحكيمة.
الأن الآن هذا كتاب مكتوب قبل 1410 هـ لا ادري متى بالتحديد لأن المؤلف رحمه الله كان يقدمه على شكل محاضرات قبل وفاته المفاجئة في العام المذكور. والشكر للدكتور عبدالرزاق الحمد على اخراج الكتاب سائلين المولى أن يجعله في ميزان حسناتهم.
قبل أن ابدأ هذه المراجعة البسيطة اود ان اقول: ما يحتاجه أطباء وكثير من الناس في هذا الزمن من المسلمين هو أن يعطوا الله حقه وأن طلب العلم الشرعي واجب. وأن تحصيلكم للعلم الطبي وغيره وحده دونه من العلوم الواجبة لا يغني عنكم من الله شيئا ومن حصل العلم الشرعي مع أي شيء اخر وجد خيرا كثيرا بإذن الله.
فهذا كتاب عظيم الفائدة لمن اسمعه الله.
المراجعة:
منذ بداية الكتاب وأنا أشعر أن في الخطاب هدوء وسكينة وتحري وإيجاز.
فبتدأ بتعريف الحزن وذكر أمثلة له من الكتاب والسنة.
ثم تطرق لأنواع الحزن وسأذكرها بنفس الإيجاز ليعلم القارئ انه خير الكلام ما قل ودل.
أنواع الحزن: الأول: الحزن على أمر فات. وهذا لابد أن يوطن إلانسان نفسه على أن لا يحدث. وعلل ذلك بقوله تعالى: ( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ). وهذا فيه تفصيل جميل في الكتاب.
الثاني: حزن مطلوب وهذا امتدحه الله. وهو الحزن على امور الدين وهذا يزيد وينقص حسب ايمان النرء. وأنه حزن طارئ يلتهي الإنسان عنه بالعمل والاجتهاد. وعلل ذلك على سبيل التمثيل لا الحصر بحزن الفقراء في غزوة تبوك بقوله تعالى: ( وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُون).
بعد ذلك ذكر مرض الإكتئاب وذكر علاجه. وكيف يكون العلاج بالقرآن والسنة! وكيف يكون العلاج الطبي في هذا المرض.
في هذا الكتاب الصغير في الحجم والكبير و العجيب في الفائدة، يتعلم الإنسان كيف يوطن نفسه بشريعة الله وعقيدته الصحيحة.
ومتى قد يحتاج ان يأخذ الدواء ومتى يكون نفع الدواء اكثر من ضرره ان كان به ضرر كما هو معلوم عن الأدوية النفسية. ومتى يخرج الإنسان من التكليف خاصة في الحالات الشديدة من الإكتئاب.
اخيرا، وجدت شيئا اعجبني كثيرا في الكتاب ويحتاج للتعمق اكثر وهو الدعاء الوقائي والدعاء العلاجي وهنالك فرق بين الاثنين وقد يكون اهم ما يحتاج إليه المرء المصاب بالإكتئاب واعلل ذلك ان المرض يأتي ويذهب على فترات تختلف بين الاشخاص. فمن عرف الوقاية فستكون له خير نافع.
فمن الدعاء الوقائي قوله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اني اعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضَلَع الدَّين وغلبة الرجال."
ومن الدعاء العلاجي: ما صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله" ما أصاب عبدا هم ولا حزن فقال : اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي و نور صدري وجلاء حزني وذهاب همي ، إلا أذهب الله همه و حزنه وأبدله مكانه فرجا".
فالكثير منا لا يعرف كيف يناجي ربه وكيف يطلب منه الشفاء وكيف يطلب منه الوقاية.
فعلا ... المؤمنون الأتقياء والصالحون في نعمه من الله لا يعلمها إلا قليل كيف و ورسول الله يتعجب من أمرهم ويقول صلى الله عليه وسلم "عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ."
هنالك حسنُ ظن بالله سطحي لا يكون قد تعدى الأفواه. وهنالك حسن ظن بالله بيقين بأن الله لا يأتي إلا بالخير فقط.
أكثر ما أعجبني في هذا الكتاب هو التأصيل الشرعي للمرض النفسي من قِبل متخصص في الطب النفسي، وودتُ لو أن المؤلف -أسبغ الله عليه رحماته- أطال في الموضوع وفصّل، والحاجة داعية خاصة في مثل هذا الزمن لتأثيل شرعي في الجانب النفسي، والله المستعان.
هو كعنوانه، ألفه الدكتور عبدالله الخاطر وهو طبيب نفسي (يعني يعرف ما يقول) ولكنّ الكتاب وعظيٌ بالدرجة الأولى، ولو لم أقرأ المقدمة وأعرف أنه طبيب فعلاً ما كنت لآبه كثيراً لما يقول .. وهو ليس طبيباً عادياً وإنما متمكن من تخصصه ومبدع في مجاله... توفي للأسف وهو في الثلاثينيات عليه رحمة الله ~~~~~ الكتاب كله مادته الكتاب والسنة وكيف نتعامل مع الحزن والاكتئاب منهما ومن هديهما الوقاية والعلاج معاً... بدأ بوصف سريع لهذا المرض ومتى يكون مرضاً واستعرض أسبابه وانطلق منها ... وفي كل مرة يوضح لك ما الهداية الموجودة من الدين، ويربطها بالطب النفسي وبعبارة سلسة... ويقول هذا موجود في الطب النفسي ومعتبر.. وفي آخر الكتاب وفي صفحتين أو ثلاث يتكلم عن العلاج النفسي وأنها أساليب لا ينبغي النفور ومنها ولا النظر إليها بعين الريبة وامتثالاً لهدي النبي "تداووا" عليه الصلاة والسلام... ولكن معظم الكتاب من القرآن والسنة وهداية الدين فتأمل ذلك ~~~~~ والكتاب على صغره هو فتح في هذا الموضوع! أما ادعاء الناس أن هذه أمراض حقيقية نعم هي حقيقية، ولكن وقايتها وعلاجاتها كذلك حقيقية فإن أنت أهملت الوقاية في مثلاً الإيمان بالقدر كنت عرضة لأثر المصائب ولن تسلم منها ~~~~~ كنت أفكر هل من أتى بعده من الأطباء النفسيين قد أكملوا ما بدأه؟... والجواب هو نعم بل وأبدع الكثير منهم مثل الدكتور خالد الجابر
حصلت على كُتيبه (فن التعامل مع الناس) كإهداء في أحد البرامج الدعوية قبل ١١ سنة تقريبًا! وكان الكتاب عزيزُا علي لأنه ضمن أوائل قراءاتي وقد شجعني ذاك الكتيب على قراءة هذا هذا الكُتيب كان محاضرة جمعها الدكتور عبد الله الخاطر رحمه الله بيد أنه توفي عن عمرٍ يُناهز ٣٥ قبل أن يتم إلقاء هذه المحاضرة فأنبرى رفيقة وفاءً للدكتور بإخراجه ككتيب صغير ورغم قلة صفحاته إلا أنه قد أعطى توطئة شاملة لمرض الاكتئاب (حسب ظني) ربما ينقصه كيف يجدر بنا التعامل مع المصاب به لإخراجه من حالته قدر المستطاع
ولكن حين قراءتي لترجمة الدكتور في أول الكتيب أدركت أنه لو لم يكن في هذه الصفحات إلا ترجمته فلن يخرج قارئها دون نفع إذ أنه قدم الكثير رغم أنه ما زال في أوائل شبابه مغتنمًا فرص ابتعاثه وعلمه في المجال النفسي ومعرفته الشرعية
سأبدأ بعيب الكتاب الوحيد وهو أنه مختصر وقصير، ولكن أتفهم الأسباب من مقدمة د/ عبدالرزاق الحمد، أما محتوى الكتاب فهو أكثر من رائع، يتحدث بصدق عن أن الاكتئاب مرض، ويبعد كل البعد عن الأقوال المغلوطة عن أن إنكار العلاج المادي وأن المكتئب ضعيف الإيمان أو أنه ليس بحاجة للعلاج فقراءة القرآن والرقية الشرعية فيهم الشفاء، يعلملنا الكثير عن إدراك والتعامل مع البلاء وأنه محبة من الله لعبده، عن طرق التفكير الخاطئة التي قد تؤدي للحزن والاكتئاب، وعن فن التعامل مع العطايا قبل المحن، وعمود الأساس في كل هذا هو العقيدة والإيمان بالله وحكمته وقدره وأسمائه الحسنى جميعًا.
تتميز مؤلفات ومحاضرات الشيخ الدكتور عبدالله الخاطر رحمه الله بالإيجاز البليغ والإحاطة التامة بأطراف الموضوع الذي يريد الحديث عنه. ففن الإيجاز والتلخيص لا يجيده الكثير من المثقفين والمحاضرين. كلام الشيخ الدكتور هنا سلس ومتماسك وقوي. كتاب رئع أنصح الجميع بقرائته.