مهّد الدكتور زهدي للبحث من خلال ثلاثة مباحث .. الأول / في بيان الدراسات السابقة حول هذا الموضوع والأسس التي قام عليها منهج البحث الثاني / في مدلول الحكمة , و نصيبها من الفكر و الإنفعال و إتجاهاتها الإنسانية و الإجتماعبة و الفلسفية .. الثالت / في نشأة الحكمة في الأدب العربي ومسيرتها إلى بداية العصر العباسي الثاني
يتعمق الكاتب في حياة الشاعرين أبي العلاء و أبي الطيب .. تفاصيل كثيرة يحكيها الكتاب وأحاديث طويلة ينتهي الكتاب وهي لا تنتهي ..
" لا بد أن يتوافر في الشعر عوامل عدة حتى يُكتب له الخلود " بهذه البداية الجميلة بدأ يتحدث الكاتب عن الحِكمة في شعر المتنبي .. والمتتبع لحكمه يلاحظ أنها تشتمل على معان عميقة تقنع العقل و ترضي الفكر كان بحق شاعر الحكمة .. والكاتب أتم صفحات يتحدث بها عن الحكمة في شعر المتنبي و من ثم انتقل إلى نشأته التي كانت بين مجموعة من البؤساء التي أوجدت في نفسيته حب التعالي وبأنه أهل لقيادة هؤلاء البشر وغيرهم , وغرست تلك النشأة الفقيرة في نفسه حب المال والتهالك عليه إن أعظم أمر كان يشغل المتنبي في حياته ومنذ الصغر أن يحقق لنفسه المكانة السامية , وأن يتسنم ذروة المجد وفي شعره يوضّح أن الحُلم إذا لم يكن عن قُدرة كان عجزاً ..
أما عن المعريّ , الذي أطلق على نفسه " رهين المحبسين " لازم بيته خمساً وأربعين سنة يقصده الطلبة من الآفاق وكاتبه العلماء و الوزراء .. وقال الدكتور طه حسين " لسنا نعرف عالماً من علماء اللغة منذ العصور الأولى لتدوينها أتى بمثل ما أتى به أبو العلاء " كما يتطرق الكاتب للجانب السياسي , فقد عاصر المعري فترات الانهيار السياسي في العالم العربي , استمرت الحروب أربع سنوات كاملة آلمت تلك الأحداث في المعري وتركت أكبر الأثر في نفسه ثم في فلسفته و حكمه .
ويبدأ الكاتب في منتصف الكتاب بذكر الموازنة بين شعر المتنبي والمعري في المصادر و العوامل , الاتجاهات و المعاني , الأسلوب و التصوير الفني , التقليد و الإبداع وبين " أنا " المتنبي " ونحن " المعري التي يقصد بها البشر , وجوانب الأنا متوفره للمتنبي ولتك أزمة نفسية بفعل نشأته أكثر من المعري .
ويذكر الكاتب الاختلاف الواضح بين رؤية المتنبي للحياة فهو يحث على الجهد المتواصل إلى بلوغ غاياته وعدم الرضا باليسير منها أو وسيط الأمور بينما يرى المعري الحياة سقماً وداء وينتظر وداعها و التخلي عنها .. ويلحظ الكاتب ثورة المتنبي " ثورة بناء " و وثورة المعري التي وصفها" بالهدم و الهروب والتخلي عن الحياة والوقوف أمام مساربها المتعرجة لا ليشحذ ما يقتات , بل ليرضى بالفتات "
والحياة التي يراها المعريّ تعباً بقوله " تعبٌ كلها الحياة فما أعجب إلا من راغبٍ في ازدياد " .. لم يكن المتنبي يراها كذلك رغم المتاعب التي لقيها , فنظرة المتنبي إلى الحياة وفلسفته فيها هجومية ونراه يتخذ من طبيعة فناء البشر دعامة فكرية يتسحث فيها على البناءو الشجاعة والإقدام
ونقطة جديرة بالذكر في الجوانب السلبية للشاعرين بمرور مرحلة شعر بها المتنبي بالعقبات التي واجهته في بداية حياته لصغر سنه أو خمول ذكره فلجأ إلى المبالغة والغلو و التعقيد اللفظي والتردي في الأسلوب ..
هنا نقطة مهمة في حالة العدمية من القراءة و الإجبار على الكتابة تظهر الكتابة بمظهر رديئ , سمج و هذا كان واضحاً في أبيات ذكرها الكاتب في شعر أبي الطيب و أبي العلاء .. فما بالنا نحن قليلٌ من القراءة وكثيرٌ من الكتابة التي ليكثر فيها الرديئ و يقل فيها الجيد , تنعدم فيها الأفكار و تظهر فيها الصور و المحسنات و التشبيهات ..
ينتقل الكاتب إلى المديح في الشعر فكان المعريّ أكثر صدقاً لأنها غالباً ما تصدر عن وجدان حقيقي صادق , والمتنبي تاجر بمديحه فهو يمدح من يامل منهم العطاء أو الجاه ولكنه كان أكثر اتساعاً وشمولاً لأساليب المديح أكثر من المعري .
" الشاعر المُبدع هو الذي يجعلك تشعر بهزة وطرب عند سماع شعره ولو في معنى متداول ولن يُنكر فضله فيما أتى به "
قال الكاتب ما أشعر به فعلاً عند بعض الشعراء , حين القراءة أو السماع لقصائدهم , الشعر روح وما كل روح تُحدث ضجيجاً في روح القارئ .. و من الشعر ما تفيض به مشاعرك , ويتحدث عن بديع معناه دمعك و تسكب له العبرات و لا يسكن به ضجيج قلبك .
" تأثر المعري بغيره من الفلاسفة اليونانيين كأفلاطون , فرأى المعري في طبيعة الروح و الجسد تشابه آراء أفلاطون الذي ارتأى الشرّ في الجسد فقال - إن حياة النفس لا تتحقق تماماً إلا بخلاصها من المادة في عالم روحي مثلها - وتأثر بطه حسين و تأثر بالقرآن الكريم والحديث و في شعره الكثير مما يدل على التأثر بهما .. "
" الشاعر , أي شاعر .. وإن كان مبدعاً في جانب ما من شعره لا بدّ و أن يتأثر برواسب فكرية "
من هذه العبارة انطلق الكاتب إلى كتابة الفصل الأخير في هذا الكتاب وهو مدى التصاق و تأثر و حب وإعجاب المعري بالمتنبي ..
إلفُ هذا الهواء أوقع في الأنفس أن الحِمَام مُرُّ المذاق والأسى قبل فرقة الروح عجز ... والأسى لا يكون بعد الفراقِ
يقول المعري " أن هذا البيت والذي بعده , يفضلان كتاباً من كتب الفلاسفة لأنهما متناهين في الصدق وحسن النظام , ولو لم يقل شاعرهما سواهما لكان له شرف منهما وجمال "
وتأثر المعري بالتفكير المنطقي و الفلسفي و التفكير الاجتماعي و الأسلوب الأدبي لدى المتنبي . وكما ذكر الكاتب من صورة بديعة بقوله " لم يكن إعجاب المعري بالمتنبي مجرد سحابة عرضت , وسرعان ما انقشعت , بل هطلت مطراً غزيراً أنبتت جنة من التفكير العلائي , فتكون فلسفة المعري قد استقت رشفاتها الأول ن ينابيع المتنبي الفكرية أما ذلك التأثير فشمل كثيراً من النظرات الفلسفية و الحكمية "
وبهذا الفصل انتهي الكتاب و لم ينتهي الحديث عن أي الطيب و أبي العلاء .. وما كُتب هنا إلا غيض من فيض .. اختصرت كثيراً ولم أذكر كل ما أريد .. يطول الحديث والكتاب في غاية الجمال إلا أنّ الأخطاء المطبعية كثيرة فيه وتبقى لتك الأخطاء لا تُفسد روعة الكتاب وجماله أبدا .