قرأت هذا الكتاب منذ مايزيد عن 20 عاما و أتذكر منه بعض المواضيع الجوهرية فالكتاب من ضمن الكتب التى تتعلق بإيجاد صيغة حديثة و معاصرة للأسلام كفكر أجتماعى و سياسى و قد كان هذا الموضوع لايزال حديثا وقتها فى مواجهة تيار أسلامى أصولى جارف كنا نظن أنه لا مناص من أنتصاره فى النهاية فى مواجهة خواء فكرى و سياسى غير مسبوق قائم منذ عقود فى منطقتنا العربية.
الكتاب يتبنى فكرا يسعى الى أعادة تفسير الأسلام من داخل الأسلام , أو بالأسلام نفسه فى محاولة لإيجاد صيغة حداثية تساير العصر بسهولة لا نضطر بسببها أن ندير ظهورنا للمكاسب السياسية و الأجتماعية لعصرنا الحديث, بمعنى آخر لا نضيع دنيانا لأننا أخترنا ديننا.
الحقيقة لقد أوضح الدكتور فؤاد زكريا منذ بداية الثمانينات أن هذه الوسيلة فى ( أستجداء) الحداثة و التى قام و يقوم بها كثيرون فى أيامنا هذه عن طريق البحث عن الثغرات فى التراث الفقهى و أعادة تفسير النصوص , أو التشكيك فى صحتها أو صحة تفسيرها هو عمل لا طائل منه و يشبه بيع الماء فى حارة السقائين, فالفقهاء و رجال الدين قتلوا النصوص بحثا على مدى قرون و قرون طويلة و لم يغفلوا شيئا دون أن يفسروه أو يربطوه بالمفهوم أ و الأطار الفقهى العام.
أسم الكتاب الأسلام فى الأسر ! أنا لا أتفق معه ذلك أن الأسلام ليس فى الأسر و لم يكن, و كل الذى نراه الآن على أنه قيود تعوق الأنطلاق فى عصرنا كان موجودا فى الأسلام منذ تأسيسه فى بدايات العصور الوسطى, و لم تمنع الأسلام من تبوء القيادة بين الأمم فى تلك الأزمنة. فما يراه البعض قيود و الآخرين خلل فى التطبيق أو فى التفسير الى آخره من التبريرات التى لا تحل ولا تربط هى ببساطة حلول و نماذج تفكير قديمة لكن فقدت كفاءتها السابقة منذ مالا يقل عن 200 سنة و هو الزمن الذى أنحسر فيه الأقطاع و بدأت فيه الثورة الصناعية و( ما نتج عنه من تسارع مرعب فى التغيرات على كل مستوى). و بهذا فأنه يخرج الأسلام كثقافة و ممارسة سياسية و نسق أجتماعى ( و ليس كعقيدة , و ممارسات و شعائر) خارج السياق التاريخى
لكن الكتاب هنا يطرح أفكار قيمة بالفعل , هو يزعم أنها قديمة و أصيلة و لكن فى رأيى هى جديدة بل و شديدة الحداثة أيضا , و لكن لا بأس فهى تصلح أن يتم أسلمتها فالأستفادة مطلوبة فى كل الأحوال. مثال, فكرته المركزية عن الجامع و دوره الديمقراطى المفترض كل يوم جمعة حيث يجتمع الناس فيه و الذى هو وضع أشبه ما يكون بوضع اللجان الشعبية الثورية أو السوفيتات فى بدايتها المبكرة , حيث يتناقش الناس مع المسؤل( القميسار) بعد عرضه لرؤيته للوقائع المختلفة و الحلول المقترحة فى منطقته , بل و يعلمنها أيضا بأن يجعل الحضور لهذا الأجتماع الدينى للكل و ليس للمسلمين فقط ( حيث لا يوجد ما يمنع بالأساس)! الفكرة رائعة جدا و لكن هل هى عملية ؟! و هل سيقبل عليها غير المسلمين أيضا؟ و لم لا؟ فنحن نعلم أن الكيبوتزات فى أسرائيل تدار بطريقة مماثلة منذ تأسيسها ( 100 عام).
كذلك هو يناقش حركات و السكنات فى الصلاة و يربطها بمفاهيم و فوائد أوضاع تمارين اليوجا المماثلة! حسنا , لا بأس ,أنا ليس لدى أى أعتراض على اليوجا , ولا حتى على أى فائدة نفسية أو جسدية تأتى من الصلاة و لكن أرى أن الكاتب قد بعد كثيرا عن غرضه ألا و هو أدخال الأسلام فى الحداثة ( أو الحداثة فى الأسلام) و هوهنا يعنى بأمور ليست موضع أهتمام يذكر , إلا إذا كان يريد تبرير حركات الصلاة أمام جهات ترى فيها أوضاع أكروباتية و هزلية و هم بالطبع (موجودون)
الملفت للنظر بل و الجميل فعلا من الكاتب أن يعرض فى آخر الكتاب عينة متنوعة من الآراء التى تنتقد فكره ضاربا المثل فى سماحة الفكر و دماثة الأخلاق. بل يكفى كاتبنا أنه شرح لنا سبب تلك العلة المقيتة و الملفتة للنظر التى تعم مجتمعاتنا و هى وضعية التناقض الشديد فى أناس عاقلون متعلمون أذكياء يعرفون مصلحتهم بكل كفائة و لكنهم عندما يأتى دور المجتمع فى الأستفادة من هذه الصفات فأنهم يديرون ظهورهم للمجتمع بشكل بالغ الغرابة ! فالعقل الجمعى غير موجود ذلك أن شعوبنا عبارة عن أفراد متفرقون فقط و ليسوا جماعات!!!
الكاتب يرى أن سبب هذا هو القمع السياسى الشديد و الذى يجعل الناس يبعدون عن كل ما هو عام و التركيز على مصالحهم الشخصية فى النهاية و يرى أن تحرير شعوبنا هو مفتاح التحول الإيجابى نحو الجماعة. و إن كانت خبراتنا السياسية الأخيرة أظهرت بعد أسقاط بعض الأنظمة القمعية أن الأهتمام بما هو عام أمر أكثر تعقيدا مما يظن الكاتب فهو بالأضافة الى عدم وجود الأستبداد ( أو حتى وجوده) يجب أن يتم تعليم الأهتمام بالجماعة لشعوبنا و تدريبها عليه زمنا طويلا , فهى التى ما أن تحررت ( أو أرادت التحرر) ظنت أن مصالح أفرادها الأنانية و رؤيتهم الضيقة سياسية كانت أم أقتصادية هى الغاية الأساسية التى يجب فرضها و تحقيقها! فعم الخراب وأنتشرت الفوضى