محنة الإنسان بين العلم والفلسفة والدين " دراسة لعلاقة العلوم المعاصرة بالمعرفة القلبيه" جاءت قراءتي لهذا العنوان الملفت مباشرة بعد قراءه كتاب "فلسفة العلوم ، دروس في الأسس النظرية وآفاق التطبيق" لنفس الكاتب الفذ : الأستاذ الدكتور علي حسين الجابري ، أستاذ الفلسفة وعضو الفريق الفلسفي الاستشاري في بيت الحكمة ،الذي نشر اكثـر 46 كتاب واكثر من 187 بحثا عراقيا عربيا وعالميا. == تناول الكاتب في فصول هذا الكتاب السبعة ما يلي تباعا: الفصل الأول : الحضارة الغربية ومحنة الانسان ، بين مدرسة فرانكفورت ومنطق العولمة. حيث يعرض هنا موجز ما قبل المدرسة والاسباب التي ترتبت عليها نتيجة ظهور هذه المدرسة منطلقة من عدة قواعد يوجزها بدقة في عدة نقاط ، ثم يستعرض بايجاز ابرز رجالات هذه المدرسة واهم افكارهم ، ابتداءً ب هوركهايمر فأدورنو واشكالية التشيؤ ثم بلوخ فماركوز ختاما بهبرماس ، بعد ذلك يتعرض في هذا الفصل لاشكالية العولمة في دراستين تمس الاولى ادارة الحدث بين الفلسفة والتطبيق ، اما الثاني فيعرضها على مستوى عالنا العربي كساحة للتطبيق ; مؤكدا على حاجة عالمنا العربية الى اكمال الضلع الثالث من مثلث القوة والحضارة والارتقاء ، والتي اتركها بدون ذكر هنا الى حين الاطلاع على الكتاب ..
الفصل الثاني : الحضارة المعاصرة بين الأنسنة والتشيؤ (دراسة في منطق الحياة البائسة). حيث يتعرض لواقع حياة الاناسان في ظل العولمة واستعباد الناس وتسخير العلم والسلطة والاعلام لصالح المشروع الاستلابي ، فحاول تسليط الانوار في هذه الدراسة في محاولة للاطمئنان على مستقبل الانسانية في الالفية الثالثة . ويقدم هذا الفصل في اربعة عناوين : فلسفة الأنوار والأنسنة ،العولمة منهج في الحياة الغربية جديد ومعقد -إعادة تقييم- ، العولمة من الكايوسية الى الادهوقراطية (الانسان موضوعا للاستهلاك)، والاثار السلبية للعولمة على انسان الجنوب . خالصا في ختام الفصل الى السؤال الاول عن الانسان الحر وحقوقه وكرامته ، فهل ثمة كرامة في عصر بالغ التعقيد والخطورة والتشيؤ ؟ وهل يستطيع الانسان الصمود والمحافظة على توازنه ؟! تاركا مجال الاجابة للقارئ ليجيب في ضوء ظروفه ودوافعه ودولته ومجتمعه ..
الفصل الثالث : الفلسفة والانسان دراسة مرآوية لمشكلات المجتمع في الحضارة المعاصرة . ويعيد في هذا الفصل طرح الاسئلة على مستجدات الحياة وايقاعها المتسارع ، ومنطق الاستهلاك والاعلام المبهر ، ومنطق العنف والقوة والسلطة ، للمال والدولة , وموقف الحركات الاجتماعيه والحقوقية ازاء المجتمع والاسرة والمرأة والرجل ، في محورين الاول : الانسان ومشكلاته في الثقافة الاوروبية الحديثة والمعاصرة ، بادءا بالمرأة كاشكالية انسانية ذات تاريخ طويل عارضا وموضحا لعدد لا بأس به من اراء المدارس الفلسفية الغربية في هذا الامر ، وموضحا بعين الدارس الحق مراده ، ومؤكدا على ان هذا الانسان عاش غريبا بعد انتقاله الى فن الصدفة واللامعقول واللاقصد واللاادرية والغربة والعدمية والبأس والضياع. ثانيا : الانسان والمجتمع وازاحات العولمة (الحداثة الثالثة)، في نقطتين ، الاسرة والمجتمع بين مستقبل الصدمة وصدمة المستقبل، ، والمرأة في مجتمع ما فوق التصنيع بين توفلر وفوكوياما. خالصا في نهاية الفصل الى الاشارة الى انه بعد ان حرصت الفلسفة طوال قرنين من الزمان على انتشال الانسان من ورطته حين عجز الخطاب الديني(الكنسي) عن تحقيق هذه الغاية ، كما لم تنفع الحكمة معه ولا العقل والعلم والدولة والقانون والسلطة والديمقراطيه في حل مشكلاته، فالامر فلسفيا يتطلب اعادة طرح الاسئلة وترتيب اوليات العل من اجل الحقيقة لبلوغ عصر جديد للتحرر .
الفصل الرابع : الحضارة والانسان ، حوار العلم والفلسفة ام جدل الدهشة والحاجة والرهبة . طارحا في هذا الفصل عدة اسئلة : مصير الانسان وكيف نجده في ظل الحضارة المعاصرة ، واذا كان ثمة خلل في الحضارة والياتها فأين يكمن سبب هذا الخلل ، ولماذا تسير ظروف الانسان بالضد من التقدم العلمي وماذا حل بحوار العلم والحكمة ، معتمدا في الاجابة على قراءه جديدة لبؤس الفلسفة لماركس وقضايا الدين والحضارة المعاصرة ، واعتقد انه وفق في اجابة هذه الاسئلة والقراءه في ثلاث مباحث المبحث الاول : منطق الحوار بين العلم والفلسفة الى أين (مقامة جابرية) المبحث الثاني : الانسان والحضارة عند ماركس بين فلسفة البؤس وبؤس الفلسفة المبحث الثالث : الماركسية في القرن العشرين ، قراءات معاصرة لمشكلة الانسان والحضارة "جاك دريدا وماركوز وفرويد " خاتما هذا الفصل بخلاصة مفادها : ان عالمنا (القرية الصغيرة) يقف على رجل واحده مع ان منطق العلم والعقل والعقيده المعتدلة يقول لا حركة ولا تقدم الا على رجلين اثنين واحدة للعلم والثانية للحكمة مع ركيزة ثالثة حين تضعف الطاقه الروحية لكي يتوازن العالم ويعود اليه اعتداله ، فكيف تتحقق هذه الغاية اذا اختفى حوار العلم والفلسفة والعقيده ، ومعها دوافع الحاجة والدهشة والرهبة في عالم محكوم بهاجس الخوف من المجهول ؟ مجرد سؤال مطروح للجميع .
اما الفصل الخامس وهو احد اهم الفصول ، والذي يدور حوله محور هذا الكتاب "من وجهة نظري" وعنوانه : الحضارة بين الاعتدال والاعتلال والعامل الغائب ، قراءة لآراء مفكري الاسلام في ضوء معطيات العصر وعلومه . ومن العظيم تواضع الكاتب واشارته الى الاتي في مقدمة الفصل قائلا : قد تبدو بعض دلالاتنا (ساذجة) بسيطة غير مقنعه ! لكنها تشكل مع حشد الادلة الذي زودتنا به العلوم والفلسفة لصالح تعزيز حضور العامل الغائب. اما هذا الفصل فلن اقول الكثير فيه فهذا لن يفيد كالدواء الا ان أُخذ كجرعة كاملة مكملة اما عناوين الفصل الفرعية : محطات المراجعة الكبرى لأهمية العامل الغائب (مقامة جابرية ) ، مفكرو الاسلام والقلب المفكر ، حضارة العولمة والعامل الغائب بؤس الفكر ام جفاف القلب ، والعامل الغائب (تحليل الاشكالية المعرفية -الايمانيه) خاتما بالاشارة الى ان السعاده هي غاية الانسان ، وان هذا عصر التشييء وذوبان القلوب في اتون حياة استهلاكية متفجرة لا سبيل الى مواجهتها الا بعودة العامل الغائب (القلب) والايمان ، المتوازن مع متطلبات الانسان جسدا او عقلا لنضمن (اعدال الحضارة) بدلا من اعتلالها ! فهل سيكون لصيحته هذه صدى كما سيعرض له في الفصل السادس .. ؟!
اما وقد عرضت الافكار الاهم وخلاصاتها فاترك الفصل السادس : ( ما وراء الميتافيزيقا ام بجانبها ؟ قراءه(ايمانيه) للمستقبل الانساني) ، والفصل السابع : (الحوار الحضاري الفلسفي الجهوي - الاسيوي - العربي - والخطاب المرآوي الفلسفي للعولمة الزوالية ) فأتركها للقارئ حتى يختم فيها هذه الدراسة الدسمة الجميلة .
ويختم الكاتب كتابه بسؤال : فهل ستشهد العقود القادمة ، خارطة طريق للانسانية نحو حياة خالية من المحن ، المحن الموضوعية المفروضة على الانسان والجماعه والاعلام والوعي والارادات ..
=========
هذا الكتاب مقسم تقسيما بديعا جميلا سيجعل عقلك يفكربعمق ويحلل بعمق ويفهم بعمق ، ويذكرك بأجمل واجل ما تملك (قلبك)