اول لقاء بيني وبين مالك بن نبي رحمه الله , وربما سنلتقي مجددا عن قريب .
بسم الله الرحمن الرحيم
في السنتين الماضيتين , تسنت لي كثير من المرات الحديث مع العديد من رجال الدين المسيحين في بلدي رومانيا , وكانوا من الطائفتين البروتستانية والاورثودوكسية , لا شك ان تلك الاحاديث معظمها كانت بنّاءة ووصلت الى بعض من التفهم .
على الرغم ان الذين ناقشتهم كانوا اناسا محترمين وعلى مستوى عال من اللباقة والتهذيب , الا أن اسوأ احاديثنا كانت التي تتحدث عن القرآن الكريم , للاسف .
لطالما انزعجت من وجهة نظر المسيحيين المعاصرين والمبشرين بشكل عام للقرآن الكريم , ولا ادري بأي عين ينظرون الى هذا الكتاب , ولكن اجزم بأنها مليئة بالتحيز , عدم الفهم , والكثير من مغالطة "الرجل القش" .
يذكر المستشرق المعاصر روبرت هويلاند بعضا من الاقوال التي وردت عن معاصرين للخلافة الاموية من المسيحيين واليهود حديثهم عن نظرياتهم حول تعلم الرسول ﷺ لديهم في فلسطين او ما قالوا , فهنا نعرف للاسف ان الفكرة كانت موجودة في القدم , وسرت في عروق العلماء والقسيسين .
وهذه السطحية في التعامل مع كتاب كبير كالقرآن الكريم , هي التي جعلت من مسألة القرآن مسألة سهلة الكذب والحديث لدى الكثير من الناس "الجهّل" بالقرآن وعلومه .
وهذا الذي يدعونا , كمفكرين , ان ندرس القرآن الكريم ك "ظاهرة" انسانية , ادعت للقرآن بألوهية الوحي , وأعطت عدة دلائل على ذلك .
وللاسف فإن دراسة الدلائل هي التي كانت غائبة لدى المعارضين للقرآن الكريم , وهو الذي ادى الى "لزوجة" الرد والنقد .
هنا تبدأ وظيفة الكاتب بالتعامل مع هذه الظاهرة ووضعها تحت التمحيص . وكل ما يدور حولها .
لا شك أن هذا الكتاب اتى بدراسة واعية للقرآن الكريم , تستعمل تفكير فلسفي ومنطقي مع دراسات حول طبيعة المُرسِل قبل المرسَل , والتعامل مع الذات النبوية كطريق لفهم الظاهرة القرآنية , هذا التعامل كان جيدا لا شك , وذكاء من الكاتب وضع المقارنة مع "ارمياء" نبي العهد القديم . الا أن من اكبر الهفوات التي جاء بها الكاتب هي استعماله لمصادر غير موثوقة لمحاولة اعطاء صورة محيطة لحياة النبي ﷺ .
وخاصة استعماله لل "سيرة الحلبية" كمصدر اساسي له , فهذا الكتاب للاسف مليء بالكلام وقليل بل ربما عديم المصادر , وقال عنه مؤرخ السنة النبوية , الدكتور اكرم ضياء العمري : " فيه حشو وقصص اسرائيلي" .
ولكن هذا فقط في الفترة المكية .
أعجبني كل الاعجاب ثقافة المؤلف وعلو فكره , وخاصة في المقارنات التي يصنعها وهذا الشيء هو نفسه الذي احبه في الدكتور دراز رحمه الله , وخاصة اعتماد الاثنين مباشرة على المصادر الفرنسية , اقوى واوثق المصادر حين يتعلق الامر بالفلسفة والعلم بشكل عام .
لا أظن بحكم اني قارئ لعدة كتب ومقالات من نفس الموضوع , ان الكتاب جاء بأي شي جديد مستحق للاهمية الا مقارنته لسورة يوسف من القرآن الكريم وقصة يوسف من العهد القديم في الكتاب المقدس , وهنا فعلا أبرز الكاتب عضلاته الفكرية واشكره جدا على الكلام الموازي بين الاثنيين والنتائج ايضا بشكل موازي , ثم النقد الشخصي للكاتب , كان هذا جد ذكي من قبله ومفيد جدا للباحث , وربما سيفيدنا جدا هذا في التعامل مع باقي القصص القرآني .
الفصول الاخيرة كانت جميلة جدا , ومقدمة دراز كانت جيدة ايضا , ولكن جاذبية الكاتب لا يمكن ان تكون الا في المقدمة التاريخية لمحمود شاكر رحمه الله , شيخ العربية .
الذي أرخ لنا باختصار معركة القرن الماضي في مسألة الاستشراق ومسألة الجاهلية .
الترجمة لا بأس بها , وان لم تعجبني صراحة , الكتاب يحتاج مني قراءة اخرى بلا شك , فلا اظن اني فهمته ككل , ربما غابت عني بعض الافكار , ولكن هو تجربة مميزة , يستحق القراءة بتأني .
تم .