تكون وجهتي الأولى في أي مقهى أدخله هي مكتبته الصغيرة، ولم أجد حتى الآن أجمل من مكتبة مقهى رمّانة، إلا أن اليوم استوقفني كتابان جديدان قديمان في مقهى حلب رفقة الصديق ليث، إذ لم يكونا من قبل على الرفوف وقد تفحصتها كثيراً في مرات سابقة.
الوحيد لا شريك له، لإبراهيم جابر إبراهيم، وسور الله العظيم لهاني نديم، كتابان بحثت عنهما طويلا ولم أجدهما، وها هما يقفان كالجبلين أمامي، ويدعواني للصعود إليهما، فأطلب من النادل أن أشتريهما، فيعرض علي استعارتهما وقراءتهما، وهكذا كان.
في السيارة أثناء عودتي من رام الله، أختلس نظرة إلى الكتابين في الحقيبة، فأمد يدي إلى واحد منهما وأخرجه فيكون الوحيد لا شريك له، لأبدأ بقراءته فوراً، بعد أن أخفيت العنوان لكيلا أدخل في نقاش عقيم مع الذي جانبي حول ماهيّة العنوان وما إلى ذلك من أمور يكثر الظن بها سوءاً.
وفي حالة نادرة أجدني مستمتعاً متلذذاً بما أقرأ من شعرٍ، وأرى مستوى أعلى مما وجدته في "صورة جماعية لي وحدي" للشاعر نفسه، ثم أصير لا إرادياً أتمتم بصوت عالٍ قليلاً، فأقف عند بعض النصوص التي سمعتها من قبل، فتتدفق الذكريات كالنهر، عبدالله الزيود بعد ليلة مجنونة يحدثنا في الصباح رفقة أصدقاء أوغاد، إسلام وميساء وبيسان وفارس، عن شاعر شرس اسمه إبراهيم جابر إبراهيم، ويقرأ لنا مما يذكره. لقد كان يقرأ من هذا الديوان، إنني أسمع صوت عبدالله في أذني، أو إنني الآن صرت مثله صوتاً، لأقفز بضع ساعات إلى ما قبل ذلك الصباح، فيقول كامل كامل: يا عبدالله، فيخرج لنا مظفر النواب بقصيدته "عبدالله الإرهابي"، ثم أكاد أصرخ في السيارة لولا أنني خشيت أن يقول لي أحدهم، هل تلوثتَ بالشعر؟ يا لهذا النص الذي أخرج كل هؤلاء مرة واحدة، رغم أنهم جميعاً كانوا نائمين يوم أصاب الأرق الشاعر فمال على جانبه وكتب ما كتب.
أنهي الكتاب وأمد يدي لأخرج سور الله العظيم، لكن الحلاوة في فمي أجّلت قراءته حتى حين.