من الضباط الأحرار، ورئيس اللجنة المصرية للتضامن وأحد أبرز مؤرخى ثورة 23 يوليو. كان ينتمي إلى اليسار المصري كان أحمد حمروش في طليعة رجال ثورة الثالث والعشرين من يوليو، وكان من بين قلة عرفت كيف تمد جسراً بين العسكر والسياسة والفكر والثقافة، فرأس مجلة "التحرير" وهي أول مجلة لحركة الجيش عام 52 ثم أصدر أو رأس تحرير "الهدف" و "الكتائب" و"روزاليوسف" إضافة إلى عشرات المؤلفات والكتب في السياسة والقصة والمسرح والرحلات
الجزء الأول من قصة ثورة 23 يوليو بقلم أحد الضباط الأحرار الذين شاركوا فيها وكان في نفس الوقت أحد أعضاء تنظيم "حدتو" الشيوعي (الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني) وشهادته مهمة من ناحيتين: لأنه شاهد عيان على كثير من الأحداث التي يحكيها، ولأنه كان معارضا لكثير من توجهات وقرارات مجلس قيادة الثورة في سنواتها الأولى المرتبكة. يبدأ أحمد حمروش الحكاية من بدايات القرن التاسع عشر، ويخصص نصف الكتاب لسرد تاريخ مصر السياسي منذ الحملة الفرنسية على مصر وحتى قيام ثورة 1952، مع التركيز على بداية تكوين الجيش المصري ودوره في السياسة المصرية، والتغيرات التي طرأت عليه قبل وبعد الاحتلال الإنجليزي. نقرأ عن احتقار أغلب الحكام من أسرة محمد علي للمصريين وانحيازهم للأتراك والشراكسة، وإقحام الجيش المصري في حروب الحكام من أجل التوسع: في البلقان والشام والسودان وحتى في المكسيك، مع استشهاد المئات من الجنود المصريين في بلاد غريبة. ثم ما كان من إسراف الخديو اسماعيل وتورطه في الاستدانة من بنوك أوربا مما تسبب في الحكم الثنائي الإنجليزي الفرنسي للمالية المصرية، مما كان له دور مهم في ثورة عرابي التي كانت محاولة للاستقلال ولوقف التدخل الأجنبي، ولكن الثورة انتهت باحتلال الإنجليز لمصر بمساندة من الخديو توفيق، وبحل الجيش المصري. أعاد الإنجليز تكوين الجيش المصري بعد ذلك من أجل أن يكون أداة لهم في السودان، وتسبب ذلك في استشهاد عشرات الآلاف من الجنود المصريين في عدة حملات يبدو أن بعضها كان مقصودا للقضاء على الجيش المصري. وفي نفس الوقت يتتبع المؤلف تاريخ مصر السياسي في الحقبة "الليبرالية" بعد ثورة 1919 واستهانة كل من فؤاد وفاروق بالدستور ومحاربة حزب الوفد صاحب الأغلبية الشعبية عن طريق أحزاب الأقلية الموالية للقصر: ثم حرب فلسطين التي قرر الملك فاروق والحكام العرب دخولها دون أي استعداد ودون أن تكون جيوشهم مهيأة لحرب نظامية، وكانت الحرب فرصة لفاروق لضرب الحركة الوطنية التي كانت مشتعلة في ذلك الوقت إذ أعلنت الأحكام العرفية والرقابة على الصحف واعتقل الكثير من المعارضين ثم تأتي أحداث السنوات الأولى من ثورة 1952: إرتباك في الإعداد وارتباك في القرارات، وفي نفس الوقت انتهازية من كثير من السياسيين القدامي ورجال القضاء من أجل الاقتراب من مجلس قيادة الثورة، وتذبذب في موقف الإخوان المسلمين بين الانحياز لعبد الناصر أو لمحمد نجيب، وانشقاق في التنظيمات اليسارية والشيوعية بين معارضة المجلس أو الانحياز له، وضعف وهزال موقف كل الأحزاب القديمة بما فيها حزب الوفد مما شجع حركة الجيش على إصدار قرار بحل الأحزاب؛ ثم الصدام بين سلاح الفرسان ومجلس قيادة الثورة، ثم عزل محمد نجيب وتحديد إقامته ويلفت نظرنا أن الثورة تخلصت من كثيرين من أبنائها المخلصين وإن كان ذلك بطريقة مشرفة إذ استقال مثلا يوسف صديق وخالد محيي الدين عندما أصبح وجودهم غير مرغوب فيه ، أما الذين حاولوا التقرب لمجلس قيادة الثورة من باب الانتهازية والتسلق فكثير منهم تم التخلص منه بطريقة مهينة للغاية
ولأن المؤلف ذو توجهات يسارية فإنه يركز كثيرا على دور الطبقات الاجتماعية في الصراع السياسي، وعلى التفاوت الكبير بين الطبقات في الثروة وملكية الأرض قبل الثورة، وعلى الدور المخرب الذي قام به الاحتلال الإنجليزي للإقتصاد المصري. وهناك فصل مهم عن الخلفية الاجتماعية للضباط الأحرار توضح لنا أن الثورة قامت بها مجموعة من الضباط الذين ينتمون للطبقة الوسطى أزاحوا الطبقة الأرستقراطية عن الحكم، ولكنها - بالرغم من اهتمامها بالعدالة الاجتماعية ومحاولة رفع الظلم التاريخي الذي تعرضت له الطبقة الوسطى - لم تكن منحازة بقوة لا للعمال ولا لللفلاحين ولم تكن مستعدة لمشاركتهم في السلطة، وإنما استخدمتهم فقط في تثبيت أقدامها في الحكم. وتظهر هنا الأفكار الماركسية للمؤلف وانتقاده للثورة البرجوازية التي تتجاهل العمال والفلاحين والطبقات المهمشة
للأسف لا يورد المؤلف قائمة بالمراجع التي اعتمد عليها، كما أن الكتاب ينقصه بعض الهوامش التوضيحية عن كثير من الشخصيات العامة المذكورة فيه. كتاب مهم للغاية ومكتوب بأسلوب هاديء ومتزن ويتميز بدرجة معقولة من الموضوعية
اول جزء من سلسلة اعتقد انها تستحق القراءة، هي تأريخ ثورة يونيو 1952 بيد أحد أعضائها - الضباط الأحرار، الشئ الجيد هو أن الكاتب ملتزم بقدر جيد من النزاهة* في سرد التفاصيل وقدر قليل من التعليق أو الآراء الشخصية و أن كان يفتقد ذكر المصادر بصورة منظمة. الكتاب الأول يسرد الاعدادات للثورة و اول سنتين منها حتى الإطاحة التامة ب محمد نجيب و المعارضة داخل الجيش(رفاق الأمس بعد الاختلاف في الرأي والأهداف) و خارجه (أحزاب و اخوان و شيوعين)
*النزاهة من مقارنة التفاصيل بما ذكر آخرون من أصحاب التوجهات المختلفة في مذكراتهم، مثل محمد نجيب و خالد محي الدين و كتابات مؤرخين آخرين مثل شريف يونس
أول كتاب من الأجزاء الخمسة التي يقص فيها المؤلف حكاية ما جرى في ليلة 23 يوليو وما تبعا وما أدى إليها. الكتاب في المجمل جيد، ولكن الكاتب يتجنى كثيرا على الإخوان المسلمين -كعادة العسكر جميعا- وينحى عليهم باللائمة إن أساءوا وإن أحسنوا، وعلى خلاف ذلك فالحركات الشيوعية طاهرة مبرأة ليس لها مأرب إلا الوطن والديمقراطية!