جاء الكتاب في مجلدين كبيرين توزعت عليهما أبوابه الثلاثة، فتناول المؤلف في الباب الأول "بناء مفهوم الدور السياسي لصفوة صدر الإسلام"، مشيرًا إلى بناء مفهوم الدور السياسي من منظور غربي ومن منظور إسلامي، فتناول الدلالة اللغوية والاصطلاحية لمفهومي الدور والسياسي، كما وضع إطارًا تحليليًّا لمفهوم الدور السياسي في المنظور الغربي، ثم تحدث عن مفهوم السياسي في المنظور الإسلامي، كما حاول تأصيل إطار تحليل مفهوم صفوة صدر الإسلام، مشيرًا إلى أن مفهوم الصفوة يشير، بشكل عام، إلى جماعة من الأشخاص يشغلون مراكز النفوذ والسيطرة في مجتمع معين. ويُستخدم بشكل أكثر تحديداً للإشارة إلى النفوذ الذي تمارسه هذه الجماعة؛ خاصة القلة الحاكمة في مجال محدد. لذلك تكون الصفوة أكثر الطبقات هيبة وأثراً. وقد يُشير المصطلح أيضاً إلى أعلى فئة في أحد ميادين التنافس، ومن ثم تتألف الصفوة من المبرزين المتفوقين بالقياس إلى غيرهم، ولذلك فهم يعدون قادة في ميدان معين. وبهذا المعنى تكون هناك صفوة سياسية، وصفوة في الفن، وصفوة علمية ودينية... إلخ. وللصفوة تأثير مهم في تشكيل القيم، وفي تحديد اتجاهات قطاعات المجتمع التي تمثلها، أو الميادين التي برزت فيها.
وعن مفهوم صفوة صدر الإسلام بين المؤلف أنه لا يوجد نص صريح في الآيات القرآنية وفي الأحاديث النبوية يحدد هؤلاء بصورة مفصلة أو حتى إشارة عامة مجملة، لذلك علينا أن نرجع إلى ما جرت عليه السنة العملية في عصر الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وما جرى عليه العمل من بعده إبان عهد الخلفاء الراشدين، وكذلك ما ذكره كبار المفسرين وعلماء الفقه الإسلامي.
من استعراض الوقائع التاريخية يثبت أن أهل الشورى من الصحابة في عهد الرسول أو في عهد الخلفاء الراشدين (أي أهل الحل والعقد) يضمون عناصر أو فئات مختلفة تكونت بطريقة طبيعية تدريجية، وتولدت غالبيتها من قلب أحداث تاريخية مختلفة. فإذا نحن استعرضناها ألفيناها تشمل الفئات التالية:
ويضاف إلى هذه الفئات أو العناصر عنصران برزَا في المجتمع المدني:
- أولئك الذين قاموا بأعمال جليلة في الشئون العسكرية والسياسية ودعوة الناس إلى الدين.
- أولئك الذين نالوا شهرة عظيمة بين الناس من حيث علمهم بالقرآن، والفهم والتفقه في الدين. وقد نهج الخلفاء نهج الرسول في اختياره لأهل الشورى.
صيغة التكافل بين الراعي والرعية والدولة والمجتمع
وفي الباب الثاني تحدث المؤلف عن الدور السياسي للصفوة الإسلامية الأولى في زمن السلم، ومن أهم مباحث ذلك الباب تناوله لصيغة التكافل بين الراعي والرعية والدولة والمجتمع، حيث يرى المؤلف أن الصيغة التي تبنتها الصفوة في هذا الصدد تقوم على مجموعة من الآليات المستندة إلى لفيف من الضوابط الرامية إلى تحقيق توافق ملتزم بالشريعة الإسلامية، من أبرز ركائزه:
مبدأ عدم مؤاخذة الناس إلا بظاهر سلوكهم، وتحمل مسؤولية القرارات السياسية، ومراعاة حاكمية النصوص الشرعية، حيث أكدت الصفوة على تحمل مسؤولية القرارات السياسية التي تتخذها، ثم تحدث عن الشورى والحرية الفكرية حالة غياب النص وجماعة الرأي، حيث حرصت الصفوة على تجنب الرأي الفردي، والتوصل إلى رأي من خلال الشورى. وكان المسيب بن رافع، إذا واجهه أمر ليس في الكتاب ولا في السنة يستدعي صوافي المتخصصين فيه فيرفعه إليهم، ويعد الحق ما اجتمع عليه رأي أهل العلم. وفي الوقت الذي أوصى فيه عمر شريحاً بالاجتهاد الشخصي فيما ليس فيه نص فإنه قال له، محرضاً إياه على الشورى: إن لم تجد نصاً فأنت بالخيار، إن شئت أن تجتهد رأيك فافعل، وإن شئت أن تؤامرني فافعل، ولا أرى مؤامرتك إياي إلا خيراً لك.
وأيضًا تحاشي التعرض للمصير الأخروي لأناس بأعينهم، حيث أكدت الصفوة على عدم التدخل، سلباً أو إيجاباً، في الحكم على مصير أحد من الناس بعينه في الآخرة، فلقد روى جندب بن عبد الله تحذير رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لرجل أقسم أن الله لن يغفر لفلان، من أن هذا القول غير لائق، ومن شأنه إحباط عمله، والمغفرة لمن زعم أن الله لن يغفر له. ولما عزم شرحبيل بن السمط، أحد عمال عمر على أتباعه، أن يخبروه بكل ذنب ارتكبوه استاء عمر وعدّ ذلك هتكاً لستر الله. وعزله بشكل مؤيد. وأخيراً، فإن الصفوة راعت أن يكون سعيها للتوفيق في العلاقات السياسية، ملتزماً بعدم التقدم بين يدي الله ورسوله.
بعد أن شرح المؤلف ركائز الأساس الذي بنت عليه الصفوة صيغة الرابطة السياسية، تحدث عن ترتيبات التوافق في ظل هذا الأساس، وبين أنها تتمثل في إصدار الخلفاء توجيهات للولاة تجمع بين السعي للتوافق وتحديد سبله، بمراعاة العدل والإحسان، وبين الالتزام بالشريعة، وإصدار بيانات سياسية لتوعية الرعية بحقوقها وواجباتها السياسية، والتثقيف السياسي للأمة بتحديد المفاهيم، حيث حرصت الصفوة في توجيهاتها السياسية إلى الأمة على بناء المفاهيم السياسية من منظور إسلامي، والسعي إلى تعزيز الوازع الذاتي بزرع قيم إيجابية إسلامية، وفي حين التزمت الصفوة بشكل صارم بقاعدة عدم محاسبة أحد إلا على ظاهره، فإنها لم تأل جهداً في السعي لتربية الوازع الذاتي، إيماناً باستحالة تقويم الأمة بالترغيب والترهيب الخارجي غير النابع من قناعات ذاتية لديها.
ثم تناول المؤلف صيغة تحاشي الانحرافات غير المسلحة ومعالجتها، فبين أسس درء الانحرافات الكامنة وأسس حسم الانحرافات الفعلية.
وتناول الباب الثالث-وهو المجلد الثاني - الدور السياسي لصفوة صدر الإسلام في زمن الحرب، فتناول صيغة معالجة الانحرافات المسلحة في دار الإسلام، وصيغة التوافق السياسي في معالجة الردة، متناولاً الأبعاد السياسية لظاهرة الردة والتدابير السياسية لمعالجة ظاهرة الردة وملامح التسويات السياسية النهائية لأزمة الردة، ثم تناول التدابير السياسية للاقتتال يومَي الجمل وصفين، موضحًا الدور السياسي المعياري: الضوابط الشرعية للاقتتال والآليات والضوابط السياسية للاقتتال في حالة فتنة والدور السيا...