يحدد شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه هذا القاعدة في وجوب الاستقامة والاعتدال، ويتابع الكتاب والسنة، في باب أسماء الله، وصفاته، وتوحيده، بالقول والاعتقاد، منبهاً إلى اشتمال الكتاب والسنة على جميع الهدي، مبيناً أن التفرق والضلال إنما حصل بترك بعضه، مشيراً إلى جميع البدع المقابلة في ذلك بالزيادة في النفي والإثبات، ومبدأ حدوثها وما وقع في ذلك من الأسماء المجملة، والاختلاف والافتراق، الذي أوجب تكفير بعض هؤلاء المختلفين بعضهم لبعض، محذراً من ذلك الذي لم يكن إلا بسبب ترك بعض الحق، وأخذ بعض الباطل وكتمان الحق، ولَبْس الحق بالباطل. رابط التحميل: http://www.waqfeya.com/book.php?bid=2833
أَبُو العَبَّاسِ تَقِيُّ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ النُّمَيْرِيُّ الحَرَّانِيُّ الدِّمَشْقيُّ (661- 728 هـ / 1263- 1328 م) المشهور بلقب شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة. هو عالم مسلم؛ فقيه مجتهد ومحدِّث ومفسِّر، من كبار علماء أهل السنَّة والجماعة. وأحد أبرز العلماء المسلمين في النصف الثاني من القرن السابع والثلث الأول من القرن الثامن الهجري. نشأ ابن تيميَّة حنبلي المذهب فأخذ الفقه الحنبلي وأصوله عن أبيه وجدِّه، وصار من الأئمَّة المجتهدين في المذهب، يفتي في العديد من المسائل على خلاف معتمد الحنابلة لما يراه موافقًا للدليل من الكتاب والسنَّة ثم لآراء الصحابة وآثار السلف.
وُلد ابن تيميَّة سنة 661 هـ / 1263 م في مدينة حَرَّان لأسرة علمية، فأبوه الفقيه الحنبلي عبد الحليم ابن تيمية وأمُّه «سِتُّ النِّعَم بنت عبد الرحمن الحَرَّانية»، ونشأ نشأته الأولى في مدينة حَرَّان. ثم عند بلوغه سنَّ السابعة هاجرت أسرته إلى مدينة دمشق بسبب إغارة التتار على حران، وكان ذلك في سنة 667 هـ. وحين وصول الأسرة إلى هناك بدأ والده عبد الحليم ابن تيمية بالتدريس في الجامع الأموي وفي «دار الحديث السُّكَّرية». نشأ ابن تيمية في دمشق على طلب العلم، ويذكر المؤرِّخون أنه أخذ العلم من أزيدَ على مئتي شيخ في مختلِف العلوم، منها التفسير والحديث والفقه والعربية. وقد شرع في التأليف والتدريس في سنِّ السابعة عشرة. بعد وفاة والده سنة 682 هـ بمدَّة، أخذ مكانه في التدريس في «دار الحديث السُّكَّرية»، إضافة إلى درسِه في تفسير القرآن الكريم بالجامع الأموي، ودرَّس «بالمدرسة الحنبلية» في دمشق.
كتابُ اكثر من رائع وهكذا هي كتب شيخ الاسلام ابن تيّمية. الكتابُ مطبوع في مجلدين،وبحمد اللّه وفضله انتهيتُ من قراءة المُجلد الاول،والذي يتكون من عدة فصول منها:أولٌ فصل وهو في الردّ على مقالة المنكرين لدلالة الكتاب والسُّنة، وفصلُ في السماع وانواعه واحكامه، وختم المُجلد بفصل في محبة الجمال. في المجمل فإنّ الكتاب ينادي بالرّد الى الكتاب السُّنة عند التنازع والتحاكمُ اليهما عند الاختلاف،و بيان جهل من يُنادي بضدِ ذلك،،وفي طيّات الكتاب ردُّ على بعض مشايخ الصُوفيّة وبيان انحراف منهجهم وهشاشة عقيدتهم،و ذلك بالادلة العقلية الصحيحة والنقلية الصريحة..
جميل جدا هذا الكتاب، فيه تتلمس طرق الاستقامة، وفيه تعرف بعضا من فكر ابن تيمية رحمه الله وردوده الرزينة من غير انتقاص للمخالف، كتاب مهم جدا لاصحاب التخصص لكن لمن يقرا قراءة عامة اظنه سيتعب قليلا.
الاستقامة .. شيخ الإسلام ابن تيمية .. تحقيق: فواز أحمد زمرلي ..
ولد شيخ الإسلام سنة ٦٦١هجرية .. في حرّان وهي بلده تقه في الشمال الشرقي من بلاد الشام..
تلامذته .. ابن القيم الجوزية.. الإمام الحافظ الذهبي.. ابن كثير.. المقدسي.. ابن الوردي.. وغيرهم الكثير..
كتبه تصل إلى خمسمائة مصنف..
الحافظ بن حجر يقول عنه: ( أن هذا الرجل كان من أعظم الناس قياماً على أهل البدع، والحلولية، والاتحادية، وتصانيفه كثيرة شهيرة، وفتاويه في ذلك لا تدخل تحت الحصر )..
توفي شيخ الإسلام في القلعة في سجنه عام ٧٢٨ هجرية.. ألف ابن تيمية كتاب الاستقامة في جزأين .. خلال سنوات سجنه المتكرر في مصر ، ما بين سنة ٧٠٥ هجرية وسنة ٧٠٩ هجرية..
كتابه هذا من أهم الكتب في الرد على الصوفية .. والرد على رسائل القشيري .. ويؤكد العودة لكتاب الله وسنة نبيه ﷺ .. عند الاختلاف والحتكام على أمر ..
والحرج هو الضيق .. فلا بد أن يكون الإيجاب والتحريم مما تسعه النفس، حتى يقدر الإنسان على فعله .. فالخطأ والنسيان هو من باب العلم يكون: إما مع تعذر العلم عليه، أو تعسره عليه..
قال النبي ﷺ لمعاذ وأبي موسى لما أرسلهما إلى اليمن: " يسّرا ولا تُعسّرا ، وبشّرا ولا تنفّرا، وطاوعا ولا تختلفا ".. رواه البخاري في صحيحه..
فما عجز الإنسان عن عمله واعتقاده حتى يعتقد ويقول ضده خطأً ونسياناً، فذلك مغفور له .. وهذا يكون فيما هو من باب القياس والنظر بعقله ورأيه، ويكون فيما هو من باب النقل والخبر الذي يناله بسمعه وفهمه وعقله، ويكون فيما هو من باب الإحساس والبصر الذي يجده ويناله بنفسه ..
ثم إنه من مسائل الخلاف ما يتضمّن أنّ اعتقاد أحدهما يوجب عليه بُغض الآخر ولعنه أو تفسيقه أو تكفيره أو قتاله. فإذا فعل ذلك مجتهداً مخطئاً كان خطؤه مغفوراً له، وكان ذلك في حق الآخر محنة في حقه وفتنة وبلاء ابتلاه به .. ولكن الاجتهاد السائغ لا يبلغ مبلغ الفتنة والفرقة إلا مع البغي، لا لمجرد الاجتهاد .. كما قال تعالى : " وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ " ..
أن مجرد وجود البغي من إمام أو طائفة لا يوجب قتالهم .. بل لا يبيحه، بل من الأصول التي دلّت عليها النصوص أن الإمام الجائر الظالم يؤمِر الناس بالصبر على جوره وظلمه وبغيه ولا يقاتلونه،. فلهذا نهى النبي ﷺ عن قتال الأئمة إذا كان فيهم ظلم، لأن قتالهم فيه فساد أعظم من فساد ظلمهم .. حيث رأى قوم: قتال هؤلاء مع من هو أولى بالحق منهم ..
وذلك أن المطلوم، وإن كان مأذوناً له في دفع الظلم عنه فذلك مشروط بشرطين: أحدهما: القدرة على ذلك .. والثاني: ألا يعتدي ..
ومع ذلك، فيجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكو بحسب إظهار السنة والشريعة، ى والنهي عن تلبدعة والضلالة بحسب الإمكان، كما دل على وجوب ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة ..
------
فساد قول المتكلمين: الفقه من باب الظنون ..
أنهم لم يجعلوا لله في الأحكام حكماً معيناً، حتى ينقسم المجتهد إلى مصيب ومخطىء، بل الحكم في حق كل شخص ما أدّى إليه اجتهاده .. بل ابن الباقلاني وغيره يقول: " وما ثمّ أمارة في الباطن، بحيث يكون ظنّ أصح من ظنّ، وإنما هو أمور اتفاقية "..
ويقولون في آخر أصول الفقه : المصيب في أصول الدين واحد، وأما الفروع ففيها كل مجتهد مصيب .. ويقولون الفقه يغلب عليه الظنون ..
ومن المعلوم لمن تدّبر الشريعة أنّ أحكام عامة أفعال العباد معلومة لا مظنونة، وأنّ الظن فيها إنما هو قليل جداً في بعض الحوادث لبعض المجتهدين، فأما غالب الأفعال مفادها وأحداثها فغالب أحكامها معلومة ولله الحمد ..
المجتهد إذا غلب على ظنّه مشاركة صورة لصورة في مناط الحكم قطع بوجوب العلم بما أدى إليه ظنّه، فالعلم حاصل قطعاً، والظن واقع في طريقه ..
ومما يوضح هذا الأصل أنه من المعلوم أنّ الظنون غالباً إنما تكون في مسائل الاجتهاد والنزاع. فإما مسائل الإيمان والإجماع فالعلم فيها أكثر قطعاً ..
بل باب الحيض ، الذي هو من أشكل الفقه في كتاب الطهارة، وفيه من الفروع والنزاع ما هو معلوم، ومع هذا أكثر الأحكام الشرعية المتعلقة بأفعال النساء في الحيض معلومة، ومن انتصب ليفتي الناس، يفتيهم بأحكام معلومة متفق عليها مائة مرة ، حتى يفتيهم بالظن مرة واحدة ..
فهذا الفقه الذي يختص به الفقيه علم قطعي لاظني .. وهذا ما عليه السلف والأئمة الأربعة والجمهور .. أن من الأدلة ما يكون بعضها أقوى من بعض فعلى المجتهد أن يطلب الدليل الأقوى وأن يعمل به.
------
نقل القشيري رسالته اعتقاد مشايخ الصوفية ..
ولزوم طريقة الاقتداء والاتباع. بذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى؛ ( ثمّ أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً )..
وفي الحديث المشهور في التفسير: أن المسلمين قالوا: يا رسول الله، أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟.. فأنزل الله تعالى: " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ".. البقرة..
( ولهذا لا يحب الله المعتدين في الدعاء، فالأعمار المقدرة لم يشرع الدعاء بتغييرها، بخلاف النجاة من عذاب الآخرة، فإنّ الدعاء مشروع له نافع فيه، ولا يلزم من تأثير صلة الرحم ونحو ذلك [ أن يزيد العمر، كما قد يقال بزيادة العمر ] بتأثير الدعاء، ولذلك كان يكره أحمد أن يُدعى له بطول العمر ويقول: هذا فُرغ منه ) ..
قال أبو القاسم : " وَقَالَ ابْن عَطَاء : إِن اللَّه تعالي لما خلق الأحرف جعلها سرا لَهُ فلما خلق آدم عَلَيْهِ السَّلام بث فِيهِ ذَلِكَ السر وَلَمْ يبث ذَلِكَ السر فِي أحد من ملائكته ، فجرت الأحرف عَلَى لسان آدم عَلَيْهِ السَّلام بفنون الجريان وفنون اللغات فجعلها اللَّه صورا لَهَا صرح ابْن عَطَاء القول بأن الحروف مخلوقة " .. قال أبو القاسم : " صرح ابن عطاء رحمه الله بأن الحروف مخلوقة ".. قلت: لم يذكر لهذه الحكاية إسناداً ، ومثل هذا لا تقوم به حجة .. ويبين ذلك أن الملائكة كانوا يتكلمون قبل أن يخبرهم آدم بالأسماء، وقد خاطبوا الله وخاطبوا آدم قبل ذلك .. أيضا فآدم عليه السلام تكلم قبل أن يعلمه الله أسماء كل شيء كما في الصحيحين: " إن الله لما خلق آدم عطس ، فقال: الحمد لله رب العالمين، فقال الله له: يرحمك ربك " .. وأيضاً: فمن المعلوم أنّ الملائكة كانوا يسبّحون الله ويمجّدونه قبل خلق آدم وقبل إخباره إياهم بالأسماء، فكيف يظن ظانّ أنّ النطق كان مختصاً بآدم لما عُلِّم الأسماء ؟.. وأيضاً، فإن هذه الحكاية - من قائلها الأول - مرسلة، لا إسناد لها، وأحسن أحوالها أن تكون من الإسرائيليات ..
------
يتعلق بالسماع ..
قال عليه الصلاة والسلام: " جاهدوا المشركين بأيديكم وألسنتكم وأموالكم " .. فلم يذم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذكروا الله كثيراً، من الشعراء المنتصرين من بعد ما ظُلموا .. فذم الممتلىء بالشعر الذي لم يُستعمل بما يوجب الإيمان والعمل الصالح وذكر الله كثيراً، ولم يذمّ الشعر مطلقاً ..
وقال عثمان النيسابوري: ( الصحبة مع الله بحسن الأدب، ودوام الهيبة والمراقبة، والصحبة مع الرسول صلى الله عليه وسلم باتّباع سنته، ولزوم ظاهر العلم، والصحبة مع أولياء الله بالاحترام والخدمة، والصحبة مع الأهل بحسن الخلق، والصحبة مع الإخوان بدوام البشر ما لم يكن إثماً، والصحبة مع الجهّال بالدعاء لهم والرحمة عليهم )..
وكذلك قال عبدالله بن مسعود: " الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة "..
وذلك أن المعروف عند أئمة السلف من الصحابة والتابعين مثل: عبدالله بن مسعود، وعبدالله بن عمر، وعبدالله بن عباس، وجابر بن عبدالله، وغيرهم. وعن أئمة التابعين، ذمّ الغناء وإنكاره. وكذلك منْ بعدهم من أئمة الإسلام في القرون الثلاثة، حتى ذكر زكريا بن يحيى الساجي في كتابه الذي ذكر فيه إجماع أهل العلم واختلافهم، فذكر أنهم متفقون على كراهته إلاّ رجلان: إبراهيم بن سعد من أهل المدينة، وعبدالله بن الحسن العنبري من أهل البصرة .
وقد سئل القاسم بن محمد عن الغناء؟ فقال للسائل : يا ابن أخي، أرأيت إذا ميّز الله يوم القيامة بين الحق من الباطل، ففي أيهما يجعل الغناء ؟.. فقال: في الباطل. قال: فماذا بعد الحق إلا الضلال؟.
وفي الصحيح عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال: " كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل، إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته امرأته، فإنهن من الحق ". والباطل من الأعمال هو ما ليس فيه منفعة، فهذا يرخص للنفوس التي لا تصبر على ما ينفع، وهذا الحق في القدر الذي يُحتاج إليه في الأوقات التي تقتضي ذلك: الأعياد، والأعراس، وقدوم الغائب، ونحو ذلك. وهذه نفوس النساء والصبيان، فهنّ اللو��تي كنّ يغنين في ذلك على عهد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وخلفائه، ويضربن بالدف.
وقد تقدم أن الرخصة في الغناء في أوقات الأفراح للنساء والصبيان أمر مضت به السنّة، ولكن لا يُجعل الخاص عاماً..
وقد روى عن النبي ﷺ أنه قال: " فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه " رواه الترمذي وغيره ..
وقد زيّن الشيطان لكثير من المتنسكة والعباد أن محبة الصور الجميلة إذا لم يكن بفاحشة فإنها محبة لله، كما زيّن لهؤلاء أنّ استماع هذا الغناء لله، ففيهم من يقول هذا اتفاقاً، وفيهم من يظهر أنه يحبه لغير فاحشة، ويبطن محبة الفاحشة، وهو الغالب .. فإن محبة النفوس الصورة والصوت قد تكون عظيمة جداً، فإذا جُعل ذلك ديناً، وسُمي لله، صار كالأنداد والطواغيت المحبوبة تديناً وعبادة ..
فعُلم أن مجرد الجمال الظاهر في الصور والثياب لا ينظر الله إليه، وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال، فإن كان الظاهر مزيّناً مجملاً بحال الباطن أحبّه الله، وإن كان مقبّحاً مدنّساً بقبح الباطن أبغضه الله، فإنه سبحانه يحب الحسن الجميل، ويبغض الشين الفاحش ..
فإذا كان في الرجال من قد صار فتنة للنساء أُمر أيضاً بمباعدة سبب الفتنة، إما بتغيير هيئته، وإما بالانتقال عن المكان الذي تحصل به الفتنة فيه ..
وهذا الحسن والجمال الذي يكون عن الأعمال الصالحة في القلب يسري إلى الوجه، والقبح والشين الذي يكون عن الأعمال الفاسدة في القلب يسري إلى الوجه .. فنرى وجوه أهل السّنة والطاعة كلما كبروا ازداد حسنها وبهاؤها، حتى يكون أحدهم في كبره أحسن وأمل منه في صغره، ونجد وجوه أهل البدعة والمعصية كلما كبروا عظم قبحها وشينها، حتى لا يستطيع النظر إليها مَن كان منبهراً بها في حال الصغر لجمال صورتها ..
ومما يبيّن أن سماع الألحان يتغذى به أهل الجهل أكثر مما يتغذى به أهل المعرفة ..
------
في محبة الجمال ..
فهو سبحانه جميل يحب الجمال، والجمال الذي للخُلُق: من العلم والإيمان والتقوى، أعظم من الجمال الذي للخَلْق، وهو الصورة الظاهرة ..
فإذا كان في جمال الثياب بطر وفخر وخيلاء وسرف، فهو سبحانه لا يحب كلّ مختال فخور ..
ومن الناس من يبتلى بالفاحشة وإن كان ممسكاً عن الكلام، ومن الناس من يبتلى بالكلام والاعتداء على غيره بلسانه وإن كان عفيفاً عن الفاحشة ..
وكان السلف يحذّرون من هذين النوعين: من المبتدع في دينه، والفاجر في دنياه.
وكذلك من كان ظالماً للناس في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم، فانتقل عن ذلك إلى ما يظلم به نفسه خاصة: من خمر وزنا، فهذا أخفّ لإثمه وأقلّ لعذابه ..
------
كتاب الغيرة ..
وفي الصحيح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: " إنّ الله يغار، وغَيْرة الله أن يأتي المؤمن ما حرّم عليه " .. فالغيرة المحبوبة هي ما وافقت غيرة الله تعالى، وهذه الغيرة هي أن تنتهك محارم الله، والغيرة أن تؤتى الفواحش الباطنة والظاهرة ..
والغيرة التي يحبها الله الغيرة في ريبة، والغيرة التي يبغضها الله الغيرة التي في غير ريبة .. قال الشوكاني: "فالغَيْرة في الريبة: نحو أن يغتار الرجل على محارمه إذا رأى منهم فعلًا محرمًا؛ فإن الغَيْرة في ذلك ونحوه مما يحبه الله... والغَيْرة في غير ريبة: نحو أن يغتار الرجل على أمه أن ينكحها زوجها، وكذلك سائر محارمه؛ فإن هذا مما يبغضه الله تعالى؛ لأنَّ ما أحلَّه الله تعالى فالواجب علينا الرضا به؛ فإن لم نرض به كان ذلك من إيثار حمية الجاهلية على ما شرعه الله لنا" (نيل الأوطار: [287/2])..
إنما الغيرة إذا انتهكت محارم الله .. فإن لم يكن في القلب إنكار ما يكرهه ويبغضه لم يكن فيه إيمان ..
-----
كتاب الرضا ..
وذلك أن الرضا نوعان:
أحدهما: الرضا بفعل ما أُمر به وترك ما نُهي عنه: ويتناول ما أباحه الله من غير تعدّ إلى المحظور. والنوع الثاني: الرضا بالمصائب: كالفقر والمرض والذل، فهذا الرضا مستحب في أحد قولي العلماء، وليس بواجب، وقد قيل إنه واجب . والصحيح أن الواجب هو الصبر. وأما الرضا بالكفر والفسوق والعصيان، فالذي عليه أئمة الدين أنه لا يرضى بذلك. قال تعالى: " والله لا يحب الفساد "..
وإنما الرضا ما يكون بعد القضاء .. وإذا كان هذا عزماً على الرضا، فالعزم قد يدوم، وقد ينفسخ ..
وقد قال تعالى: ( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب ) .. فهؤلاء الذين عزموا على الجهاد، وأحبوه لمّا ابتلوا به كرهوه وفرّوا منه ..
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها وكرهها – وفي رواية – فأنكرها – كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها )) .. فمن رضي بكفره، وكفر غيره وفسقه، وفسق غيره، ومعاصيه ومعاصي غيره، فليس هو متبعاً لرضا الله، ولا هو مؤمن به، بل هو مسخط لربه، وربه غضبان عليه، لاعن له، ذامّ له، متوعد له بالعقاب ..
------
في السكر وأسبابه وأحكامه..
فسبب السكر ما يوجب اللذة ويمنع العلم .. لكن ضعف العقل تارة يكون من ضعف الإنسان المحب، وتارة يكون من قوة السبب الوارد، ولهذا يحصل من السكر للمبتدئين في إدراك الرياسة والمال والعشق والخمر ما لا يحصل لمن اعتاد ذلك وتمكّن منه . ومن أقوى الأسباب المقتضية للسكر سماع الأصوات المطربة ..
وكل لذة أعقبت ألماً في الدار الآخرة، أو منعت لذة الآخرة، فهي محرّمة، مثل لذات الكفار والفساق بعلوهم في الأرض وفسادهم..
من العلم ما لا يؤمر به الشخص نوعاً أو عيناً، إما لأنه لا منفعة فيه له، أو لأنه يمنعه عمّا ينفعه، وقد يُنهى عنه إذا كان فيه مضّرة له .. ومن الكلام ما يسمى علماً وهو جهل، مثل كثير من علوم الفلاسفة وأهل الكلام، والأحاديث الموضوعة، والتقليد الفاسد، وأحكام النجوم ..
فإن العلم خير، وذوق القلب خير، واللذة به خير، لكن قد يعارضها ما يجعلها شراً .. والمسلم إذا أتى الفاحشة لا يكفّر وإن كان كمال الإيمان الواجب قد زال عنه ..
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ، فيَتَوَضَّأُ ويحسن الوضوء ، ثم يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلا غَفَرَ لَهُ " وقرأ هذه الآية: ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله )..
فإنّ الفقيه كل الفقيه لا يُؤْيِس الناس من رحمة الله ، ولا يُجرئهم على معاصي الله، واستحلال المحرّمات كفر، واليأس من رحمة الله كفر ..
------
في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ..
فإن رسالة الله إما إخبار، أو إنشاء .. فالإخبار عن نفسه عز وجل، وعن خلقه: مثل التوحيد والقصص الذي يندرج فيه الوعد والوعيد .. والإنشاء: الأمر والنهي والإباحة ..
وكذلك وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : لا يجب على كل أحد بعينه، بل هو على الكفاية، كما دل عليه القرآن .. قال تعالى: ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأؤلئك هم المفلحون )..
والرفق سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. ولهذا قيل: " ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف، ونهيك عن المنكر غير منكر "..
إذ المؤمن عليه أن يتقي الله في عباد الله وليس عليه هداهم .. والاهتداء إنما يتمّ بأداء الواجب، فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قام بغيره من الواجبات، لم يضره ضلال الضال ..
وهنا يغلط فريقان من الناس : الأول: فريق يترك ما يجب من الأمر والنهي تأويلاً لهذه الآية، كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خطبته: ( أيها الناس .. إنكم تقرأون هذه الآية : " عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ".. وإنكم تضعونها في غير موضعها ، وإني سمعت النبي ﷺ يقول: " إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيّروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه " )..
الثاني: من يريد أن يأمر وينهي: إما بلسانه وإما بيده مطلقاً، من غير فقه ولا حكم ولا صبر ولا نظر في ما يصلح من ذلك وما لا يصلح، وما يُقدر عليه وما لا يقدر .. كالخوارج والمعتزلة والرافضة، وغيرهم من غلط فيما أتاه من الأمر والنهي والجهاد، وغير ذلك، فكان فساده أعظم من صلاحه ..
فأما حب القلب وبغضه وإرادته وكراهته ، فينبغي أن تكون كاملة جازمة، لا يوجب نقص ، وأما فعل البدن فهو بحسب قدرته. ومتى كانت إرادة القلب وكراهته كاملة تامة، وفعل العبد معها بحسب قدرته، فإنه يعطى ثواب الفاعل الكامل، كما قد بيّناه في غير هذا الموضع ..
فلابد من العلم بالمعروف والمنكر، والتمييز بينهما، ولا بد من العلم بحال المأمور وحال المنهي، ومن الصلاح أن يأتي بالأمر والنهي على الصراط المستقيم، وهو أقرب الطرق إلى حصول المقصود ..
ولابد في ذلك من الرفق ..
ولا بد أيضاً أن يكون حليماً صبوراً على الأذى، فلا بدّ أن يحصل له أذى، فإن لم يحلم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح ..
وأمور الناس إنما تستقيم مع العدل .. ولهذا قيل: إنّ الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة ..
ولهذا كان المبتديء بالخير، والشر له مثل من تبعه من الأجر والوزر ..
ولا بد من الثلاثة: الصلاة ، والزكاة ، والصبر: لا تقوم مصلحة المؤمنين إلا بذلك في صلاح نفوسهم وإصلاح غيرهم .. فقال النبي ﷺ : " شرّ ما في المرء شح هالع وجبن خالع " .. فجعل البخل من أعظم الأمراض ..
ولما كان صلاح بني آدم لا يتمّ في دينهم ودنياهم إلاّ بالشجاعة والكرم .. وبالشجاعة والكرم في سبيل الله فضّل الله السابقين .. والشجاعة ليست هي قوة البدن، وإنما هي قوة القلب وثباته، ولهذا كان القوي الشديد هو الذي يملك نفسه عند الغضب حتى يفعل ما يصلح دون ما لا يصلح .. وقد تقدم أنّ جماع ذلك هو الصبر . والصبر صبران: صبر عند الغضب، وصبر عند المصيبة ..
وكلّ بشر على وجه الأرض فلا بدّ من أمر ونهي، ولا بدّ أن يأمر وينهي، حتى لو أنه وحده لكان يأمر نفسه وينهاها: إما بمعروف وإما بمنكر ..
والإسلام يجمع معنيين:
أحدهما: الاستسلام والانقياد، فلا يكون متكبراً .. والثاني: الإخلاص ..
عن سعيد بن جبير ، قال: " لا يُقبل قول إلا بعمل، ولا يقبل قول وعمل إلا بنية، ولا يقبل قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة " ..
-------
في الإكراه وما يتعلق به ..
فأباح سبحانه عند الإكراه أن ينطق الرجل بالكفر بلسانه إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان ، وأباح للمؤمنين أن يتّقوا من الكافرين تقاة، مع نهيه لهم عن موالاتهم .. ولهذا لم يكن عندنا نزاع في أنّ الأقوال لا يثبت حكمها في حق المكره بغير حق، فلا يصح كفر المكره بغير حق ..
وأما الإكراه على الأفعال المحرمة : والثانية، وهي أشهر: أنها تباح بالإكراه كما تباح المحرمات بالاضطرار ..
عن ابن عمر: عن النبي ﷺ قال: " إذا أنزل الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم، ثم يبعثون على نيّاتهم " .. فهذا أيضاً دليل على ان المكره على تكثير سواد المقاتلين بغير حق، وإن أصابه عذاب الدنيا، فءنه يحشر في الآخره على نياته ..
ممتع كعادة كتب شيخ الإسلام رحمه الله من المميز في الكتاب أنه مع حرص الشيخ على رد البدع والعقائد الفاسدة وتبيين اعوجاج الآراء المنحرفة للفرق الضالة مع حرصه على كل ذلك بمنتهى الصرامة والوضوح, إلا أنه يصر أيضا على إنصاف أهل التصوف السني الذين لم يقعوا في البدع ولكن غلب عليهم الزهد والتعبد والتنسك أكثر من العلم والتفقه, فأنصفهم الشيخ ونافح عنهم ورد عن الأقوال المنسوبة زورا إليهم وناح باللائمة أيضا على أهل العلوم الشرعية الذين قست قلوبهم من جراء كثرة العلم, وصارت لهم شدة وجفاوة وفقدوا الأثر القلبي لطلب العلم الشرعي , وبين في الكتاب النحراف في فرقة التعبد والتنسك والانحراف في أهل التفقه والعلم وخط طريقا وسطا بينهما وهو هدي النبي صلى الله عليه وسلم وما ورد في الكتاب والسنة كتاب ممتع حقا :)