"لا تتكرر لحظة انبثاق القصيدة بالشكل نفسه في كل مرة، فأنت لا تعرف كيف يأتيك الحب. القصيدة مثل الحب، غير أن الشعر لا ينحصر في لحظة الكتابة. الشعر طريقة حياة يعيشها الشاعر بشكل دائم. والكتابة هي واحدة من الذروات الساحرة التي يأتي إليها الشاعر ليكتب نصه، كما لو أنه يصغي إلى صوت غامض يملي عليه الكلمات، بينما يسجلها بشغف كمن يصغي إلى وصية شخص يحتضر (ثمة من يزعم أن المحتضر هو الشاعر نفسه كل مرة) قلت مرة أن المعاناة لا تكون أثناء كتابة القصيدة، بل قبل ذلك، في خضم الحياة. الكتابة هي أجمل اللحظات على الإطلاق. فالشاعر لا يكون سعيداً ومتألقاً ونشيطاً مثلما هو إبان الكتابة. العذاب يكون قبل النص وبعده، أما لحظة الكتابة فما أبعدها عن العذاب، إنها برهة النشوة القصيرة والنادرة والخاطفة، التي تؤكد كم شبيه هو الشعر بالحب (قلت أيضاً أنني سأعجز عن الشعر عندما أعجز عن الحب). طوال الوقت يظلّ الشعر مهيمناً على كياني، فأرى أشياء الحياة من حولي غيماً شفيفاً يمتزج بروحي، مؤججاً الحالة الشعرية التي بها أحيا. يمكنني القول أنه لولا هذه الحالة الغامضة لما تسنى لي احتمال هذا الواقع. التعامل مع أشياء الحياة بهذه الشعرية، يعني أن الشعر لا يقتصر على الكتابة فقط، فكل ما يقع تحت ناظري ويلامس كياني هو ضرب من الشعر. النص لا يبدأ هنا ونتهي هناك، الشعر موج مستمر متلاحق ومتلاطم من لذة لا توصف. من هنا أزعم دائماً أن الشعر هو ما يمكن اعتباره حياة الشاعر بينما هو يفعل أشياء اخرى. (مما يجعله يفعل تلك الأشياء بشكل جميل دائماً) تنثال القصيدة في الداخل مثل شظايا بلور متناهية في الصغر، وتتراكم شيئاً فشيئاً لتصبح بركاناً جميلاً يمنح الروح طاقة الامتلاك الغامض العميق للعالم، شعور من يضع الجوهر في جيبه. يتصاعد هذا الشعور ليبدو في لحظة ما، حالة عشق تستعصي على الوصف، عشق ساحر لا يكف عن الاندلاع والتصاعد مثل بركان، بركان لا ألذ ولا أطيب ولا أجمل. تظل هذه الحالة تشحذ الاستعداد الكامن للكتابة بلا هوادة، وتصقل الروح لتصادف تلك اللحظة الفاتنة التي تنبثق فيها الكلمة الأولى، أو الصورة الأولى، أو الإيقاع الأول، فيبدو الأمر كما لو أن الشاعر عرضة لأية ملامسة يشغف بها القلب، فيقع الشخص في الحب، فلا تنقذه إلا القصيدة. عندها يبدأ في كتابة ما هيأته الأساطير من الداخل. ولا أحد يقدر على تحديد السبب المباشر الذي سوف يفجر ذلك البركان الحميم حيث يبدأ حفل الألعاب النارية في ليل الحياة".
يموّج قاسم حداد الصور مستعيناً بمخيلة سخية، ويطحن اللغة لينشرها كالندى. يسرد لها من القلب وهذيان اليأس الذي لا يأس فيه، ثم يرمي كل هذا أمام القارئ. وحتى في مقالاته، يخترق قاسم حداد الحجب التي ترسمها قسوة الحياة منطلقاً في أجواء علوية شفافة، منتقداً بدقة، متغنياً بنشوة، مستشعراً برهافة، ومشعراً القارئ بأنه في رحاب كاتب يملك القدرة التعبيرية ما لا يملكه آخرون من المبدعين.
قاسم حداد شاعر معاصر من البحرين ولد في عام 1948 ، شارك في تأسيس (أسرة الأدباء والكتاب في البحرين) عام 1969. وشغل عدداً من المراكز القيادية في إدارتها. تولى رئاسة تحرير مجلة كلمات التي صدرت عام 1987 وهو عضو مؤسس في فرقة (مسرح أوال) ، ترجمت أشعاره إلى عدد من اللغات الأجنبية
ولد في البحرين عام 1948. تلقى تعليمه بمدارس البحرين حتى السنة الثانية ثانوي. التحق بالعمل في المكتبة العامة منذ عام 1968 حتى عام 1975 ثم عمل في إدارة الثقافة والفنون بوزارة الإعلام من عام 1980. شارك في تأسيس ( أسرة الأدباء والكتاب في البحرين ) عام 1969. شغل عدداً من المراكز القيادية في إدارتها. تولى رئاسة تحرير مجلة كلمات التي صدرت عام 1987 عضو مؤسس في فرقة (مسرح أوال) العام 1970. يكتب مقالاً أسبوعياً منذ بداية الثمانينات بعنوان (وقت للكتابة) ينشر في عدد من الصحافة العربية. كتبت عن تجربته الشعرية عدد من الأطروحات في الجامعات العربية والأجنبية، والدراسات النقدية بالصحف والدوريات العربية والأجنبية. ترجمت أشعاره إلى عدد من اللغات الأجنبية . متزوج ولديه ولدان وبنت (طفول - محمد - مهيار) وحفيدة واحدة (أمينة). حصل على إجازة التفرق للعمل الأدبي من طرف وزارة الإعلام نهاية عام 1997.
من النص الشعري المكتوب في الخلف ظننته كتابًا شعريًا أو أدبيًا لقاسم، تفاجئت بكونه نقديًا ويتحدث عن التجربة الشعرية لكنني رغم ذلك أكملت القراءة، بالنسبة إلي، كقارئ لا يهمه الموضوع، كان كتابًا مملًا بالمجمل. لفتتني براعة قاسم في العناوين بدءًا من عنوان الكتاب إلى عناوين بعض الفصول: عاش حياته كأنه يفعل شيئًا آخر التربيت على كتفٍ مخلوعة أن ينساك الله على أن يتذكرك الناس يصلي غير مكترثٍ بالالهة (إلى الصديق عبدالقادر عقيل، يوسف وأخوتك لا يحصون) طفلٌ يتدرب على الحلم (إلى حفيدتي أمينة ذات الأحلام)
في حضرة الشاعر ( قاسم حداد ) أنت أمام قامة شامخة لمعلم عظيم ، لا يكتفي بإعطاءك الكلمات .. إنما يعيرك عينيه لترى من خلالهما ! قدرته العجيبة في الغوص إلى أعماق الأمور تدهشني ، هو لا يتناول الأمور البديهية كما هي بمسلماتها إنما يغوص إلى داخلها بحماسة ليستخرج أجمل ما فيها ، وليفتح لك آفاق أخرى لم تكن لتصل إلى مداركك لولاه !!
"تعود إلى الكتابة للإصغاء إلى الآخر الحميم، الذي يجلس هناك منتظرا فهرس أخطائك الفاتن،وحده معك قادر على وضع جمر التجربة تحت إبطيك. وأنت إلى الكتابة كأنك إلى الله"
مجموعة مقالات في الشعر والتجريب والتأويل، وشهادات قاسم في شعراء كبار وأصدقائه الأعزاء. أعجبتني مقالات الشعر والتجريب أكثر، أما الشهادات فهي من لطف قاسم ووفائه لكنها ليست بتلك القوة في الطرح.