تألفت هذه المجموعة من ثلاث مجلدات جرى الحديث فيها عن المثالية الألمانية في مجلدين وعن دور الفلسفة النقدية العربية ومنجزاتها في المجلد الثالث في ما يتعلق بالمثالية الألمانية فهي ما زالت منظومة من الأفكار ذات التأثير القوي في تاريخ الفلسفة، وهي ذات مصادر مهمة في تاريخ الثقافة الألمانية، لكن التعامل معها بإعتبارها ظاهرة تاريخية قومية في المقام الأول، يُعد من قصر النظر، بل ينبغي أن يُنظر إليها وأن يتم البحث فيها من خلال أفق متنوع الأشكال من التأثر والتلقي والتثاقف، أشكال تفاعلت خلالها مع تاريخ أوروبا الثقافي والروحي والعلمي والحقوقي والسياسي.
هذا الكتاب هو مسح دقيق وتفصيلي لأهم إشكاليات الفكر الفلسفي في كل مجالاته النظرية والعملية خلال أهم مراحل الفكر الغربي الحديث، القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وإمتداداتهما في القرنين الأخيرين العشرين والحادي والعشرين.
إنه أول مصنف تمهيدي في تاريخ "المثالة الألمانية"، كتب بمنظور يضع المسائل في وضع نسقي، ويتوجه إلى دارسي المثالية الألمانية المتقدمين في درسها، وكذلك إلى المتعلمين والباحثين من غير أهل الإختصاص فيها.
يتوزع هذا الكتاب على اثني عشر فصلاً تركز جميعها في عرضها بصورة جوهرية على فلسفات كنط وفيشته، وشلنغ، وهيغل... وقد كتبت جميعها بأسلوب تربوي مسهب يهدف إلى تقديم نص في لسان عربي مبين قابل للتوجه إلى القراء العرب عامة...
وفيما يتعلق المجلد الثالث فيعد الدكتور "أبو يعرب المرزوقي" من فلاسفة الإسلام المعاصرين القلائل الذين قدموا مشروعاً لإحياء الإجتهاد الفلسفي المستقل الذي افتتحه أبو حامد الغزالي، وشيّد أصوله الإمامين ابن تيمية وابن خلدون، مؤمناً في الوقت نفسه بالوحي الشرعي مصدراً للهداية الإنسانية.
واتخذ الفيلسوف المرزوقي من إطلاعه الواسع على الفلسفة الحديثة والتراث الإسلامي مادة لعقد المقارنات بين نظم التفلسف وبين عينيه تلك الهداية التي تنزل الوحي على نبي هذه الأمة... بهدف تأسيس تكامل معرفي بين ثوابت الوحي والخبرة الإنسانية وتجريداتها الفلسفية، كأساس لنهضة تلوح ملامحها في أفق الحياة العربية والإسلامية، وربما كان الربيع العربي مقدمة لطاقتها التي تموج بالإجتماع اليافع لهذا الأمة.
يحاول فيلسوفنا المرزوقي تحطيم أسطورة التقليد الفلسفي التي يبشر بها وعّاظ الحداثة المعاصرة من فلاسفة العرب تقليداً لنموذج فلسفي لم يكن يوماً ما نظاماً كونياً، بل كان محاولة غربية لإدارة مشكلات لها حدودها الثقافية والدينية والفلسفية.
ولتحقيق ذلك، يقدم لنا د.المرزوقي هذا الكتاب الذي يهدف إلى الإجابة على السؤال الآتي: كيف نفهم مسار الفكر الفلسفي عند المسلمين عامةً وعند العرب خاصةً، وتكوينية المدرسة النقدية الفلسفية بدءاً من كتاب الغزالي "تهافت الفلاسفة" وختماً بذروتها في منجزات شيخ الإسلام ابن تيمية شرقاً وعلاّمته ابن خلدون غرباً ومنجزاتهما النقدية؟...
من هنا، يتوزع الكتاب على ثلاث عشرة مقالة كل واحدة منها ذات فصلين ولا تهدف إلى الموازنة مع الفلسفة الألمانية بل تهدف إلى تأسيس الإستئناف المبدع لهذين الفكرين في حضارتنا ودعم محاولاتهما تحديد الوصل المبدع بالفلسفة اليونانية قبلهما وبالفكر الحديث بعدهما مع بيان وجوه الإئتلاف والإختلاف بين المفكرين العربي والألماني والتركيز خاصة على مقومات الأسلوب النقدي الحديث...
لا تختلف بنية المجلد الثانى عن المجلد الاول لذا سأضع نفس تعليقى على المجلد الأول فقط مع بعض التغييرات الضرورية كعرض موضوعات هذا المجلد واضافة بعض الملاحظات :
للمثالية الفلسفية تاريخ طويل يمتد من اليونان القديمة ليصل ذروته فى المثالية الألمانية من كانط الى هيجل وهو موضوع الكتاب الرئيسى الذى يهتم الكاتب فيه بابراز النظريات الخاصة بكل من كانط وفيشته وشلنج وهيجل بشكل أساسى ، لكنه يعرج فى بعض القضايا بشكل أساسى على بعض الكلاسيكيين الالمان كهردر ولسنج والرومانسيين مثل نوفاليس وشليجل وغيرهم . وقد رأى الكاتب عرض نظرياتهم فى اطار نقاط محددة تناول منها فى هذا الكتاب (٥) فلسفة القانون والدولة ، (٦) فلسفة التاريخ ، (٧) فلسفة الدين ، (٨) فلسفة الفن . وخلال ذلك العرض يتمكن القارئ من تكوين رؤية موحدة ومتماسكة للمثالية الالمانية كحلقة متقدمة فى تاريخ المثالية الفلسفية ، لكنها وحدة لا تنفى ادراك القارئ للفروق القائمة والاساسية بين كل مفكر ، كما تبرز كيفية تأثر منهج ونظريات كل منهم بمنهج ونظريات سابقيه سواء من خلال التعمق والتحليل او من خلال النقد ، وهى الصيرورة التى يمكن من خلالها هضم كل مذهب بشكل اعمق واكثر تحديداً . فلا يغفل الكاتب عن التأصيل لكل نظرية تخص موضوع محدد لدى مفكر بعينه من خلال عرض افكار ونظريات سابقيه ممن أثروا فى فكره . فهو دائما ما يبدأ فى عرض نظريات المفكرين الاربعة الاساسيين - تبعا لتراتبهم الزمنى - بكانط سابقاً لعرض افكاره بعرض افكار التجريبية الانجليزية والتنوير الفرنسى عموما وافكار هيوم وباركلى بشكل رئيسى - ان وجدت - ليبرز اثر فكر كانط على نقد هذه الافكار ثم بلورتها فى نسقه الخاص وممهدا بذلك الطريق لعرض نظرية فيشته فى ذات الموضوع وهكذا مع شلنج وهيجل . مبينا بسلاسة عرضه المنهجى رحلة التحولات التى خاضتها المثالية من كانط كمثالية ترانسندنتالية التى هى تطوير للمثالية العقلانية السابقة الى مثالية ذاتية عند فيشته ثم الى مثالية موضوعية لدى شيلنج ونهايةً الى المثالية المطلقة مع هيجل . - لقد اضاف المؤلفون فصلين بعد اتمام عرض المثالية الالمانية لأعلامها كما ذكرنا ، اولهما ذو أهمية محورية لفهم المثالية الالمانية وهو عرض للرومانسية الالمانية التى عاصرت بدايات المثالية الالمانية وأثرت فيها وتأثرت بها وانا لنجد تشابهات ومبادئ اساسية مشتركة ( كوحدة الوجود ) لكنها تخلف تناقضات اساسية كذلك كما فى نقض الرومانسية ( للنسقية الفلسفية ) والتى هى ميزة أساسية للمثالية الالمانية . ويمكن وصف كلاهما بالمثالية ولكن ستكون الرومانسية شكل محدد وخاص من المثالية الذاتية . اما الفصل الأخير فهو يهتم بعرض تلقى المثالية الالمانية فى أوروبا وأثرها خلال القرن التاسع عشر . من الجميل ملاحظة استخدام المؤلفين للعديد من اقتباساتهم من كتابات الفلاسفة فى العديد من المواضع والموضوعات المختلفة مما يبرز مدى شمولية نظرتهم وقدرتهم الكبيرة على تعدد التأويل والمنظورات للنص الفلسفى الواحد وفهم كل شذرة على عدة مستويات وهو ما يدعم هذه القدرة لدى القارئ بالضرورة ، وهو الأمر الضرورى لدى التعامل مع النصوص الأدبية على وجه العموم . وعلى العموم فقد ذكرتنى تجربتى مع هذا الكتاب بتجربتى مع كتاب هيجل ( فى الفرق بين نسق فيشته ونسق شيلنج فى الفلسفة ) وكان اول قراءاتى لهيجل واول قراءاتى الفلسفية بعد كانط حيث عرض هيجل فى اول كتبه فهمه للفروق الاساسية بين رؤيتى فيشته وشيلنج وانطلاقا من كانط ليثبت هذه الفروق المحورية فى فهم كل منهما وليبلور مع نهاية الكتاب رؤيته الخاصة انطلاقاً من فهمه لهذه الفروق . فهكذا عرض الكاتب افكار اعلام المثالية الالمانية بشكل يبرز رؤيته الشاملة لهذه الحركة فى تاريخ الفلسفة .