(مدن الملح3)
يواصل المُنيف عزف سيمفونيته الخاصة , ونسج لوحته العظيمة , ولكن هنا يلجأ لقديم تاريخ دولته المزعومة, وكيف تكونت وهي القبائل المتناحرة , وكيف كان الدم هو أساسها قبل أن تكون موارد النفط , لأن التاريخ هو أول كل شئ فهو الذاكرة التي لابد لها أن تُسجل فسجلها مُنيف.
هذا الجزء هو الأكثر أصالة بين أجزاء الخماسية إلى الآن , ففيه رجع الكاتب إلى السليقة البدوية و تصرفات العُرب و طبيعتهم قبل أن تلوثهم المادة و زهو الدنيا , فيه يرجع الكاتب بالتاريخ في مراحل تكوين الدولة و توحيد الشتات, فيه ظهرت معرفة الكاتب بطبيعة الصحراء وكيف لا وهو أحد ابناءها فقدمها كتقديم الابن لأمه ,( فالصحراء كالمرأة , بمقدار ما تبدو هادئة , بسيطة , لينة , و جميلة , فإنها بحاجة إلى الفهم و التعاطف , لأن لها وجوهًا لا حصر لها . حين تغضب أو تجن تبدو و كأن ليس لها علاقة بما كانته من قبل . وهي في الليل غيرها في النهار. وفي الشتاء تختلف عن الصيف , وعن باقي الفصول . إنها أكثر من ذلك , إنها هي ذاتها ولا تشبه نفسها أبدًا. تتغير كل لحظة , تتكون في كل لحظة, عالم في مرحلة التكوين المستمر) وعندما يتطرق للحديث عن أبناء هذه الأم فهو يتحدث عن وصف أبناء جلدته (فبشر الصحراء هم النبات الحقيقي لهذه البيئة , وأحد مظاهرها و تجلياتها , إذ رغم البساطة و الانكشاف الكامل ,فإنهم طبقات من الحراشف القاسية المتينة تراكم بعضها فوق بعض بحيث يصعب معرفتها من النظرة العابرة , أو إقامة صلة معها من خلال التملق . صحيح أنهم يسمعون , لكنهم , في الغالب , يفكرون فيما سمعوه , ويفهمونه بطريقتهم الخاصة . وهم كثيرو الشك , لا يثقون بسهولة, أما حين يقطعون . فإنهم يفعلون ذلك بقوة وحسم. وإذا أعطوك فإنهم يعطون بسخاء . صحيح أنهم يعطون قليلًا أول الأمر , لكنهم إن فعلوا , فإنهم لا يتوقفون بعد ذلك عن العطاء ).
الرواية جيدة للغاية , فيها معرفة واسعة بتاريخ نشئة الأمم وتكوين الدولة , بالاضافة لتمكن من وصف شعوب المنطقة المراد منها , فمن السهل معرفة شعب ما وعاداته وتقاليده , ولكن الأصعب هو تدوين تلك المعرفة في نسق روائي متزن وهذا ما نجح فيه الكاتب باقتدار, ولا تعتبر الرواية مجرد عمل أدبي ممتع , بل الأهم أنها درس في غاية الأهمية لكل قارئ , لكي لا ينسى تاريخ أمته ففي النهاية (التاريخ بصورة عامة هو تاريخ المنتصرين, ووجهة نظرهم , فغالبًا ما يميل المنتصرون , زيادة في النكاية و السخرية , إلى رواية الحدث الواحد بأشكال مختلفة للغاية , ولا يتم ذلك دائمًا بسبب سوء النية أو النسيان , وإنما أيضًا نتيجة للظروف الآنية , وما تمليه من اعتبارات , ونتيجة لتراكم الأكاذيب الصغيرة , والأوهام لتصبح وحدها في النهاية وهُم الصدق المطلق , أو الرواية الحقيقية الوحيدة للتاريخ الموهوم).
المهم : إن الرواية عظيمة , وثيقة مسجلة في غاية الأهمية , تكون لوحة روائية متكاملة الأركان تستحق الخلود , رواية بها من تمكن اللغة وعظمة الوصف وعمق الشخصيات وبراعة تسلسل الأحداث ما يجعلك تعشق كاتبها وتفضله.