الله الله ..انه فعلا صوت البشارة والحياة. ما اجملها من اصوات لم تعرف الا البراءة, ولا تستطيع الا ان تكون طيبة,ولا تصدح الا بالحق.ليس في عالمهم سادة مستبدون وعبيد يحقدون, ولا مكتنزون بخلاء وفقراء لصوص,ولا مترفون ومحاويج. هل استمعت اليها مسرورة محبورة, لم يفكر أي منها في فرض صوته أو طريقته في التغريد, ولا في اسكات الأخر لان صوته يبدو له غير جميل أو لا يروقه, كما يحدث في عالم الانسان, لما يتحرك المعقدون والناقصون ليفرضوا على الناس رؤيتهم للحياة. لن يحدث هدا بين العصافير , فالمشاعر متجانسة, والاحاسيس متألفة, ولكل واحد مكانه من الغصن, ورقعته من الظل وفسحته من الحرية, أما الفضاء فهو مشاع؟ هل استمعت اليها تنادي على الخير والمحبة ؟.
اياك أن تظن أن ما سمعته فوضى من الأصوات وخليطا من الأنغام, ان الانسجام بينها ليس كبيرا فقط, بل انه دقيق جدا كذلك, كل منها يغرد في الوقت المناسب ويسكت ليستمع في الوقت المناسب..... وحده الانسان يسكت أخاه ليكون الفصيح, ويضعفه ليكون القوي, ويقهره ليكون المهيمن, ويكبت أفكاره ليكون الألمعي اللوذعي, ويمحو ظله ليبقى هو صاحب الظل العالي ......و لما يظن أنه تمكن من ذلك كله, يغار من نفسه المستبدة فيحطمها ويموت. هل استمعت اليها...انها لا تغير لغتها حسب المواسم والمواقف والفصول, انما يغير لغته الطماع والمنافق الجبان: الطماع لما يطمع يجامل, والجبان لما يخاف يسترضي, والمنافق لما ينافق يتملق, أما العصافير فحين رضيت قنعت, ولما آمنت أمنت, ولما كملت عاشت بصراحة. كل العصافير تعيش سعيدة, وتفتتح يومها بالصلاة والتسبيح, لا يمنعها عن ذلك حر او قر, ولا ألم وجوع, وتنتشر بعد ذلك تبتغي من رزق الله ولا يصدها سياج ولا يردها حراس, ولما تشبع لا بدفعها الحرص على الاستزادة, بل انها تحط على الأغصان والشرفات وأسلاك الكهرباء لتمارس المحبة, ولما تموت وهي تشعر أن الله اعطاها فارضاها,وانا اخدت كل ما كان لها , بعد أن قدمت كل ما كان عليها. وما يهمها كيف تموت، فوق غصن شجرة . على قارعة الطريق...على حافة نبع متدفق او بحصاة غادرة يطلقها ولد شقي,بفخ من آخر اشقى....لا يهمها كيف تموت,حسبها انها ما قصرت في حق الله ولا في حق نفسها ولا في حق الآخرين.عاشت كما قدرت لها الألطاف ان تعيش, ولما ماتت كالشمعة التي احترقت كل دبالتها, وكالقنديل الذي غار ينبوعه ضياه
من لم يقرأ رواية "كراف الخطايا" لعيسى لحليلح التي صدرت سنة 2002، يكون قد فوت على نفسه فرصة الإستمتاع بواحدة من أعظم الأعمال الأدبية الجزائرية. كتب لحيلح روايته بلغة شعرية فاتنة تشبه اللغة المستخدمة في الأدب الجاهلي ، وبأسلوب سردي حديث، أرى أن الكاتب نجح في شرح و تشريح هوية المجتمع الجزائري المتأزم في العقد السابع من القرن الماضي، بمخيلته الفذة الولادة و فلسفته الجوهرية العميقة، نقل لنا يوميات منصور "زوربا جيجل" أو "زوربا الجزائر" الذي لا يشترك مع زوربا الأصل إلا في نقطة واحدة هي المستوى الثقافي والعلمي، فمنصور مثقف، خريج جامعي ، قارض للكتب عكس زوربا اليوناني. برمزية بالغة و بثنائيات متناقضة (الخير و الشر، النفاق والصدق، العلم و الجهل، الشجاعة والخوف، الإلتزام و العبثية، القوة و الضعف، الماضي و الحاضر...) تمكن الكاتب من معالجة مواضيع كانت ولا زالت تعتبر كطابوهات؛( قضايا إجتماعية و أخلاقية دينية و سياسية). لم أتمكن من فهم و فك شيفرة عنوان الرواية حتى شارفت على إنهائها، منصور بطل الرواية كان بمثابة المرآة التي عكست ألمعية و لوذعة عيسى لحليح. الكاتب قدم لي درسا لا ينسى؛ يمكن للأديب و الروائي و الفنان أن يبدع ويغادر حيز الإديولوجية التي يتبناها، وعليه قبل قراءة أي عمل يجب ترك الأحكام المسبقة و القراءة بعين واقية محترفة... في إنتظار الجزء الثاني للرواية القادم من قسنطينة الذي أرسلته لي الصديقة جهان سمرقد... #حمودة_زاوي
"ناس يرقصون في كل عرس، و يتبعون كل ناعق ، ويصفقون لكل مهرج ،و يصدقون كل كذاب ،و يكثرون سواد كل دجال ، ويستقبلون في صلاتهم كل الإتجاهات ، ويبكون قدام كل حائط ، و يمجدون القاتل و يلبسون سواد الحداد على القتيل ، و يبيعون القرد و يضحكون على من يشتريه ، وفي الأخير لا يؤمنون إلا بما يشتهون " ص 136. رواية كراف الخطايا للدكتور لحيلح ،قرأتها فور صدورها صيف 2002 بإهداء خطي من المؤلف ، و بالنسبة لي فهي أفضل رواية جزائرية قرأتها حتى الساعة ، كيف لا و هي تشرِّح أحوال المجتمع تشريحا دقيقا و تبرز الأدواء التي استشرت فيه في كل مجالاته الإجتماعية و الأخلاقية و الدينية و السياسية من خلال بطل القصة "منصور" الذي يتظاهر بالجنون حتى لا يتحرز الناس من ارتكاب الخطايا أمام ناظريه لكونه لا يعي ما يصدر عنهم في حين أنه يدَون كل شاردة و واردة ليفاجئ الجميع في النهاية. رواية تستحق القراءة فعلا ، هذا مع التنويه الى اللغة و التعابير الجزلة التي استعملها الكاتب. فصارت هذه الرواية بحق قاموسا ثريا في اللغة العربية.
#قراءات #الرواية عبد الله عيسى الحيلح – كراف الخطايا – اولا العنوان : كنت أعتقد أنه بمعنى " ماسح الخطايا !" لأننا اعتدنا على قول :" يكرف السيل كل شيء " فارتبط في ذهني « الكرف » بالمسح . فلما عزمت الكتابة عن الرواية التي بين أيدينا " راجعت ما ذكر عن " كراف " فكان غير الذي اعتقدت لا من قريب ولا من بعيد : تعريف و معنى كَرّاف في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي كَرّاف: (اسم) الكَرَّافُ : الذي يختلس النظر إِلى النساء كِراف: (اسم) كِراف : مصدر كَرَفَ كَرَفَ: (فعل) كَرَفَ كَرْفًا ، وكِرافًا كَرَفَ الشيءَ : شمَّه كَرَفَ الحمارُ : شمَّ بولَ الأَتان ثم رفع رأسه وقَلَب جَحْفَلَتَه( اتمنى أن لا تكون هذه الأخيرة ! (★) فما علاقة العنوان بموضوع الرواية ( المتن )؟ عملية شم الخطايا وان عصرت كل فكرك " المجازي والخيالي " لن تصل إلى علاقة بين الشم والخطايا ! الا ان تعتقد كما اعتقدت بأن الخطايا يجب أن تمسح ونتخلى عليها بأعمال حسنة وصادقة وهنا في الحقيقة وقعت في المطلوب " المحظور " والغاية العميقة التحفيزية للعنوان ! وخصوصا أن مطلع الرواية احدثك بشوق عن شاب كان بإمكانه العيش الرغيد في المدينة لكنه اختار القرية !
ثانيا : الرواية شخصياتها وكيفية تقدبمهم وتعدد الحبكة بعد أن يذكر إمكانية الشاب المقدم كمثقف متصعلك فضل ترك أمه في المدينة ، ليعيش لوحده في القرية في بيت أمه ! الا أنه يعود في الصفحة الثانية ويذكر :" لو تدخل الى دار أبيه القديمة ! اول ما يشد نظرك هذه الرفوف المتراصة من الكتب السميكة والمحافظات الضخام . في الصفحة الثالثة حيث تبدأ الحبكة الاولى :" كانت نقطة التحول في حياته حين اعتزل الناس واختفى عن العيون ما يقارب الشهر أو يزيد ...ليخرج في ليلة ممطرة شديدة الظلام في منتصف الليل ، وهو يصيح :يوريكا 3" وفي الصباح التالي يلاقي بالقهواجي " عمي الصالح !!!" الذي يعود من الصلاة .لكن صاحبنا البطل يذكره بماضيه في فرنسا من شرب الخمر ... لا يذكر اسم البطل الا في الصفحة الرابعة أنه :" منصور " ودون مقدمات يذكر كيف أن دخول شيخ المسجد جعل من القهواحي إنسانا آخر ! وقد اقلقه هذا الصمت فسأل صاحبنا الامام :" يا الشيخ هل يجوز في ديننا أن تخدع الناس ؟ فرد بقوة :" لا يجوز " ! وهنا رد عليه منصور :" ماذا تقول في عمي الصالح الذي تم اثراؤه على حساب فرنسية طيبة خدعها وتزوج بها ثم هرب بمالها ...يكرر كلمات " النفاق والخداع " وكسر المرآءات !!لأنها لم تعكس صورته ..ليعلمنا أننا أمام شخصية " مجنون : مهبول " لكنه عالم بكل شيء 2 سره أن يقتنع أهل القرية أنه مجنون ( فالمهبول يشبع كسور ) في مشهد غريب في الغرفة يلتفت إلى صورة أبيه « كادر » ويحكي قصة حياته كيف وكيف يلومه كيف مات وترك للمرأة اولادا .. في تطور لافت لاحقا يأتي المجنون بفتاة ويتلاعب بكل من في القرية بما فيهم الامام ويجمع منهم الأموال من أجل الخطيئة !!( وهذا ربما ما يحيل إلى العنوان ).
اجمل مافي الرواية " عفويتها " كأنه يحكي سيرة ذاتية ، ويتجلى ذلك في ختام الرواية حيث يختمها على غير العادة بملاحظة بتفاعل الكاتب مع القارئ أن النهاية كانت كما أرادها الله !
هذه الرواية من أجمل ما قرأت فعلا.. أحسن الكاتب في تصوير الشخصية الرئيسية التي كانت تجمع بين المتناقضات، "منصور" أشد الناس عقلا وأكثرهم جنونا في الوقت نفسه، أحببته وأحببت شقاوته، لطفه، ولؤمه.. أظنني سأشتاق إليه وإلى مغامراته، بل حتما ❤️ جعلني هذا الكتاب أفكّر في مدى تعقيد الشخصية الانسانية.. وفي مدى صحة أو خطأ بعض التّصرّفات التي تبدر من الإنسان "العاقل".. هل تنفيذ "منصور" لخطته المتمثلة في فضح الناس على حقيقتهم من خلال لعبه دور المجنون فعلٌ صائب؟ بالتأكيد لا يحسُن فضح المسلم لأخيه المسلم وقد حثّ ديننا على السّتر فمن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة، لكن ماذا لو كان في فضحه - أو بالأحرى هم أي أهل القرية في هذه القصة- مصلحة راجحة! أراد منصور أن يهدم هذا المجتمع المنافق الذي اعتاد في ظلام الليل على كل ما يخطر ولا يخطر على البال من سيئات ومعاصي وظلم وفساد في الأرض فإذا أشرقت الشمس قابل الناس بوجه بريء ونفاق جريء، أراد أن يهدمه ليعاد بناؤه فيما بعد على أسس صحيحة.. هذا لأنه لم يعد يرى فيهم إلا الشر المتجذر في نفوسهم.. ومن هو ليحكم على غيره بالفساد التام؟ أنا شخصيا لا أعتقد بوجود إنسان سيّء كليا.. نحن بشر نصيب ونخطئ.. نفعل السيئات بقصد وبغير قصد، لكن في كل واحد منا بذرة خير تحتاج إلى سقيا.. تحتاج دفعة بسيطة لتزهر وتتورّد.. صحيح قد تكون المشكلة عويصة ومتجذرة حتى فيمن يدّعي الصلاح والإصلاح وهو لا يقوم إلا بالإفساد.. وكيف لإنسان بسيط أن يواجه كل هذا الشر بمفرده؟ لكن لابد من وجود طريقة أقل ضررا وأكثر مفعولا.. هناك حتما طرق أخرى..
أحببت كل سطر من سطورها، محاكاة لواقع يعيشه الفرد الجزائري، أغلب ما ذكر ووصف في الرواية رأيته بأم عيني. مازاد جمال الرواية، الحوارات الفلسفية والأشعار الموزونة والعقدة المعقدة بحق.