بعد أن هجرته المعتزلة وصارت من أشد الناس عليه وتركته وحيدا طريدا، حمل الغيظ ابن الراوندي فكتب كتابا اسمه فضيحة المعتزلة -وهو غرار اسم كتاب الجاحظ فضيلة المعتزلة- يحمل فيه على المعتزلة ويرد به على الجاحظ ، فتصدى لهذا الكتاب ابن الخياط المعتزلي في كتابه الانتصار للرد على ابن الراوندي. وكتاب الفضيحة مفقود ولم يعرف منه الا اسمه وما عرف إلا من خلال كتاب الانتصار لابن الخياط حيث تضمنه ونقل منه. وقد كان ابن الراوندي من الفضلاء عالما كبيرا بعلم الكلام ولم يكن في عصره من هو أعلم منه بعلم الكلام، وقد كان عظيم الحياء حسن السيرة وقد صنف نحو مائة وأربعة عشر كتابا، ولازم أهل الإلحاد فترة يقول إنما أريد أن أعرف مذاهبهم. واختلفوا في سبب إلحاده فقيل فاقة لحقته، وقيل تمنى رئاسة ما نالها. وذكر غير واحد توبته قبل وفاته. وقالوا أن علمه كان أكبر من عقله. حُقّق كتاب الانتصار على يد المستشرق السويدي الدكتور هنريك صامويل نيبرج، وكتابه من المصادر الجيدة في التعرف على بعض أفكار المعتزلة، وقد دبج الكتاب بمقدمة ماتعة وتعليقات مفيدة لا تقل روعة عن جودة تحقيقه للكتاب، فإن تحقيقه غاية في الإتقان والجودة مع وجود أخطاء قليلة جداً، مع أن معظم مسائل الكتاب من دقيق الكلام ولطيفه، وهذا مما يُحسب له ويُؤخذ علينا، وليت من تصدوا للتحقيق منا -العرب- قد بذلوا قليلا مما بذله الدكتور نيبرج في الكتب التي هم أولى بالعناية بها.