عندما قاربت من إنهاء قراءة هذا الكتاب الكنز بالنسبة لي , أحسست فعلا أنني بدأت أفقد صديقا ..
سعدت باكتشاف كوني أبيقورية نظريا , ولكنني تحسرت على ابتعادي عن كوني كذلك ممارسة وتطبيقا .. فما الجدوى ؟ وإلى متى ؟
في البداية لا يمكننا أن نجزم بصحة نسبة جميع الأفكار الواردة في الكتاب وفي المراجع التي لجأ إليها صاحب الكتاب إلى أبيقور نظرا لقدم مصادرها الرئيسية وحداثة اكتشاف هذه المصادر وكون معظم هذه المراجع اذا استثنينا المخطوطات التي وجدت في الكنيسة الفاتيكانية هي عبارة عن كتب لفلاسفة اخرين تحدثوا في أحد فقراتها عن مذهب أبيقور ككتاب ديوجان اللايرتي وكتاب لوكريتس وبعض الكتب المنسوبة لشيشرون , لا نعرف مدى أمانتهم في نقل أفكاره ... ما يمكن أن يفسر التناقض والغموض الموجودين بين مصدر واخر ....
يبقى الأهم الفكرة بحد ذاتها بغض النظر إن كان صاحب الفكرة هو فعلا أبيقور أو أحد تلامذته أو أحد أتباعه أو أحد منتقديه , وبعد ذلك ما على المرئ الا أن يأخذ ما يفيده ويطرح الباقي
جاءت الأبيقورية كمحاولة للإنقلاب على الوضع السائد بعد سقوط البلاد تحت السيطرة الأجنبية لا لتكريسه كما يذهب إلى ذلك بعض نقاد الأبيقورية , ومنهم من شوه تعاليمها عن قصد أو عن سوء فهم واختزلها في الإبتعاد عن الواقع و السعي وراء اللذات الحسية , رغم أن أبيقور كان يمجد اللذات الفكرية أكثر ودعا إلى التقليل من اللذات المادية و عدم الإفراط فيها والإبتعاد عن اللذات الوهمية التي تخفي الاما كثيرة وطويلة ة
تعجبت حقا من عظمة تفكير هذا الفيلسوف وأنا اخذ بعين الاعتبار الزمن الذي عاش فيه , لقد صدق نيتشه عندما قال أن هناك أناس يولدون بعد وفاتهم , هذا ينطبق على أبيقور , فبعض أفكاره أبانت عن تفكير حديث سابق لأوانه , جعلتني أحس أنه لازال حاضرا بيننا يخاطبنا في هذا العصر , ويتحسر على الأحوال التي وصلنا اليها عندما ابتعدنا عن ذواتنا وانخرطنا في ذات جمعية ارتضاها لنا المتحدثون باسم الالهة واختزلنا وجودنا في المحاولات الدائمة لاسترضائها وابعاد غضبها عنا فاحتقرنا نعمة الــــــــــــتأمل والــــتفكير , مادام هناك من يفكر عنا ولا يبقى لنا إلا التسليم , واحتقرنا هذه الحياة مادامت هناك حياة أبدية في انتظارنا, نعيمها غير محدود , لا ألم فيها ولا معاناة , ولا تحتاج فيها لبذل أي مجهود , عكس هذه الحياة المتعبة الزائلة ... فهل أبيقور أحمق ليطلب منا ان نضحي بهذا النعيم الأبدي ونعرض أنفسنا للمصير النقيض الجحيم الأبدي مقابل حياة فانية ؟؟
طبيعي أن يفكر شخص ما هكذا إذا كان يحسب أن حكمة إلهه وصلت لحد أن يطالب مخلوقاته بالتصرف عكس طبيعتهم التي جبلهم عليها ... وأنه قد جاء بهم إلى الحياة ليحتقروا الحياة ... ورغم أنه منح لهم عقولا إلا أنه أمرهم ألا يسألوا ... ورغم أن الههم مكتف بذاته و متعال على مخلوقاته إلا أنه ينفعل ويغضب وينتقم ويتدخل من أجل هذا ويلعن هذا ويتجاهل ذاك , ويطالب مخلوقاته بتقديم الصلوات والقرابين ... لقد كان أبيقور حكيما عندما طلب منا أن لا ننسب إلى الالهة ما يناقض سعادتها وغبطتها المطلقة , فأن نعتقد أنها خلقت العالم وأنها تتدخل في حياة البشر , فهذا قد يجعلنا ننسب إليها كل أنواع الظلم الذي يحصل على هذه الأرض عوض أن نتحمل المسؤوليات وننخرط في محاولة تصحيح الأخطاء .
كان هدف الأبيقورية تخليص الإنسان من الاستعباد الفكري عن طريق المخاوف التي تغرسها العقائد الخرافية في عقله بإيهامه أن الالهة تتدخل في حياته وتراقبه في كل صغيرة وكبيرة وتتنتقم منه وتنزل عليه بأشر العقاب إن عصى أمرا لها مهما بدى تافها .. وأنها فوق ذلك أعدت له عذاب�� أبدياا في انتظاره بعد موته ... هكذا اقترن التفكير في الموت بالخوف , فالانسان يبقى رغم كل محاولاته لاسترضاء الالهة وعدم إغضابها جاهلا بالمصير الذي ينتظره , فيزرع هذا الجهل في ذاته مخاوف تشل تفكيره , معتقدا أن أي تفكير , أي فعل قد يوقظ غضب هذه الالهة , فلا يكون همه إلا النجاة من عذاب الاخرة .. فيكون مستعدا ليضحي بعقله , لتحيا هذه الأوهام داخله وتتحكم في تفكيره وسلوكياته واختياراته وفي محيطه أيضا .
كما حاول عن طريق مذهبه الطبيعي ذي البعد الوجودي والأخلاقي والذي استبعد كل التفسيرات الغيبية أن يعيد إلى الإنسان قيمته ومكانته الحقيقية في الوجود التي سلبتها منه هذه العقائد الدينية الخرافية و تلك المذاهب الفلسفية الميتافيزيقية والجبرية التي توهمه أنه مسير لا مخير , وسعى إلى فكه من قيود أوهامها والنزول به من السماء وإعادته إلى أرض الواقع تحديدا في الحاضر , فإذا كان الإنسان يبحث عن سعادة معينة , وإن كان هناك إمكانية لتحقيقها , فلن يجدها في غير هذه البقعة المكانية الزمانية .
ولن يتم التخلص من تلك المخاوف التي تستعبده وتحرمه من التفكير السليم والاستمتاع بالحياة إلا عن طريق المعرفة والفهم ... طريق الفلسفة الذي يفتح طريقا فرعيا يؤدي الى الحكمة , والغاية من الحكمة أن تجعل ألإنسان سعيدا لا عالما
هكذا أكد أبيقور مرارا أن الغرض من فلسفته هي بلوغ السعادة , والقول بأن المعرفة غاية في ذاتها سخف وعبث ... بل هي وسيلة لبلوغ الاتراكسيا .
لذلك لم يكن يعبأ بطرق الإستدلال المعقدة بقدر اهتمامه بما هو ضروري فقط لبلوغ هدفه المنشود فكان يكتفي بما هو موجود ولا يعبأ بالماورائيات إلا في حدود ارتباطها بمذهبه الواقعي , عن طريق قاعدته في الإستدلال بما هو مرئي على ما هو لا مرئي , ولم يكن يحبذ الجدال غير النافع , فبينما كان غيره يجادلون وعيونهم إلى السماء , كان همه ربط العلل بالواقع وعدم الحياد عنه , لأن مجرد الابتعاد عنه يضعنا عرضة للأوهام والخرافات
فكان في فلسفته الذرية ينطلق من الواقع المدرك ثم يرتد إليه
ان دراسة الطبيعة تقتضي منا الا نقيم ابحاثنا على قوانين تعسفية ومبادئ هشة , بل ان ننتبه الى ما توحي به الظواهر , اذا أننا لا نحتاج الى نظريات واراء لا طائل تحتها بقدر ما نحتاج الى العيش بدون اضطراب
-ابيقور لا يعارض التفسيرات المتعددة نظرا لنسبية المعرفة على شرط الا ي تتناقض مع الظواهر البديهية والا تتأثر بالاساطير والخرافات , يقول في تكملة للفكرة السابقة
" ان ما يمنحنا الهدوء التام هو قبول الأشياء لتفسيرات متعددة تقوم على فرضيات موافقة للظواهر , لا سيما اذا سلمنا لما يحدث لهذه الظواهر على وجه الاحتمال . أما اذا حافظنا على رأي وأبطلنا الاخر رغم اتفاق كليهما مع الظواهر , فاننا نكون بذلك قد غادرنا مجال الفزياء ودخلنا الاسطورة
ه دعوة صريحة الى تقبل الاراء المتعددة والتعايش مع أصحابها بل والاستعداد الى تبني ارائهم ان تبينت صحتها و فائدتها , كذلك قبول تفسيرات كثيرة لظاهرة واحدة يفسح المجال لتوليد الافكار , ما يفتح بابا لكل تقدم فكري ومادي , وذلك بدون وضع حدود للتفكير , على ان يكون خاليا من التفسيرات الغيبية ومن أي غرض في الإساءة إلى الاخر ة.
نظريته عن الطبيعة استبعدت تماما فكرة خلق الكون من طرف قوة عظمى اختلف في تسميتها , فالمبدأ عنده هي الذرة الغير قابلة للإنقسام والتغير وهي أزلية لا تفنى , يقول لا يمكن لشيء أن يولد من لا شيء ولا يمكن لشيء أن يستحيل إلى عدم , وأن عناصر الجسد بعد الموت و الانحلال تعود لتندمج في الطبيعة ولا يبقى هناك معنى للقول بالخلود بعد انحلال الجسد وانتفاء الاحساس ... هكذا حاول عن طريق نظرياته الطبيعية استبعاد كل مبرر للخوف من الموت أو ما بعد الموت , ليتمكن الانسان من تركيز ذهنه على وجوده وواقعه .. ومحاولة فهم طبيعته والقضاء على الامه التي تحرمه من الاستمتاع بالحياة
سنتيه بعيدا عن الحقيقة إذا ما تصورنا أن الشيء الذي قاد الألهة في خلقها للعالم هو مصلحة البشر .... فالعالم لم تخلقه أبدا إرادة إلهية من أجلنا لا سيما وأنه حافل بالعيوب
فنفيه للعناية الإلهية وأيضا القدر , ينفي صحة العقائد التي يستند إليها البشر ليبرروا تقاعسهم واستسلامهم .
باختصار , كان رائعا عند حديثه عن الاكتفاء بالذات الذي اعتبره الخير الأعظم , والتمييز السليم بين الرغبات الضرورية وغير الضرورية , بين الرغبات النافعة و الضارة , ومجد فضيلة الأعتدال والنزاهة وغير ذلك من المبادئ التي تحقق راحة النفس
ف وكان أروع عندما تحدث عن الإحساس كمصدر للمعرفة , فالحقيقة عنده تتحدد في الواقع كما ندركه وليس كما هو في حد ذاته ,
, و كذلك عندما تحدث عن اللذة والألم كمعيارين لمعرفة ما يجب فعله وما يجب تجنبه , و عن مصدر الإدراك , عن نشأة اللغة وانتقال الانسان من البدائية الى التحضر , وحديثه عن طبيعة الانسان النفعية , وعن نظريته في الحق ... وغير ذلك ...
أشجع كثيرا على قراءة الكتاب لأنه يحتوي على كنوز معرفية ثمينة وحكم رائعة ة .
----------------------------------------------
أربعة نجوم منحتها للكتاب كمحتوى عام توفق فيه صاحبه " جلال الدين سعد " في تنظيم فقراته وأن يعرف بفلسفة أبيقور لدى القراء بالعربية , وأيضا لمجهوده في البحث عن المراجع الأجنبية التي سبقته في الحديث عن مذهب هذا الفيلسوف ويمكن لكل من يرغب في التعمق فيه أن يلجأ إليها .
أما فلسفة أبيقور فأمنهحها 3 نجوم من أصل خمسة , لأنها تبقى فلسفة نظرية تشبه الجنة الأرضية التي أحلم بها . لأن الالام التي يعانيها الإنسان لا ترجع فقط إلى خوفه من الموت ومن الالهة وإلى شذوذه عن طبيعته بل معظمها يعود إلى طبيعته ذاتها ...
فالانسان محكوم بقدرته المحدودة وبالوقوف دائما في مواجهة المجهول ...
نحن لا نستطيع أن نبعد أجسادنا عن الأمراض والميكروبات المنتشرة في كل مكان , لا نستطيع إيقاف الكثير من الالام الجسدية خصوصا إذا لم نكن نملك المال لشراء المسكنات والأدوية المعالجة , أركز هنا على الأمراض المزمنة التي تدوم طويلا وقد تؤدي إلى الوفاة ...
لا نستطيع أن نرد غضب الطبيعة ( مجازا ) وما يستتبعها من الام وموت الأقرباء والتشرد و الفقر ,
لا نستطيع أن نختار زمان ومكان ولادتنا , ولا نستطيع أن نختار اباءنا , ولا نستطيع أن نتدخل في ظروف نشأتنا وتربيتنا ,
لا نستطيع أن نحمي أنفسنا من الأمراض النفسية لأن معظمها يتكون في فترات لا نعي بها لكي نمنعها من التكون , وعندما نعي بها نكون قد فقدنا السيطرة عليها تماما .
لا تستطيع أن نمنع أنفسنا من التعلق بالاخرين والتعود عليهم لكي لا نتألم لفقدانهم ...
ونجلس محبطين أمام الفرق الشاسع بين ما نتمناه وما نجده ...
نحن نعاني من الحكام الجائرين ومن فساد المسؤولين , نعاني من الجهل المستفحل حتى بين المتعلمين ... ثم في هذا العصر نتحدث عن الاستعباد المعنوي او اللامرئي فأنت مستعبد من حيث لا تدري , فهناك من يسهر على التفنن في إيجاد طرق الاستعباد و إبقاء الأوضاع على ما هي عليه لتنعم الأقلية بالنعيم على حسابنا نحن الذين نشكل الأغلبية ....
ثم بعد ذلك لا أدري هل من الحظ أم من سوء الحظ أن تستيقظ وتعي بما يحدث لك ومن حولك , لانك معرض لأن تجد نفسك وجها لوجه مع حالة أفظع " العجز عن تغيير الأوضاع " , تعرف المرض وتجهل كيف تعالجه , وكل محاولة لعلاجه قد تفاقم حالة المرض .
فكيف تكون أبيقوريا في وسط فاسد بكل المقاييس ؟
و عند محاولة فهم الموت مثلا نلجأ إلى ما نعرفه ... متناسين أن ما لا نعرفه لا يقاس بما نعرفه .. , فما يخيفنا ليس الموت بحد ذاته , بل ما نجهله عن اللحظات الممهدة للموت ( الاحتضار ) ولحظة الموت , وجهلنا المطلق بما يمكن أن تكون عليه الأمور بعد هذه اللحظة ..
ثم كثير من حالات سوء الفهم والإضطرابات الناتجة عنها راجعة إلى كوننا نجهل ما يدور في ذهن الاخر ,
ولا نعلم ان كانت تصرفاتنا صائبة أو خاطئة الا بعد قيامنا بها ومعاينة النتائج المترتبة عنها ...
فحياتنا باختصار تقوم على التخمين والظن بسبب جهلنا الأبدي حتى بأنفسنا وطبائعنا ...