"التنظيمات اليسارية في الجزيرة والخليج العربي"، كتاب يشدّ انتباه القارئ لسببين؛ أولهما: عنوانه الذي يلف الغموض الكثير من جوانبه، حتى أن الكثيرين يجهلون عمق التجربة اليسارية التي خاضتها التنظيمات اليسارية في تلك المنطقة التي تعتبر بتركيبتها الاجتماعية والعقدية والفكرية بعيدة عن هذه التيارات. هذا وإن جهل الكثيرين بهذا الموضوع يعود إلى حدٍّ ما إلى قلة الكتابات حول هذا الموضوع.
أما السبب الثاني الذي يشد القارئ لهذا الكتاب فهو المؤلف، فإن عبد النبي العكري وكتابه هذا عن التنظيمات اليسارية في الجزيرة والخليج العربي يختلف عن ما كتب في هذا المجال، لسبب أساسي هو أنه من المساهمين الأساسيين في العديد من هذه التنظيمات؛ سواء بالمشاركة أو لطبيعة العلاقة بينه وبين العديد من قيادات هذه الحركات، حيث عاش فترة تجاوزت العقود الثلاثة في خارج الوطن متفرغاً للعمل السياسي حتى عودته إلى وطنه أثر الانفراج السياسي في 28 فبراير/شباط 2001.
وبالعودة إلى مضمون الكتاب نجد أنه ضمّ معلومات كثيرة عن التنظيمات اليسارية والشيوعية في المنطقة كجزء من الاهتمام لتأريخ الحركة السياسية، بالإضافة إلى رؤية للمؤلف نقدية حول التجربة التي خاضتها هذه التنظيمات في منطقتي الجزيرة والخليج. وقد كان حرص المؤلف شديداً على اقتطاع فقرات كثيرة وأحياناً طويلة من بيانات أو برامج أو تقارير هذه الحركات السياسية، ليتمكن القار أو المحلل من الوقوف أمام ذلك الخطاب الثوري لدى جميع القوى في تلك الفترة، حيث الطموحات السياسية كانت لديهم كبيرة، وحيث كانت الأحلام كثيرة أيضاً بتحقيق الوحدة والتقدم.
ويمكن القول بأن تناول المؤلف لهذا التيار المتميز في هذه المنطقة كان معمقاً وموثقاً لذا جاء متميزاً، حيث استطاع الحديث عن تيار وضع بصماته في التحولات التي جرت، ويضع بصماته في الوقت الحاضر مع آخرين ككتابة فصل جديد من النضال الديمقراطي لكل بلد من بلدان مجلس التعاون الخليجي أو على مستوى المجلس برمته.
ولوضع القارئ في مناخات الكتاب نتحدث عن تلك التنظيمات التي تناولها المؤلف؛ 1-التنظيمات الشيوعية: جبهة التحرير الوطني (البحرين)، جبهة التحرر الوطني (السعودية)، الحزب الشيوعي في السعودية، اتحاد الشعب الديموقراطي (الكويت). 2-تنظيمات اليسار الجديد: التيار الماركسي في الخليج، الحركة الثورية الشعبية في عمان والخليج العربي، الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي، الجبهة الوطنية الديموقراطية لتحرير عمان والخليج العربي، الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي، الجبهة الشعبية لتحرير عمان، الجبهة الشعبية الديمقراطية العمانية، حزب العمل العربي في عمان، الجبهة الشعبية في البحرين، حركة الديمقراطيين الكويتيين، المنبر الديمقراطي الكويتي، الحزب الديمقراطي الشعبي في الجزيرة العربية، حزب العمل الاشتراكي العربي الجزيرة العربية.
في الوقت الذي استأثرت فيها حكومات الجزيرة والخليج العربي بالسرد التاريخي الزمني للأحداث مدّعية أنها صنعت بمفردها تاريخ هذه الدول القطرية من خلال قبائل وعشائر استولت وحكمت وسيطرت على هذه الأقاليم العربية، يقف عبد النبي العكري ويسرد تاريخاً موازياً للحركات والتنظيمات اليسارية في الجزيرة العربية(منذ الخمسينيات فما تلاها) وتفاعلاتها مع الأحداث والتطورات ونضالاتها ورؤاها المختلفة للسياسة والاقتصاد والاجتماع مستندة إلى النظريات الماركسية اللينية والشيوعية كمنهج للتحليل والعمل; وتستولي على نصيب كبير من الكتاب البيانات التي كان تصدرها تلك التنظيمات بما تتضمنه من دفاع عن القضايا النبيلة التي كانوا يحاربون من أجلها في تلك الظروف التي واكبت نشأة الدول الخليجية و التي تواطئ فيها الاستعمار البريطاني مع الحكومات العربية ومشائخ الخليج على الشعوب العربية متفقّين على استغلال ثرواتها وقمع مواطنيها. وكذلك المؤمرات الإمبرالية التي غدت أمراً واقعاً يجب التعامل معه. ومن بين تلك القضايا:احترام السيادة الوطنية،إنهاء الوجود البريطاني في منطقة عمان والخليج العربي، وضع الدساتير، إطلاق الحريات العامة كحرية التعبير والنشر ،حرية المرأة ،وأيضاً مسائل تتعلق بالاقتصاد الوطني وإطلاق حق المشاركة السياسية وحق التجمّع والتظاهر وتشكيل الأحزاب والنقابات وكافة أنواع مؤسسات المجتمع المدني التي تمكّن الشعب من أن يكون له دور فاعل في بناء وطنه وفي اتخاذ القرار وصنعه . وبالتأكيد فإن هذه المطالب وهذه التجربة الثورية والتي هي انقلاب على النظم الرجعية وتهديد حقيقي لوجودها لم تقابل إلا بحملات الاعتقال والقمع والسجن والتعذيب والنّفي رغم أنها لم تقدّم إلا مطالب وطموحات الشعب المشروعة. يحتوي الكتاب على أربع فصول رئيسية: الفصل الأول يتناول ظروف النشأة ويستعرض الكاتب فيه أهم محطات التطور في المنطقة التي تأثرت بها وفيها تلك التنظيمات ،ومن ثم الفصل الثاني الذي يخصصه للتنظيمات الشيوعية في البحرين والسعودية والكويت. يليه الفصل الثالث الذي يخصصه لتنظيمات اليسار الجديد وهو أكبر فصول الكتاب حجماً ، ويعيبه وجود نوع من انعدام التوزان في إيراد المعلومات عن كلّ من التنظيمات ووجود الكثير من الثغرات في السرد التي على الأغلب سبّبها تعذّر الوصول إلى معلومات كافية عن تلك التنظيمات لا سيّما أن إشكالية نقص المعلومات تتضخم حينما نتعامل مع مجموعات سياسية ذات طابع عمل سرّي وقد دُوهمت مقراتها وصودرت نشراتها وتقاريرها وكل ما يمكن من خلاله التأريخ لها ولوجودها بالإضافة إلى تقاعس كثير من المنتمين لتلك التنظيمات عن القيام بتوثيق تلك المرحلة والتأريخ لها .ويتناول الفصل الأخير تحولات اليسار في الخليج والمآلات بعد حرب الخليج الثانية وبعد الحدث الذي ترك أثراً هائلاً على التنظيمات اليسارية في المنطقيةوهو انهيار الاتحاد السوفييتي. جهد كبير وكتاب قيّم.
كنت أحاول قِراءته لأكثر من عامَين ><. مملّ جدًّا، أشعرني بالضجر والكثير من اليأس. مكتوبٌ في تقديم الكِتاب للكتاب أنّه "كتابة نقديّة حول التجربة ..."، لكن هذا الكِتاب لا يتناول التنظيمات اليساريّة في المنطقة بالنقد، ولا التحليل. وهو تجميعٌ للوثائق والنشرات التي كانت تُصدرها الأحزاب.
كان عندي فضول لمعرفة تاريخ الحركات الشيوعية في الخليج لاسيما وأنها متناقضة إلى حد ما مع أعراف المجتمع الخليجي الذي يمنعه مئة سبب وسبب من اعتناق أفكار كارل ماركس أو لينين.
لم يقدم الشيوعيون الخليجيون - من عمان والإمارات والسعودية والبحرين والكويت واليمن - لأتباعهم سوى الشعارات المليئة بالسجع السوفييتي المعادي للإمبرالية والرأسمالية والواقف ضد اتحاد إمارات الساحل حتى لا يصل النفط إلى المعسكر المعادي للشيوعية.
نستطيع أن نقول - وبكل ثقة - أن التيار الشيوعي في الخليج وخصوصا بعد ثورة ظفار تلاشى إلى تيارات أخرى قومية ويسارية "مضادة للرجعية" ، ولا يمكن مقارنته بالمشاريع الشيوعية التي نجحت في إنشاء أحزاب شيوعية حقيقية على أضعف الإيمان ، تجربة تعلمنا أن نكون حذرين في استيراد الأفكار المعلبة والمصنعة في غير مصانعنا لأنها ستفشل ليس بالضرورة بسبب تهافتها و ضعفها ولكن بسبب عدم قابلية مجتمعنا لها.