إن شخصيّات “تماس” شخصيات مأساوية تطاردها المصائب دون أن تكون متسبّبة في ذلك أو ارتكبت أيّ فعل شائن تستحقّ من أجله عقابا بل عن طريق خطأ يتسبّب فيه الغير أو الآخر المتمثّل هنا في المجتمع وقد رأينا في هذا النصّ ما يبرّر حتى تسلّط “قاسم عبد الجبّار والد زينب” الذي نشأ في حضن أم متسلّطة أرغمته على التجرّد من مشاعر الأبوّة ومن واجبه تجاه زوجه. فيصبح بالنسبة له من العار أن يجهر بها حتى بعد موت والدته، وهذه الصورة تحيله إلى شخصيّة مرهوبة، لكنها تخفي داخلها ذاتا هشّة تجلّت عندما عانقته ابنته: “فعانقها بشدّة وهو يطلق العنان لشهقاته المكتومة، كطفل يلوذ بحضن أمّه، واستغربت “خديجة” لانقلاب الأوضاع... ولم تعد تفهم شيئا فقد تحوّل زوجها إلى طفل وديع يشكو يتمه لأمّ هي ابنته، وغدت ابنتها التي لم تعرف معنى الأمومة بعد إلى أمّ عرّيفة بحاجات الولد إلى أمّ سخيّة تحضن وتمسح ما ترسّب في النّفس من أكدار”. ومثلما ركّزت على الطفولة ودورها في بناء شخصيّة الإنسان، اهتمت المؤلّفة بالموروث وما يسبّبه من اختلال وتشويه لطبيعة الكائن الذي يخلق جميلا، رائعا ثم يتحول غصبا عنه إلى شخص مريض تكبّله العقد. لم تكشف المؤلفة عن جانب واحد من معاناة المرأة بل توسعت في وصفها وتطرقت إلى كل القضايا المحيطة بها. لكنّها رغم تحريرها لبطلة روايتها استطاعت أن تمنعها من التهور وارتكاب جريمة في آخر الرواية. لم تشأ عروسية النالوتي أن تختم نصّها بقتيل وقاتل، فجعلت “زينب حسّان” تفقد السيطرة على قبضتها فينزلق “قاسم” من بين أظافر “زينب عبد الجبّار”، ويفسّر ذلك رغبة “زينب حسّان” في قتل الأب المتسلّط بيد ابنته المعذّبة “زينب عبد الجبّار”، التي تتخلّى في اللّحظة الأخيرة عن ذلك و تفضل عنه اللّجوء إلى الحوار.
في قائمة أفضل 100 رواية عربية (التي تضم 105 عمل أدبي) توجد عشر من إبداع أقلام تونسية لعل أشهرها عربيا رواية "حدّث أبو هريرة قال" لمحمود المسعدي… من بين تلك الروايات العشر هناك هذه الرواية و هي الوحيدة التي خطتها أنامل إمرأة و هو صراحة ليس السبب الذي لفت إنتباهي لها بل وجودها في القائمة من جهة و غرابة العنوان ثم ما قرأته في ملخصها من جهة أخرى. مشكلتي مع الروايات المحلية المكتوبة في آخر عقد خاصة كالآتي: -حضور المواضيع السياسي و الأديولوجية بشكل مسقط على حساب البناء الروائي أو القصصي مع الكثير من التكرار و غياب التفرد. -حضور مواضيع من خارج الواقع التونسي و محاولة تونستها عنوة من خلال إقحام شخصيات تونسية… لا حرج في ذلك لو خرجت الرواية بشكل متناسق إلا أن ذلك لا يحصل عادة حيث تلاحقها صبغة التهجين. - طرح أفكار و آراء الكاتب بطريقة مباشرة دون تكليف النفس عناء إرتداء ثوب الرمزية الذي لا يحلو فعل الكتابة الروائي أو القصصي، و لا يرتفع مقامه بدونه. - عدم تمكن الكاتب/ة من اللغة العربية فتكون الأخطاء الفجة و التراكيب اللغوية المبتذلة و تحضر الركاكة اللغوية و الأدهى من ذلك ظهور أعمال كتبت بالعامية!!
لذلك و بناء على كل ما ذكر يأتي تقييم الرواية المرتفع هذا، فهنا كان تطويع الكلمات حاضرا و كانت تركيبها سلسا متفردا يدل على براعة لغوية ظهرت جلية طول صفحات هذه الرواية و لا عجب في ذلك ربما إذا ما عرفنا أن عروسية النالوتي أستاذة أدب عربي. واصلت الغوص في الرواية إعجابا بالأسلوب و تململت من القصة إلى أن كانت المفاجأة الثانية متمثلة في بنية الرواية نفسها التي جعلتني أقف مشدوهة و الحق يقال أمام الفكرة حيث نفذت بذكاء شديد…أبهرتني فعلا، و هنا أكتفي بالإشارة دون خوض في التفاصيل. القضايا المطروحة هنا تونسية/عربية بإمتياز و هناك إشارة إلى حرب الخليج و ما سببته من قلاقل و لهفة لسماع كل جديد بل ما أحدثته من صدمة في المجتمع...جميل أن ينقل إلينا ذلك و لو عبر عمل روائي و إن لازمت هذه الحرب الخلفية طوال الوقت و لم يتم إقحامها في سيرورة القصة إلا بمقدار ما أقحمت نفسها أو أقحموها في حياة من عاصرها من تونسيين. من حسنات هذه الرواية أنها أيضا أبرزت بداية "البون" الإجتماعي الحاصل في حاضرنا على مستوى الفكري و إن إمتعضت من صبغة الأبيض و الأسود التي إكتساها الموضوع… الرمادي قد يكون جيدا أحيانا و من المفيد حضوره و لكن ربما هو تأثير أحداث مطلع التسعينات (المحلية هذه المرة). ختاما أرجو أن لا يطول بي الوقت قبل أن أعثر على عمل محلي مماثل يضاهي هذا إبداعا… قد أجد ضالتي في العناوين التسع المتبقية و قد أجدها في مكان غيرها… و تلك مخططات لعام آخر فالغالب أنها قرآتي التونسية الأخيرة لهذا العام فقد أُتخمتني أدبيا. تمت 29/11/2018
يقرأ محمود بطل روايتنا -مصدومًا- على صفحات الجريدة: "زينب عبد الجبار تقتل أباها وتعلن جريمتها أسباب الجريمة ما زالت مجهولة والأبحاث في شأنها جارية" فيتساءل هل هي زينبه؟ من قتلت والدها؟ أم هو مجرد تشابه أسماء؟! ويبدأ في استرجاع الذكريات ومحاولة الإمساك بها عل قلبه يطمأن.. ذكريات عن حبه لزينب رغم وجود زوجة يكره كل ما يحيط بها حتى أنفاسها..
ثم ندخل للفصل الثاني فنجد زينب عبد الجبار تصدح بعنفوان أهل الجبال وبعلاقتها الغريبة مع صلاح الشاعر الذي تحبه ولكنها لا تستطيع أن تكون له لأنه زوج وأب..
فمن هي زينب عبد الجبار ومن هي زينب حسان؟ تلك هي حبكتنا في رواية تماس..
تدق ويلات الحرب" العدوان على غزة " بين سطور الرواية ونجد الكاتبة تلطم حالنا وهواننا بكلمات موجعة: "أقصد شهامتنا الموروثة.. لا ينفعها اليوم مبدأ"تكاثروا، تكاثروا" نسل واهن ضعيف لا يفلح إلا في أكل بعضه البعض حين يجوع". "قل لي هل ما زال هناك في العالم ما يستحق أن ننزف من أجله؟؟ ومدن النور قد عشيت عيونها فجعلت تقذفنا بديجور قرونها الوسطى؟
للكاتبة تعبيرات ولغة شاعرية بلاغية رائعة كأن تقول: "كان وجع الفقد يعوي بداخله كأفعى برأس ذئب تطبق على صدره وتفرغ أحشاءه إلا من الوحشة الضارية التي تقيم في خلاء روحه فيغدو بلا عقل ولا صبر، يضرب في أصقاع نفسه بلا هدى...". "كان مهرجان الألوان في الحديقة يقول أن السعادة ممكنة وأن الجمال مبذول في سخاء وإن قطوف الود دانية وإن الأرض بكل ثرائها البهيج لا تبخل على العباد بكنوزها". " كل يا عزيزي يتخفى ويتغطى بما يستطيع، وكل يبتدع الحيل ليعري الآخرين بحثًا عن التفاصيل الخفية".
كما أنها تثير الدهشة بتفاصيلها الصغيرة عن روائح السوق، عن الأمكنة، وحينما تحدثت عن قهر الرجل للمرأة أجادت للغاية الحديث عنهم..
استطاعت الكاتبة البحث عميقًا في مشاعر الأبوة والأمومة والعلاقة بين الأزواج، والناس حديثًا وقديمًا والموت .. ووصلت إلى أنها لا تريد أن تكرر حياة أمها مستقبلًا وأننا كنساء"لم نتغير كثيرًا .. ما زلنا نحمل عقلية "نساء البيت" في تركيبة تفكيرنا... نتحرك في الشوارع مثقلات النفس بصناديق الماضي وحقائب الحاضر". يالها من تعبيرات ..
هناك بعض التعبيرات التي لم اتمكن من معرفة معناها عبر جوجل ولكنني تفهمتها من خلال سياق الجملة مثل: "تبشمطه"، "تشبيبها"، "سباسها"، "شرننة" وغيرهم.. تمنياتي بدوام التوفيق .. #نو_ها
تونس هي رواية للكاتبة التونسية عروسية النالوتي، نشرت عام 1995. صنفت في الرتبة التاسعة و الثلاثون في قائمة أفضل مئة رواية عربية. تمحور الرواية حول شخصيّات تماس شخصيات مأساوية تطاردها المشاكل دون أن تكون متسبّبة في ذلك أو ارتكبت أيّ فعل شائن تستحقّ من أجله عقاباً بل عن طريق خطأ يتسبّب فيه الآخر أو الآخر المتمثّل هنا في المجتمع. تصور الرواية تسلّط “قاسم عبد الجبّار والد زينب” الذي نشأ في حضن أم متسلّطة أرغمته على التجرّد من مشاعر الأبوّة ومن واجبه تجاه زوجه. فيصبح بالنسبة له من العار أن يجهر بها حتى بعد موت والدته، وهذه الصورة تحيله إلى شخصيّة مرهوبة، لكنها تخفي داخلها ذاتاً هشّة تجلّت عندما عانقته ابنته: “فعانقها بشدّة وهو يطلق العنان لشهقاته المكتومة، كطفل يلوذ بحضن أمّه.
عن العلاقات الأسرية المفككة تحكي رواية كاتبة من الطراز الرفيع. تشعر وانت تقرأ لها بفخامة الأسلوب وجزالة العبارة وكأن الكاتبة قد ولدت بين قوم من الأعراب في قلب الصحراء العربية استمدت منهم تلك القوة التعبيرية الهائلة وذلك العبق التاريخي المتجذر في استخدام اللغة العربية المليئة بالكنوز والجواهر.
بعض الروايات تحبها وترغب لو تحتفظ بها ككنز لنفسك. هذه واحدة منها: رواية "تماس" للكاتبة التونسية عروسية النالوتي المُبحرة في أعماق النفس البشرية، صاحبة اللغة الساحرة والصورة الآسرة. عن حيوات تقاطعت وحب لم يتحقق وعقد لم تُحل. هذا ما يمكن تسميته أدب. رواية عربي�� من الطراز الرفيع.
رواية تماس من أفضل ١٠٠ رواية عربية كُتبت في القرن العشرين حسب تقييم إتحاد الكتاب العرب. ذلك معقول ومقبول جداً. بل إن هذه الرواية - كغيرها من الروايات المتقنة قليلة الشهرة - تُصيب القارئ بما يُشبه إشتعال الضوء في غرفة مظلمة، ويدرك حينها أن الرواية العربية يجب أن تكون بهذا المستوى.
براعة الكاتبة برأيي يصعب حصرها، لكنها تسطع في مكانين:
١. صنع شخصيات عميقة معقدة نفسياً وصادقة وجميلة جداً لشدة إنسانيتها. فمن منا لا يعرف بنتاً مثل زينب وأماً مثل خديجة؟ ورجلاً لم يتخلص من تعلقه الطفولي بأمه؟ ومن منا لا يعرف القدر عندما يوقعك فيما لا يمكنك الحصول عليه؟
٢. تماس عبارة عن صور مجهرية لمواقف إنسانية واقعية ولحظات مليئة بالمشاعر العميقة والمعقدة والتي يصعب التعبير عنها. هذه القدرة الإستثنائية على التعبير عما يحدث في النفس يجعلنا قراء حزانى حين نعلم أن عروسية النالوتي لم تكتب الكثير من الروايات. لكننا نتأكد أنها كاتبة تملك أدواتها.
إذا كان هناك دار نشر ذكية فستحاول إعادة نشر هذه الرواية! وَيَا حبذا بغلاف أفضل من النسخة الأولى.