رحم الله أستاذنا محمد قابيل .. بالتأكيد هي محاولة مهمة لتصنيف أساليب التلحين المصري (وكان أجدر به أن يجعل العنوان الفرعي للكتاب: أساليب التلحين المصري وليس العربي، طالما قرّر ألا يذكر إلاّ أقلّ القليل من أمثلة الأغاني العربية غير المصرية).. لكن مشكلات الكتاب أكبرمن أن نغُضَّ الطرف عنها في الحقيقة .. فيبدو أنّ حرصه على إكمال نسَقٍ تصنيفيٍّ ما دفعه إلي استيراد مذاهب الفن التشكيلي وتطبيقها على الألحان المصرية .. فالفصل المسمى (الأسلوب التأثيري) مثَلاً مفعَمٌ باللغط فيما يتعلَق بأسباب إدراج الأغاني الواردة به ضمن هذا الأسلوب .. إذا كانت أهم خصائص هذا الأسلوب كما يستوردها أستاذنا من أدبيات النقد التشكيلي هي "تفادي التعبير عن العواطف والاكتفاء باستقبال ما ينطبع في النفس من المؤثرات السطحية، وهي في ذلك عكس الرومانسية" كما يقول ينفسه ناقلاً عن التأثيرية التشكيلية الفرنسية، فلماذا نُدرِجُ أغنية (راجعين شايلين في إيدنا سلاح) من ألحان (علي إسماعيل) مثَلاً ضمن التأثيرية؟! يختلط الأمر على المؤلّف بسبب المصطلَح فيقول إن ملحّن الأسلوب التأثيري يبتغي دائمًا التأثير في المتلقّين! ومَن لا يبتغي التأثير في المتلقّين؟! تحليل بعض الأمثلة جاء محترمًا جدًّا وجديرًا بالتوقّف عنده، كما في (قارئة الفنجان) مثَلا .. لكن تستمر مشكلات الكتاب، فنجد المؤلّف منحازًا جِدًّا ضدّ أمثلة ما سمّاه (الأسلوب الزخرفي) .. فأغنية فريد الأطرش (يا حبايبي يا غايبين) - في تقديرِه - ضحّى ملحّنها ومغنّيها بمعنى الكلمات تمامًا في سبيل إخراج أغنيةٍ زخرفيةٍ حين صاغ هذا اللحن الفَرِح .. وفي تقديري المتواضع يبدو هذا تسَرُّعًا من الناقد، حيث يعتبر مجرد مفردة (الغياب) باعثًا على حتمية الحزن في اللحن، رغم أنّ الكلمات حُبلَى باحتمالٍ قوِيٍّ هو دفء تصوُّر عودة هؤلاء (الحبايب) الغائبين بأجسادهم الحاضرين بأرواحهم "لأغمّض وأفتّح والاقيكم جايّين". وفي النهاية فقد اختار الملحّن مقام البياتي الدافئ الشجيّ لأغنيته .. يذكّرني هذا للأسف بالداعية الإسلامي الذي اعتبر الحديث الوارد في البخاري (لا تُصَلُّوا في مرابضِ الإبل فإنهن خُلِقن من الشياطين) دليلاً على أنّ لحوم الإبل هي لحومُ جِنٍّ متحوّل، وأنّ الإبلَ خُلِقَت من الجِنّ، ضاربًا بعلوم البيان عرض الحائط! إنها أُحاديّةٌ في التلقّي للأسف .. كما تذكّرتُ على الفور درسًا صغيرًا عظيمًا في كتاب "Music Composition for Dummies" لـScott Jarrett and Holly Day حيثُ تصاغ جملة: "هيا نأكُل، جَدّتي" Let's eat, Grandma بثلاثة طرُق في التلحين تعطي ثلاثة معاني في الحقيقة! ....
كتاب رائع وفيه توضيح لأساليب التلحين في الوطن العربي وعرفني معلومات كتير مكنتش اعرفها قبل كدة عن المقامات الموسيقية وعرض شامل لتاريخ الموسيقي من أيام الرواد لحد يومنا هذا..بجد مؤلف مجتهد جدا وكتاب قيم جدا جدا...