المنطلقات الفكرية في كتابة التاريخ ربما تقف على قدم المساواة مع أهمية تسجيل المادة الخام للتاريخ نفسه، إنَّ من العجب أن تعزِل المؤرخ عن تاريخه وواقعه وزمانه ومنهجه ثم تتمنى أن تصل إلى قراءة موضوعية أو تمنع نفسك على الجانب الآخر من ابتلاع قناعات تفتقد للموضوعية، وفي هذا السياق جرت المحاولات، محاولات عربية لدراسة التاريخ الإسلامي من خلال المناهج الحديثة، لم تصل إلى نتيجة واحدة بطبيعة الحال؛ إذ ظلت دوافع المؤرخ/ الباحث وما يحمله من أيديولوجيا عوامل تعوق دون الوصول إلى رؤية واحدية، لكن من قال أنَّ ثمة رؤية واحدية في العلوم الإنسانية، هذا مطلب صعب، ومن ثم تكون محاولة تفكيك الرؤى التفسيرية العديدة من جانب، ومحاولة تركيب النافع من هذا أو ذاك= هو التحدي الحقيقي أمام المؤرخ الجاد.
ربما لا يحسن هذا قبل الوقوف على مناهج كتابة التاريخ، يُقدِّم لنا وليد نويهض دراسة جيدة عن مناهج بعض المفكرين العرب على تباينها، والحقيقة أنَّ الرؤية النقدية في الكتاب ظاهرة، وإن كان لم يحاول بشكل ما جمع هذا الشتات المتنوع لصياغة رؤيته الخاصة في كتابة التاريخ، لكنه انتهج منهجًا في العرض كان ممتعًا على كل حال وفي نفس الوقت تدرَّج بالقارئ من العرض الإجمالي إلى العرض التفصيلي، ففي الفصول الأولى يتكلَّم عن تأكيد أهمية المكان والزمان وتأثيرهما على تطور المفهوم التاريخي عند المؤرخين المسلمين، وعلاقة فكرة التاريخ بفكرة الزمن واتصالها بالفقه والحديث والسيرة واللغة، فنويهض يرى أنَّ من أخطاء المستشرقين إسقاط فكرة التاريخ من السياق الزمني حيث تم تناول كل المؤرخين في سياق نقدي واحد لا يأخذ في الاعتبار دور الزمن، مما أنتج مشاحنات أيديولوجية معاصرة في الكتابة التاريخية.
تحاول الدراسة قراءة مفهوم تطور التاريخ من خلال كتابات إدوارد كار وفرانز روزنتال، ويرى نويهض أنَّ الجواب عن سؤال " ما هو التاريخ" عند كار كان ناتجًا عن قراءة عامة شديدة التداخل، فقد قام كار بتلخيص مناهج التاريخ في أوروبا فقط وربطها بتقدّم الفلسفة والعلوم في القرن الثامن عشر، لكن كار هنا أغفل دور علماء التاريخ في العالم غير الأوروبي، أما روزنتال فقد قرّر أنَّ تعاريف المؤرخين المسلمين للتاريخ لا تكشف أية بصيرة فلسفية عميقة، ويرى نويهض أنَّ ثمة مشكلة في فهم روزنتال لمعنى التاريخ، حيث لا معنى للتاريخ عند روزنتال دون الكلام عن أهدافه وفائدته وأصله وخصائه..الخ، ومن ثم جعل روزنتال عمل السخاوي هو بداية تأسيس علم التاريخ، وهو ما يعدّه نويهض غير كافٍ، لأنه ألغى جهود من سبقه لاسيما وأنَّ السخاوي ليس صاحب نظرية معرفية مستقلة في كتابة التاريخ.
في القسم الثاني من الكتاب ينتقل نويهض إلى الدراسة التطبيقية لمناهج المفكرين العرب التاريخية حيث يعالج أفكار مثل التاريخ والأسطورة لعبد الهادي عبد الرحمن كمحاولة ماركسية لقراءة تاريخ المنطقة حيث شكَّك في الأساطير المنسوجة حولها، لكن يرصد نويهض النقص المعرفي عنده في الشخصيات والتاريخ والوقائع، مما آل به في النهاية لشطحات من عينة عزل مصر عن تاريخ الإسلام والعرب، بعكس دراسات عبد العزيز الدوري التي يراها الكتاب من الدراسات الجدية، يقوم الدوري بجهد كبير في نقد المرويات، لكن مشكلة الدوري -كما يؤكِّد الكتاب- أنَّه وضع القومية العربية في مواجهة الإسلام، وكان ميالًا للتفسير المؤامراتي للحوادث، ومع ذلك هو منحاز -كما يرى الكتاب- لدور الإسلام التاريخي في ترسيم خطوط نهضة العرب.
ويأتي ربط التاريخ بالقبيلة عند عبد الله العلايلي، حيث يفسر تاريخ العرب على أساس دور القبيلة، فاجتماع السقيفة عنده قبلي وكذا حروب الردة والفتوحات والسياسات المالية ..الخ، وينقد نويهض هذا التصور ويتهمه بالقصور حيث أهمل دور النص في التفكيك والتوحيد، وأهمل المشروع الاسلامي كمنط جديد للعلاقات، وإذا كانت القبيلة هي محور تفكير العلايلي، فإن الثابت والمتحول هو عمدة قراءة أدونيس التاريخية، حيث يطالب بهدم الأصل بالأصل حتى نتحرر ونتقدم إلى المستقبل، فأدونيس ينقد الاتباع والتقليد والنقل والقياس، ورغم أنَّ أدونيس يرفض الثابت ( النص) فهو استنتتج بعض آراءه أيضًا من خلال النص، وهو ما يعده نويهض من قبيل التناقض.
فإذا كان أدونيس يقول في المقدمة بوجود إبداع عن العرب إلا أنَّه في النتيجة ناقض نفسه وآل كلامه إلى نفي ذلك الإبداع بسبب حكمه على التاريخ كلّه حكمًا عامًا، ويركِّز نويهض كثيرًا على تناقضات أدونيس مثل تفسيره للفتوحات حضاريًا ووجد فيها بداية تحلّل المجتمع العربي وانفتاحه على التنوع، ثم في تحليل آخر يفسرها عصبيًا ووجد فيها من العوامل التي ساهمت في انغلاقه على نفسه. مشكلة أدونيس هنا -كما يقول الكتاب- أنَّه قرأ النص ولم يقرأ التاريخ، قرأ النص كبنية جاهزة وفي الوقت نفسه ساجل ضده فاستخرج الثابت منه ليقول أنَّه يعطِّل التحول ( التطور)، ومن هنا ربط الثابت بالسلطة و المتحول بالمعارضة، لكن ماذا نفعل في فترات التاريخ التي كانت فيها السلطة هي المتحول الذي يدفع نحو التحديث!! .
يسحب أدونيس منهجه النقدي الذي يصفه الكتاب بالجمود على مجالات كثيرة، مثل اللغة ومعانيها والشعر ومدارسه والنقد واتجاهاته، فوضع البحتري والجاحظ في خط التقليد والتبعية، بناء على فرضيته الانقسامية بين تيار اتباعي وتيار إبداعي، الأول يمثِّل المألوف ( ساند السلطة) والثاني الغريب وغير المألوف البعيد عن شبهة السلطة، ويرى الكتاب أنَّ الواقع أعقد من ذلك التبسيط الأيديولوجي لتركيب تاريخي شديد التعقيد والتداخل، فأدونيس بالنهاية أسير التناقض بين التقرير والتحليل، فصفحات الثابت والمتحول بها فقرات كثيرة مجملة تقول الشيء ونقيضه في الآن نفسه.
يتكلم نويهض عن صادق جلال العظم الذي هو من أصحاب السوابق في الدفاع عن كل فكر معادٍ للإسلام كتاريخ وحضارة وثقافة، والتاريخ عنده لا دور له ولا قيمة في تعديل المنهج الفكري، وبشكل عام يؤكِّد نويهض على ضعف المنظومة المعرفية عند صادق العظم من ناحية و قلة المعلومات التي يمتلكها من ناحية أخرى، أما فرناند بروديل ففي كتابه الضخم " الحضارة والرأسمالية" يقرأ تاريخ البشر من خلال الأشياء الصغيرة مثل قراءته تاريخ البشر عبر المواد الغذائية، وميزة بروديل أنَّه يتجاوز فكرة المركزية الأوروبية في كتابة التاريخ، ويتكلم عن تدمير أوروبا لأفريقيا وتغيير هويتها الثقافية والمكانية، تحدَّث بروديل هنا عن تاريخ الأشياء وذاكرتها ولم يتحدث عن تاريخ الإنسان وذاكرته.
أعتقد أنَّ هذا الكتاب من الكتب المفيدة سواء في مادته التحليلية أو النقدية، وإن كنت أرى أنَّ هذه الدراسة كانت بحاجة للمزيد من عرض مناهج المفكرين، مثلًا المؤرخ عبد الله العروي يملك منهجًا أفضل من صادق جلال العظم، فكان يجب وضعه بدلًا من الكلام عن العظم الذي لا أراه مهمًا في الكتابة التاريخية، وبما أنَّ الكتاب يهتم بالمفكر ذي النزعة التأريخية فكان يجب إضافة أفكار الأستاذ محمد عابد الجابري ومحاولة عرضها ونقدها، لكن على كل حال هي دراسة مفيدة وأسلوب المؤلف وعرضه ومناقشته كلها أمور كانت موفَّقة جدا #قراءة_2022