وبادرت بتحصيل اللؤلؤ المكنون من القواعد النحوية والبلاغية والصرفية من النظم القرآني البديع بينما كنت مأخوذة بالجمال الفريد الذي لا يُضاهى ولا يُنازع.... ولقد منّ الله هنا على من أتاه الحكمة وفصل المقال وبديع البيان من علماء اللغة العربية على مر الزمان، ليكشف لهم الأسرار مُعيناً لهم على سبر الأغوار فهماً وعلماً وتدبرا.. وبادرتُ بالتلقي مأخوذة بالجمال الآخاذ ، وسبحان من يقع في النفس هيبة وخشوعاً وحنيناً للمزيد... ولبلوغ منزلة المتدبر لكتاب الله الحكيم لابد من فهم علوم اللغة العربية من النحو والصرف ودلالات الألفاظ ، التقوى والإخلاص والتجرد لله تبارك وتعالى وإتباع هدي وسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، والذوق السليم للتوقف على مواطن الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم ... 🍃 يقولُ تعالى " صِرَاطَ الَّذيِنَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ...." جاء التعبير عن الهداية بالإنعام لأن للنعمة لذة تميل النفس إليها وجاء بالفعل الماضي لأن من شأن المُنعم الكريم أن لا يسترد ما ينعم به فلا سبيل إلى نزعها منهم.... 🍃 يقولُ تعالى " فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكينَ " لم يقل بما تؤمر به وبما تُنهي لأن بما تؤمر دالة على الأوامر والنواهي ولذلك حذف الجار والمجرور... 🍃 يقولُ تعالى " وَنُقَلّبُهُمْ ذَاتَ الْيميِنِ وَذَاتَ الشّمَالِ " جاء التعبير بالفعل نقلب ليفيد تكرار حصوله مرة بعد مرة منعاً لتآكل أجسادهم ولم يقل ونقلبهم يميناً وشمالاً لأن المقصود أيمانهم وشمائلهم والمدة بين التقليبين طويلة فتكررت كلمة "ذات"... 🍃 يقولُ تعالى " وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبّةً مِنّي " تدبر الإلقاء ، جاءت المحبة نكرة وخصصها بكونها من الله عز وجل فلم يقل أحببتك ولا جعلت الناس يحبونك ولا القيت عليك المحبة فالتعبير القرآني جاء مُشتملاً على كل ذلك أما أنا رأيت الإلقاء لا يتأتى إلا من علو سبحانه جلّ في علاه ألقى بالمحبة على كليمه موسى عليه السلام فشملته وأحاطته فوضع له القبول فى القلوب... 🍃 يقولُ تعالى " وَلَئِن مَّسَّتْهُمَ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابٍ رَبِكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيَلْنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمينَ " إن تدل على الاحتمال ، المس إصابة خفيفة ، النفحة القليل ، من دالة على التبعيض ، العذاب أخف من النكال ، وربك تدل على الشفقة... 🍃 يقولُ تعالى " مَا وَدَّعَكَ رَبُكَ وَمَا قَلَى " لم يقل وما قلاك كما قال ما ودعك تكريماً لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ظن أن يواجه بالقلى وهو البُغض وحتى لو كان في سياق النفي لما فيه من الإبعاد والطرد وأما التوديع لا محذور فيه بل إنه لا يكون إلا بين المُتحابين أريتم الجمال البهيّ الآسر للقلب....🤍 الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات...الحمد لله
يتردد المرء دائما في كتابة مراجعات لكتب تصف بلاغة القرآن وتصحبنا في روضة آياته ومعانيه، لكن لنعتبرها محاولة لتوثيق وقت القراءة وذكرياتها.
كلما انتبه القلب لدقائق الجمال، ونهل من نبعها، فاضت فيه الحياة، وأحاط به السلام، وعلى قدر معرفة المرء بالجمال وإحساسه به، فإنه يتألم للقبح والعبث، والإنسان يقف بين طريقين، فإما أن تعمى بصيرته وتلتبس الحقائق في عينه، ويصير طوعا لأن تملى عليه أوهام لحياة باطنها موت وقبح يستتر بجمال زائف، وإما أن يجد في فطرته وإحساسه بدقائق الجمال التي عرفها وأبصرها هداية ونورا، ويستمد منها قوة، ومعرفة المرء بحقائق القرآن والفرح بنعمة صحبته، هي أصدق وصف للجمال والحياة، فتلك الصحبة تدوم ولا تُنسى، وبها يرجو المرء فضل الكريم سبحانه، ويسعى لخير لا يزول ولا يفنى، خير الآخرة. {إِنَّ الَّذينَ يَتلونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقوا مِمّا رَزَقناهُم سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرجونَ تِجارَةً لَن تَبورَ }
وهكذا كل خير وجميل في الدنيا، حين تصحبه رؤية المؤمن لثواب الآخرة وتعلق قلبه بها، فإن تلك المعاني تأخذ قبسا من حياة الجنة، ماكان لها أن تجده، سوى بتلك النية الصادقة وإخلاص العمل لوجه الله، ولا يخشى المرء بعد ذلك في معرفة الجمال ألما لما يراه في الدنيا، بل يجد سلاما وثباتا.
ويبدو لي أن كتب بلاغة القرآن وتفسيره، روضة رحبة غنية وجميلة، أسأل الله أن يبارك في عمري حتى أنتفع وأتعلم بكل ما أجده فيها.
وبعد تلك المقدمة، التي ربما كتبت معان مشابهة لها في مراجعات سابقة، ولكن المرء يحب تذكير نفسه بالغايات، وربما كان للاقتباس الآتي، أثرا في تكوين ذلك المعنى في ذهني، ودافعا للكتابة عنه.
يتحدث الكاتب في البداية عن أثر غياب الاهتمام بتعلم العربية، والوعي بمعانيها، فيقول:
~"ونتج عن هذا الداء العضال أن فقد كثير من قرّاء القرآن الكريم، بل من حفاظه، ملكة التأثر به، فبعد أن كان الأعرابي يسجد لله بسبب بلاغة ما يسمعه من آيات القرآن الكريم، ويؤمن بسماعه آية من آياته، وبعد أن كان كلام الله لأدواء الصدور شافياً، وإلى الإيمان وحقائقه منادياً، وإلى الحياة الأبدية والنعيم المقيم داعياً، وإلى طريق الرشاد هادياً، ها هي ذي الأذواق قد فسدت، والملكات قد امَّحت، أو كادت، وصار الحال كما قال ابن القيم - عليه رحمة الله -: "لقد أسمع منادي الإيمان لو صادف آذاناً واعية، وشفت مواعظ القرآن لو وافقت قلوباً خالية، ولكن عصفت على القلوب أهوية الشبهات والشهوات، فأطفأت مصابيحها، وتمكنت منها أيدي الغفلة والجهالة، فأغلقت أبواب رشدها، وأضاعت مفاتيحها، وران عليها كسبها، فلم ينفع فيها الكلام، وسكرت بشبهات الغي وشهوات الباطل، فلم تصغ بعد إلى الملام، ووعظت بمواعظ أنكى فيها من الأسنة والسِهام، ولكن ماتت في بحر الجهل والغفلة، وأسر الهوى والشهوة، وما لجرح بميت إيلام".
ومع تفشي ذلك الداء، فإن الله سبحانه يلطف بعبده ويسوق إليه الخير والإحسان من حيث لا يشعر، وهذا يتحقق حين يجد المرء في قلبه أثرا ومحبة لمعنى آية، وتتوالى نعم الله، في هداية ذلك العبد وتثبيته وترقيته، فكل آية يتعلمها ترفعه درجة وتبصره بخير الدنيا والآخرة.
اقتباسات:
~ما يقف البشر على بعد غور قول الله تعالى لكليمه: {وَأَلقَيتُ عَلَيكَ مَحَبَّةً مِنّي وَلِتُصنَعَ عَلى عَيني}
فإن في هاتين الكلمتين ما لا يُبلغ كنهه، ولا يُنال آخره، ولو أن أرق الناس لسانا، وألطفهم بيانا، أراد أن يتوسط حقيقة هذا القول، لم يستطع، وعاد حسيرا، وبقي عاجزا.
وتأمل صورة ذلك المعنى في جوامع كلم نبينا صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللَّهَ إذا أحَبَّ عَبْدًا دَعا جِبْرِيلَ فقالَ: إنِّي أُحِبُّ فُلانًا فأحِبَّهُ، قالَ: فيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنادِي في السَّماءِ فيَقولُ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فأحِبُّوهُ، فيُحِبُّهُ أهْلُ السَّماءِ، قالَ ثُمَّ يُوضَعُ له القَبُولُ في الأرْضِ..."
والله يتحبب إلينا بنعمه في كل حين، حتى قبل أن ندرك الحياة، ونشعر بها، ولكن ماذا فعلنا لنفي ولو بحق أدق نعمة له سبحانه علينا.
وأقول: هكذا شأن اليهود في كلّ زمان ومكان، يهولون شأن قوتهم، ويتباهون بجنسهم، وينسون أنّ قدرة الله تعالى فوق كلّ قدرة، ولذلك كان الردّ عليهم حاسماً. قال الله تعالى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. فالله وحده هو الذي أتاهم من حيث لم يشعروا، ولم يتوقّعوا، وهو وحده الذي قذف في قلوبهم الرّعب. فسبحان قاصم الجبّارة و مذلّ المتكبّرين!!!
نسأل الله أن يرفع البلاء ويكشف الداء عن أمتنا فتهتدي بالقرآن، حتى يتحقق وعد الله لنا في آياته، بالتمكين والقوة.
وهذه المحاضرة وكل ما يشبهها، من مباهج الحياة في رأيي، فالمرء حين يسمع ترشيح كتاب نافع وجميل، يبتسم عفوا ويفرح، ويتخيل في ذهنه أوقات القراءة، والاقتباسات التي سندونها، والأثر الذي سيتركه الكتاب، وهكذا يعرفنا كل كتاب جميل بصديق آخر، نحبه ونتعلم منه، ونصحبه للحظة من عمرنا، لكن أثره يظل باقيا وحاضرا...فلا ننساه. :)
ما أروعه من كتاب لمن أراد أن يتدبر آيات القرآن. كتاب تمنيت لو أن صفحاته تطول أكثر وأكثر كي أستفيد أكثر. لقد اهتديت إليه بفضل الله بعد مطالعتي لكتاب "هكذا عاشوا مع القرآن" حين أشارت المؤلفة لموقف تعرّض له مؤلف كتاب "نظرات لغوية" مع طلبته.