لم أطق النظر إلى السعلاة، هذه الطفولة يجب أن أتخلى عنها. صلاح الدين قال! قالت هي: "معك حق". فالتفت إليها مستغرباً. أضافت: "أنتم العرب جنس غريب. واحد يبحث عن عمر بن الخطاب. واحد يبحث عن صلاح الدين. واحد ينتظر المهدي. ولا أحد يفعل شيئاً للمستقبل". هاني الراهب يحرك قلمه واقع، ويترع خياله بديع الزمان الهمذاني فيستعير منه ابن هشام وأبا الفتح، يسحبهما إلى هذا الزمان، يحركهما قلمه، ويخلع عليهما خياله لباس الأحياء، يتجولان، يثرثران، ويختلط عند هاني الراهب الزمان والمكان، فينسحب منطلقاً عبر مناخ روائي. لطيف شاسع، يثرثر فيه منتقداً، مستلهماً، مصلحاً، زاجراً، ساخراً، حائراً، ولا يدري، أو ربما هو يدري بأنه هو ذاك الذي يرسم خطاً في الرمال!!
ولد هاني الراهب في اللاذقية عام 1939، درس الأدب الإنجليزي في الجامعة الأميركية في بيروت ونال شهادة الدكتوراه من بريطانيا وكان عنوان رسالته (الشخصية الصهيونية في الأدب الغربي)، درّس لسنوات طويلة في جامعة دمشق، ثم سافر الراهب إلى اليمن والكويت، عاد إلى دمشق وتوفي فيها إثر مرض عضال أصابه (6 شباط عام 2000)، كتب الرواية والقصة والنقد الأدبي، له ثماني روايات وثلاث مجموعات قصصية ـ ، صدر آخرها بعيد رحيله وعدد من الكتب المترجمة، نال في العام 1961 جائزة مجلة الآداب اللبنانية وفي عام 1981 نال جائزة اتحاد الكتاب العرب عن روايته (الوباء)
"الصحراء واللغة مخلوقان يضمران عكس ما يقولان. كثيب يسلمك إلى كثيب. وكلمة تسلمك إلى كلمة".
في نص غارق في المجازية والإستعارات اللغوية تأتي حكاية "عيسى بن هشام" الكاتب المغمور التي تستدعيه إحدى الجامعات في دول النفط الحديثة ليعمل كمحاضر فيها، فيأخذنا في رحلة معه إلى تلك البلاد البعيدة ويتنقل في سرده للأحداث بين شخصيات وأسماء وأعلام معروفة في تاريخ الأمة العربية أو المورث الأدبي العربي بين شهرزاد وشهريار والعبد مسعود وحكايا ألف ليلة وليلة وبين عوالم الجن والمجرات السماوية وشخوصه وبين الحجاج بن يوسف وهارون الرشيد وعمر بن الخطاب وأبو الفتح الإسكندري وصلاح الدين الأيوبي والملكة سميراميس وآخرون كثر متخذاً من كل تلك الأسماء رموزاً يستتر خلفها لنقل أحداث ووقائع من يومياته وقصة تنقله بين مطارات العالم وإستقراره في بلدان النفط في وسط صحراء جزيرة العرب ويقرأ من خلال كل ذلك التحولات التي طرأت على تلك البلدان في زمن ما بعد الثروة النفطية، كل ذلك بصياغة أدبية رشيقة ومتقنه يخطها "الراهب" بقلمه، مستدعياً ظروفاً مختلفة لنقل صور مختلفة من سيرة "عيسى" وصراعاته بين الكتابة والترحال في بلدان الغربة والإستقرار في عمق الصحراء مغترباً عن أهله وبيئته.
ينتقل "الراهب" في نقل صور مختلفة من أحداث ووقائع مختلفة من سيرة "عيسى" مسلطاً الضوء على مراحله الإنتقالية بين بلدان العالم ووصولاً إلى بلدان النفط، ثم يخوض في مناقشة مجريات تعايش "عيسى" مع وظيفته الجديدة في الجامعة النفطية ومناوشاته مع مجلس إدارة الجامعة والأقسام المختلفة فيها وما يجري خلف أسوار الجامعة بين دكاترتها على إختلاف ألوانهم وجنسياتهم وإنتمائتهم، وعن المناصرين لقضية "سلمان رشدي" وروايته المزعومه "آيات شيطانيه" التي تعرض فيها لذات الرسول وتطاول فيها على القرآن الكريم وتعاليم الشريعة الإسلامية حسب مزاعم الجماعات الإسلامية حيث أن فترة تلك الأحداث كانت تتقاطع مع إلتحاق "عيسى" كمحاضر للعمل داخل أروقة الجامعة، وكذلك يخوض في الشللية الحاصلة بين دكاترة الجامعة والواقعة بينهم بسبب مصالح مشتركة ومنافع بحته لا تقيم وزناً للمصلحة العامة مما يدعم احتكار الفرص لأفراد من مجموعة على حساب أفراد آخرون لا ينتمون إلى ذات المجموعة تحت سقف الأقسام المختلفة من الجامعة والتي وقع ضحيتها "عيسى" خلال فترة عمله في الجامعة، وكذلك يناقش مسألة إنتقال أسرة "عيسى" المكونه من زوجته وإبنيهما إلى البلد الجديد وتعاملهما مع الثقافة الإستهلاكية التي تحتل شكل الحياة في بلدان "البترودولار" وعصر ما بعد النفط والطفرة الإقتصادية، وتأقلم الأسرة بأكملها مع الوضع الجديد والبيئة المختلفة والمليئة بالمغريات المادية.
يسلط النص الضوء على حرب الخليج الثانية بطريقة ذكية، ويتنقل "الراهب" في مناقشة ورسم أحداثها بطريقة رمزية صارخة كما هو الحال في معظم فصول هذة الرواية من خلال جملة رسائل يفضي بها الرئيس الأمريكي خطته في إعادة رسم توزيع الثروة النفطية والتدخل بحجة إنهاء طغيان "صدام" وحربه على الكويت، ويناقش ذلك برسائل مؤرخة على فترات مختلفة من أشهر عام 1990م منذ بداية الحرب وحتى تحقق نبوءته وإنتهائها من خلال نجاح خطته بدخول قواته لأراضي الجزيرة العربية وتقديم الدعم الأمريكي لتحرير الكويت من الغزو العراقي الغاشم لأراضيها، ويتنقل بعد ذلك في فصل جديد ناقلاً صور مختلفة وحية من أراضي العراق عقب إنتهاء هجوم القوات الأمريكية وقصفها العشوائي للأراضي العراقية للضغط على "صدام" وقواته ودفعه للتراجع والإنسحاب من الأراضي الكويتية، ويلعب "صلاح الدين" في خضم كل ذلك دوراً رمزياً من خلال بحث عشيقته الأمريكية عنه بعد إختفائه المجهول منذ لحظة إندلاع الحرب لتأخذ على عاتقها مهمة البحث عنه بين كل تلك الجثث والدماء المتناثرة في أراضي العراق ومحافظاتها والطرق التي تربط بينها وبين الكويت وضواحيها، متأملةٍ تلك المشاهد الصارخة بالدم ومتعجبه من حجم الفاجعة وعواقبها.
يدخل النص برمزية وبشكل غير مباشر في قضايا عديدة برزت بشكل أكبر وظاهر بعد طفرة الثروة النفطية وإنفتاح بلدان الجزيرة العربية على العالم الجديد، بين قضايا "البدون" والجنسية، ووضع المرأة في بلدان النفط، وتوظيف الدين لخدمة أغراض سياسية ومصالح شخصية، وإنشغال "الخليفة" ورعيته في الملذات الدنيوية وإبراز صورة عامة تتناقض بشكل كلي مع ما يدور في مجالس "الخليفة" الخاصة، ويتنقل "الراهب" بين هذة القضايا وغيرها أخرى كثيرة من خلال سياق فنتازي شيق تلعب فيه "شهرزاد" وأختها "أفقزاد" و"أبو الفتح" أدواراً عديدة تندرج بين الرئيسية والثانوية محاولاً من خلالهما عكس ثأثير الطفرة النفطية والتحول السريع الذي جرى في أراضي صحراء الجزيرة العربية على القضايا العامة والخاصة المعاصرة منها والقديمة منذ الأزل، ويدمج بين قضية وأخرى سعياً منه في تغطية كل جوانب القضية وعواملها.
لن أنكر أن إنغماس النص بالرمزية والصياغة المجازية المطلقة كانت عائقاً حيال إنغماسي وإستمتاعي بالنص وتتبع خطوط الرواية بشكل كلي، فقد شعرت أن النص في بعض فصوله أخذ منحنى فنتازي في صناعة الحدث وتوريته، وجعل كل الشخوص فيه رموزاً لا تتقاطع مع الحدث الأصلي إلا من خلال إستدعاء الكاتب لها لرسم خطوط روايته وأحداثها بدون صياغة مباشرة، ولإخفاء الحدث وتفاصيله خلف حاجز من الرموز والأسماء الإفتراضية، مما جعلني أشعر بالضياع في الإمساك بمسار الرواية وتتبع أحداثها في بعض فصولها، مع ذلك لا أنكر أن الصياغة المتفردة للنص خلقت نوعاً من التحدي للقراءة بداخله بعمق وتركيز أكبر لتفكيك كل الرموز وفهم المغزى خلف كل صورة مجازية فيه وهو أمر ممتع ومشوق إلى حدٍ ما، فقد كانت القراءة داخل النص بالمجمل وتحليل أحداثه وإعادة ترتيبها داخل ذهنك وتفكيك رموزها تجربة مثيرة وتمنحك منظور مختلف عن شكل الأحداث في مسار التاريخ والقضايا التي تناولها الكاتب من خلال النص وأعاد رسم ملامحها حسب قراءته لأحداث تلك الفترة الزمنية وشكل خارطة صحراء الجزيرة العربية.
"يقال إنّ في الهند ثلاثمئة لغة، ومع ذلك، الهند بلاد واحدة، لها حكومة واحدة. وفي كل من تركيا وإيران، أربع أمم. ومع ذلك إيران بلاد واحدة، وتركيا بلاد واحدة. أما نحن العرب فاثنان وعشرون بلاداً... وحكومة، وعملة، ودين، ولغة، ونزاع، ومؤامرة، ومذلة، وخيانة..."
📖 هاني الراهب – رسمت خطاً في الرمال
لا رواية تقليدية هنا، بل مغامرة فكرية تتخذ شكلاً روائياً.
في هذا العمل، يواصل هاني الراهب مشروعه في مساءلة الواقع العربي، لكنه لا يكتفي بفضح الفساد، بل يتوجّه هذه المرة إلى نقد الذات العربية من الداخل.
العنوان نفسه كناية دقيقة عن الحدود التي رسمها الاستعمار بين الدول العربية، وقد ورد فعلًا في خطاب جورج بوش الأب أثناء حرب الخليج، الذي يظهر في الرواية بشخصية "الميجر فِكْس".
الرواية أشبه بـ مختبر فكري واسع؛ شخصياتها مزيج من التاريخي والخيالي والواقعي: بلقيس، سيف بن ذي يزن، شهرزاد، أبو الفتح الإسكندري، عيسى بن هشام، عبد الملك بن مروان، والحجاج بن يوسف... حتى أحسستُ بحضور المؤلف نفسه في شخصية الأستاذ الجامعي الذي يحاكم مجتمعه، ذلك المجتمع الذي ما زال يعيش بعقلية القرن الثامن وهو في القرن العشرين — والواحد والعشرين.
شهريار الذي نام دهوراً واستيقظ في القرن العشرين ليس سوى رمز للعالم العربي بأكمله.
يوجّه الراهب سهام سخرية لاذعة نحو العرب الذين عبدوا المال — أو "سيّدنا الدولار" كما أسماه — وتمسكوا بالماضي دون أن يتقدّموا خطوة، رغم وفرة الإمكانات بعد النفط. ينتقد العقلية التي تمزج بين الجاهلية والحداثة، وتستخدم الدين غطاءً للنفاق والفساد. كما يسلّط الضوء على عقلية الاستهلاك في مجتمع ما بعد النفط، ويثير قضية البدون، ويتناول وضع المرأة وسط هذا التغيير، ويتحدّث عن القصف الأميركي لبغداد والغزو العراقي للكويت والمقاومة الكويتية.
أسلوب الراهب تجريبي ومتشظٍ؛ لا يلتزم خطّاً سردياً واحداً، بل يتنقّل بين الأسطورة والتاريخ والسياسة والواقع اليومي. في بعض الفصول يستخدم الراوي تقنية الميتافكشن، مثل فصل بلقيس وفصل محمد عربي محمدين، حيث تخاطب الشخصيات القارئ مباشرة وتذكر كلمة "المؤلف" وعدد الصفحات المتبقية — ما يجعل القراءة تتطلّب يقظة عالية لفهم ما يريد قوله.
وما يدهش فعلاً أنّ كل ما طرحه الراهب في هذه الرواية — الصادرة قبل ستٍ وعشرين سنة — ما زال قائماً حتى اليوم، بل ازداد انحداراً، وربما هذا ما قصده بعبارة "النهاية مؤقتاً" في خاتمة الرواية، فالأمة ما زالت تدور في المتاهة نفسها.
رواية صعبة، تتطلّب قارئاً صبوراً ومنفتحاً على التجريب، لا يبحث عن الحكاية أو العاطفة فقط، بل عن الفكرة خلف السرد.