وصية الحافظ الذهبي للإمام محمد بن رافع السلامي... نعم، إنها في وُريقات قليلة وصغيرة، لكنها تحمل معاني جليلة وعظيمة، خاصة لطالب العلم الذي كُتِبَت الوصية له.
هو أبو عبدالله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبدالله التركماني الأصل الفارقي ثم الدمشقي شمس الدين الذهبي .
نشأته : ولد الإمام الذهبي في اليوم الثالث عشر من شهر ربيع الآخر سنة (673)هـ- بدمشق وسمع بعد التسعين وستمائة وأكثر عن ابن غدير وابن عساكر ويوسف الغسولي وغيرهم ثم رحل إلى القاهرة وأخذ عن الأبرقوهي والدمياطي وابن الصواف والقرافي وغيرهم وشيوخه في السماع والإجازة في معجمه الكبير أزيد من ألف ومائتي نفس .
ثناء العلماء عليه : الإمام الذهبي يعتبر مؤرخ الإسلام وقد لقب بذلك كما أنه أحد أعلام الحفاظ الذين برزوا في علم الحديث رواية ودراية فلا عجب أن يكون محل ثناء الخاص والعام ولا غرو أن تنطلق الألسنة بذكره بالجميل وقد أتى بالجميل الجليل .. وقد قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية: "الحافظ الكبير مؤرخ الإسلام وشيخ المحدثين وقال: وقد ختم به شيوخ الحديث وحفاظه" .. وقال ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات : الشيخ الإمام العلامة الحافظ حافظ لا يجارى ولافظ لا يبارى أتقن الحديث ورجاه ونظر علله وأحواله وعرف تراجم الناس وأبان الإبهام في تواريخهم والإلباس .
جمع الكثير ونفع الجم الغفير وأكثر من التصنيف ووفر بالاختصار مؤنة التطويل في التأليف، وقال أبو المحاسن الحسيني في ذيل تذكرة الحفاظ: "الشيخ الإمام العلامة شيخ المحدثين وقدوة الحفاظ والقراء محدث الشام ومؤرخه ومفيده" . وقال: "وخرج لجماعة من شيوخه وجرح وعدل وفرع وصحح وعلل واستدرك وأفاد وانتقى واختصر كثيراً من تأليف المتقدمين والمتأخرين وكتب علماً كثيراً وصنف الكتب المفيدة " . وقال ابن السبكي في طبقات الشافعية: "شيخنا وأستاذنا الإمام الحافظ محدث العصر" ، وقال الشوكاني في البدر الطالع: "الحافظ الكبير المؤرخ صاحب التصانيف السائرة في الأقطار" .
وقال ابن حجر في الدرر الكامنة: "ومهر في الحديث وجمع فيه المجاميع المفيدة الكثيرة حتى كان أكثر أهل عصره تصنيفً وجمع تاريخ الإسلام فأربى فيه على من تقدم بتحرير أخبار المحدثين خصوصاً". وقال البدر النابلسي: "كان علامة زمانه بالرجال وأحوالهم حديد الفهم ثاقب الذهن وشهرته تغني عن الإطناب فيه". وقال السيوطي في ذيل تذكرة الحفاظ: "الإمام الحافظ محدث العصر خاتمة الحفاظ ومؤرخ الإسلام وفرد الدهر والقائم بأعباء هذه الصناعة" وقال: "والذي أقوله: إن المحدثين عيال الآن على أربعة: المزي والذهبي والعراقي وابن حجر.." قال أبو المحاسن الحسيني: "وكان أحد الأذكياء المعدودين والحفاظ المبرزين".
آثاره : وقد خلف الحافظ الذهبي للأمة الإسلامية ثروة هائلة من المصنفات القيمة النفيسة التي هي المرجع في بابها وعظمت الفائدة بهذه المؤلفات ونالت حظاً كبيراً من الثناء وكان لها القبول التام لدى الخاص والعام. قال الشوكاني في وصفها: وجميع مصنفاته مقبولة مرغوب فيها رحل الناس لأجلها وأخذوها عنه وتداولوها وقرأوها وكتبوها في حياته.. وطارت وقرأوها في جميع بقاع الأرض وله فيها تعبيرات رائعة وألفاظ رشيقة غالباً لم يسلك مسلكه فيها أهل عصره ولا من قبله ولا قبلهم ولا أحد بعدهم .. وبالجملة فالناس في التاريخ من أهل عصره فمن بعدهم عيال عليه ولم يجمع أحد في هذا الفن كجمعه ولا حرره كتحريره، قال الحافظ ابن حجر: ورغب الناس في تواليفه ورحلوا إليه بسببها وتداولوها قراءة ونسخاً وسماعاً. وقال أبو المحاسن الحسيني: وصنف الكتب المفيدة فمن أطولها تاريخ الإسلام ومن أحسنها ميزان الاعتدال في نقد الرجال .. وقال: مصنفاته ومختصراته وتخريجاته تقارب المائة وقد سار بجملة منها الركبان في أقطار البلدان انتهى.
ومن أشهر مؤلفاته المطبوعة : كتاب (ميزان الاعتدال في نقد الرجال) وكتاب (المشتبه في الأسماء والأنساب) وكتاب (العبر في خبر من غبر) وكتاب (تذكرة الحفاظ) وكتاب (طبقات القراء).
وفاته : توفي الحافظ الذهبي ليلة الاثنين ثالث شهر ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة .. وصلّي عليه يوم الاثنين صلاة الظهر في جامع دمشق ودفن بباب الصغير أرخ وفاته بهذا ابن كثير في البداية والنهاية وابن السبكي في طبقات الشافعية.
وصية قصيرة تضم نصائح صادقة من الحافظ الذهبي الشيخ الحافظ مؤرخ الإسلام وشيخ المحدَّثين لابن رافع السّلامي المحدَّث الحافظ رحمهما الله تعالى... 🌱 يا وليد رافع ! اسمع أقل لك ، أراك والله مثلي مُزجي البضاعة ، قليل العلم بالصناعة ، فلا أقل من الإقبال على الطاعة ، ولزوم خمسك في جماعة... 🌱 فثمة طريق لا أكتمه عنك ، وهو كثرة الدعاء والإستعانة بالله العظيم في آناء الليل والنهار ، وكثرة الإلحاح على مولاك بكل دعاء مأثور تستحضره أو غير مأثور ، وعقيب الخمس في أن يُصلحك ويوفقك ، والزم ولابد آية الكرسي في دُبر الصلوات المفروضة ، وأكثر من الاستغفار والأذكار ، والزم الصدق المفرط عن كل بد في كل شيء ، ولا تستكبر ، ولا تكن ممن يستكبر بما علم... 🌱 فداوم بالله على التواضع الزائد والمسكنة للمسلمين إلا الفاسقين منهم ، وأحب لله ، وأبغض في الله ، وثق بالله ، وتوكل على الله ، وأنزل ضرورتك بالله ، ولا تستعن إلا بالله ، وأكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله ، ومن الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً دائماً أبداً...... وصية يرق لها القلب ونسأل ربنا لزومها والمداومة عليه🤍
وصيَّة - قصيرة - وعلى قِصَرِها ففيها معاني جميلة ؛ للحافظ الذهبي -رحمه الله- تعالى.
وهذا أهمُّ ما فيها :
١- يا وُلَيد رافع! اسمع أقل لك: أراك – والله – مثلي مزجى البضاعة، قليلَ العلمِ بالصناعة، فلا أقلَّ من الإقبال على الطاعة، ولزومِ خمسك في جماعة.
٢-فبالله يا أخي ثم بالله، اتَّق الله في نفسك المسكينة، ولا تكن ممن أدخله طلبُ الحديث النار؛ فما ارتفع رافعٌ إلاّ بالتقوى، وملازمة الآداب النبوية. فإن قبلت نصحي؛ فما أولاك بالخير والتوقير، وإن أعرضت كإعراضك عن وصية الإله العظيم، فتباً لك سائرَالدهر؛ فإن الله يقول – وهو أصدق من قال، وأرحم من أمر، وأعلم من أوحى، وأكرم من هدى، وهو أشفق علينا من أنفسنا – {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}.
٣- فافتح عينك، وأحضرْ ذهنك، وأرعني سمعك، فإن انتفعت وعَقَدْتَ مع الله عقدا؛ فقد توسمت فيك الخير، وإن شردت وركبتَ الإعراض والكسل مثلي، فواحسرتا عليَّ وعليك. فثمة طريقٌ قد بقي لا أكتمه عنك، وهو كثرةُ الدعاء، والاستعانة بالله العظيم في آناء الليل والنهار، وكثرةُ الإلحاح على مولاك بكلِّ دعاء مأثور تستحضره أو غير مأثور، وعقيب الخمس، في أن يصلحك ويوفقك.
٤- والزم – ولا بُدِّ – آية الكرسي في دبر الصلوات المفروضة، وأكثر الاستغفار والأذكار، والزم الصدق المفرط عن كل بد في كل شيء، ولا تستكبر، ولا تكن ممن يستكبر بما علم، فإنك جاهل خَبل. فداوم – بالله – [على] التواضع الزائد، والمسكنة للمسلمين إلاّ الفاسقين منهم، وأحب لله، وأبغض في الله، وثق بالله، وتوكل على الله، وأنزل ضرورتك بالله، ولا تستغن إلاّ بالله، وأكثر من: "لا حول ولا قوة إلاّ بالله"، ومن الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا دائما أبدا.
يا وُليد رافع ! اسمع أقُل لك : أراك - والله - مثلي مزجى البضاعة ، قليل العلم بالصناعة ، فلا أقل من الإقبال على الطاعة ، ولزوم خمسك في جماعة.. وهل شيء أقبح من شاب يَخْدُمُ السنة ولا يعمل بها؟! نعم ؛ آخر يبالغ في الطلب ، ويكتب عمن درج و دب ، ثم لا يصلي ! فلا بارك الله في هذا النمط ! فإن هؤلاء ما غوايتهم بالحديث إلا كغواية المصارع والساعي ولاعب الحمام ، بل أُولاء أعذر بالجهل.. وهذا المُعَثَّرُ يسمع الألوف من الحديث فيها الوعيد والتهديد ، والعذاب الشديد ، ولا ينزجر ، بل ما أظنه يسمع شيئاً ، ولا يفهم حديثا ؛ لأنه إن كان قارئاً بنفسه فبجَهْدِه أن يتهجى الأسماء والمتون ، ويُبَدِّلُ ما يشير إليه ، وعينه إلى تنبيه الشيخ تارة ، وإلى أمرد حاضرٍ تارة ، وإلى إقامة الإعراب تارة ، لئلا يُخزى بين الحاضرين ، وإن كان غيره القارئ استراح ، فأنا كفيل لك بأنه ما سمع غير : حدثنا قال حدثنا ، وصلى الله عليه وسلم ؛ لكثرة دور ذلك.. فتراه إما يكتب الأسماء حال السماع ؛ فيَبْطُل و يُبْطِل ، أو ينسخ في جزء ، أو يكتب طِباقاً( طبقات السماع) ، أو يطالع في شيء ، وهذا أجود أحواله - ولاجودة فيها- أو بمكان - وهذا الأغلب- يُحدّث جليسه ، ويمازح الصبيان الملاح ، فمتى يسمع هذا أو يعقل أو يبصر أو يغني عنه الحديث شيئاً..؟! وأما قول وكيع : " إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم مسلمون؟!" فهذا قاله في الصلاة المقارنة للذكر وهي النوافل ؛ أي : يقلل تشاغلكم بالنوافل؛ فانتهوا عن ذلك.. أما أن يصدهم عن الفرائض الخمس ؛ فحاشا لله ! هذا ما كان في سيرهم قط ؛ إلا في أيام الجهاد وقبلها بمدة.. وهل يترك الصلاة مُحدّث إلا وهو من الُّرذالة الزُّبالة ، آوٍ إلى التعثر والضلالة ؟! فإن كمّل نفسه بتلوطٍ أو قيادة ؛ فقد تمت له الإفادة ، وإن استعمل من العلوم قسطا ، فقد ازداد مهانة وخبطاً ، وبذل دينه لشيطانه ، وأدبر عن الخير ؛ فهل في مثل هذا الضرب خيرٌ؟ لا كثّر مثلهم ، فما حظ الراحد من هؤلاء إلا أن يسمع ليروي فقط ، فليعاقبنّ بنقيض قصده ، وليُشَهِّرنّه الله تعالى بعد أن ستره مرات، وَلَيَبْقَيَنَّ مضغة في الألسن ، وعبرة بين المحدثين ، ثم ليطبعن الله على قلبه ، وربما سلب التوحيد ، وطمع فيه الشيطان، فدخل في باطنه الخراب، وشكّكه في الإسلام والنبوات إلى أن يخسر الدنيا والآخرة ؛ نسأل الله العفو والستر.. فبالله يا أخي ثم بالله ؛ اتق الله في نفسك المسكينة ، ولاتكن ممن أدخله طلب الحديث النار ؛ فما ارتفع رافع إلا بالتقوى والخير، وملازمة الآداب النبوية.. فإن قَبِلتَ نصحي؛ فما أَوْلاكَ بالخير والتوقير ، وإن أعرضتَ كإعراضك عن وصية الإله العظيم ، فتباً لك سائر الدّهر؛ فإن الله يقول- وهو أصدق من قال ، وأرحم من أمر، وأعلم من أوحى ، وأكرم من هدى ، وهو أشفق علينا من أنفسنا- ( ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ) فبالله ؛ قل لي : هل يكون طالب من خُدّام السنة يتهاون بالصلوات، أو يتعانى تلك القاذورات؟ لا والله ، ولا هو ممن اتقى الله.. وأنْحَسُ من ذلك كله مُحَدّثٌ يكذب في حديثه ، ويختلق الفشارات ( الهذيان) فأن ترقّت همته المقيته إلى الكذب في النقل، والتزوير في الطباق ، فقد استراح ، وطرَّس ( أعاد الكتابة على المكتوب) الطَّلبة على اسمه ورسمه : صورة ومعنى.. وإن تعانى سرقة الأجزاء ، أو كشط الأوقاف، فهذا لصٌّ بِسَمْتِ محدث ، وإن جعل الطلب له مأْكَلَةً و دُكاناً ، فالأعمال بالنيات ، ولاقوة إلا بالله.. فاقرأ كتابك كفى بنفسك عليك حسيباً، وأعوذ بالله أن أكون قد ضيعتُ الزمان في نعت بَطَلَة الطَّلَبَة ، أبلاهم الله بالغلبة .. فافتح عينك ، وأحضر ذهنك ، وأرعني سمعك ، فإن انتفعت وعَقَدتَ مع الله عَقداً، فقد توسّمت فيك الخير، وإن شردت وركبت الإعراض والكسل مثلي فواحسرتا عليّ وعليك .. فثمة طريق قد بقي لا أكتمه عنك وهو كثرة الدعاء والاستعانة بالله العظيم في آناء الليل والنهار، وكثرة الإلحاح على مولاك بكلّ دعاء مأثور تستحضره أو غير مأثور، وعقيب الخمس ، في أن يصلحك ويوفقك.. والزم - ولابدّ - آية الكرسي في دبر الصلوات المفروضة ، وأكثر الإستغفار والأذكار، والزم الصدق المفرط عن كل بدّ في كل شيء، ولا تستكبر ، ولا تكن ممن يستكبر بما علم ، فإنك جاهل خبل.. فداوم بالله على التواضع الزائد والمسكنة للمسلمين إلا الفاسقين منهم ، وأحب لله ، وأبغض في الله ، وثق بالله ، وتوكل على الله ، وأنزل ضرورتك بالله ، ولا تستغن إلا بالله ، وأكثر من : " لاحول ولاقوة إلا بالله " ومن الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً دائماً أبدا.