رغم المجهود المبذول في جمع الملعومات, إلا أن المجهود التحليلي للوصول بتلك المعلومات إلى نقطة أبعد غير متوفر.
الكتابة عجولة والمعلومات غير تراكمية ولا تفضي إلى شئ, غير أنه يفتح الطريق لتتبع المؤلف في نفس الطريق وربط الثقافة الشعبية المصرية عبر الأديان التي مرت بها
في البداية أنا مدين جداً لكل كتاب يتناول الفولكلور القبطي المسيحي، نظراً لقلة الكتب المنشورة في ذلك الموضوع، على الرغم من أهميته الشديدة، لفهم الشخصية المصرية وتطوراها، كذلك الكتاب يقدم مجموعة كبيرة من المعلومات عن القديسين المسيحيين، نبذه عن تاريخهم وآلامهم والاحتفالات التي كانت تقام لهم، وأحياناً كان يقام أكثر من احتفال لنفس القديس في أكثر من كنيسة وفي تواريخ مختلفة، فمره بسبب مولده، ومرة أخرى لغرض ما للكنيسة.
من الكتب الخفيفة التي تتناول واحدة من أندر الموضوعات على الساحة، وهى الفولكلور المسيحي، فهناك تقصير شديد في المجتمع في دراسة ذلك الجزء الضخم من الفولكلور، بما فيه من موالد، وأعياد، والطقوس المصاحبة لهذه الأعياد، وكذلك أدب شعبي ضخم، من سير وملاحم، ومواويل، وأمثلة.
كذلك المميز أنه تتبع جذور هذه الطقوس التي كانت تقام في الموالد والأعياد كمولد برسوم العريان وماري جرجس، والتي كان أغلبها يتشابه مع طقوس المسلمين، لذلك استنتج أنه هناك منبع لهذه الطقوس وبالفعل كان المنبع مصر القديمة، فزيارة القرافة، وأكل أنواع معينة من الطعام في توقيتات معينة، وخلافه، كانت بالفعل طقوس يتبعها المصري القديم.
ويحسب للكاتب جهده المبذول وسفره لأكثر من مكان ليكون مشاركاً في الموالد التي تقام، وفي الطقوس التي كان يقوم بها المسيحيين والمسلمين كوحدة واحدة مشاركة في هذه الطقوس، ايقاناً وإيماناً بمعجزات ذلك القديس، لذلك عمل المؤلف الميداني قد زاد من مصداقية الكتاب بلا شك.
كذلك الجزء الأخير من الكتاب والذي مدون به كم ضخم من الكلمات العامية المصرية والتي تعود إلى اللغة المصرية القديمة، المؤلف كان مؤمناً بفكرة وأخذ يؤكد على هذه الفكرة مرات ومرات، وهى ببساطة أن الشخصية المصرية من سلوك وعادات وطقوس وفكر ما هى إلى حلقات متسلسلة من آلاف السنين حتى يومنا هذا، والحلقة المفقودة التي فقدت بين المصري القديم والمصري في العصر الحديث، هى المصري في العصر القبطي، وهذا بالطبع حقيقي ومتفق عليه.
الذي يؤخذ على الكاتب هو عنوان الكتاب أنه لم يحدد مقدمة في الفولكلور القبطي (المسيحي) نظراً لأن كلمة قبطي متضمنة مسلمين ومسيحيين، ثانياً مضمون الكتاب من إيجاز اعترف به الكاتب، لذلك كان يجب عليه أن يغير عنوان الكتاب إلى عنوان آخر مثلاً "نماذج من الفولكلور المسيحي في مصر"، ثالثاً ذكر الكاتب العديد من الحقائق التاريخية كأنها مسلمات دون كتابة ما يؤكد ذلك من المناظر أو الشواهد التاريخية، ولكن تلك النقطة ممكن أن نتغاضة عنها، لذكر الكاتب في أكثر من موضع أنه لا يكتب بحث مفصل عن الفولكلور المسيحي، ولكنه يقتطع أجزاء من هنا ومن هناك، فهناك فصل كما ذكرت يشتمل على بعض من الطقوس لعدد من القديسين، وفصل آخر يتناول الطقوس في الأعياد، والأمثلة المسيحية، والسير الشعبية لماري جرجس، والسيدة مريم.
كتاب مهم لكنه يفتقد للتنظيم السليم والقدرة على الاستنتاج من مقدمات واضحة، قفز الكاتب على النتائج رغم امتلاكه للكثير من المعلومات والبحث الذي كان ليمكنه من تقدم المادة بشكل أفضل، للمرة الأولى أفتقد الأكاديمية في كتاب، لكنه مجهود مهم يمكن البناء عليها في المستقبل لتقديم فن وثقافة بهذا الحجم بالطريقة التي تليق بها
عن مصر المصرية التي مازالت تعيش في القرى.. عن مصر المصرية التي مازالت تعيش في الوجدان الشعبي.. عن مصر المصرية التي تشابكت فيها الأديان وجعلت منها ديناً مصرياً واحداً.. عن الفولكلور المصري كان.. "مقدمة في الفولكلور القبطي" الكتاب أو الرحلة تلك بدأ بشرح الموالد والاحتفاليات القبطية مثل "ماري جرجس" ومولد "العدرا" وموالد القديسين.. ربط الكاتب ما بين ما يحدث في الموالد القبطية والإسلامية ليكتشف القارئ أن (الموالد) هناك وهناك طقوسها واحدة.. والطقس مأخوذ من الطقوس المصرية القديمة في احتفالات المصريين القدماء بالأم إيزيس وغيرها من الآلهة. ثم يدور بنا في "الاحتفالية الشعبية بالأعياد الدينية" والتي تكتشف بعدما تنتهي من قراءته أن كثيراً من عادات وتقاليد أقباط مصر في أعيادهم أصلها "مصري قديم" وأذكر منها الكعك في عيد لميلاد المجيد الذي اشترك فيه (المسلمين والأقباط) في أعيادهم وكان في الأصل يصنع مع موسم بذر البذور (برث) وكان يصنع من الدقيق والسمن كما يصنع الآن والكلمة في حد ذاتها هيروغليفية وكانت تنطق (كحك)..!! ويذكر لنا الكاتب أصل أحد "الشعانين" أو أحد السعف والذي هو احتفال المصريين باستقبال السيد المسيح بالزيتون والسعف.. ويربط الكاتب كعادته بالعصر الفرعوني ويذكر لنا الأصل في "سعف النخيل" وتاريخه مع المصريين.. فقال.. (كان سعف النخيل من أهم النبتات المميزة لعيد رأس السنة، حيث كان سعف النخيل الأخضر يرمز إلى بداية العام، لأنه يعبر عن الحياة المتجددة كما أنه يخرج من قلب الشجرة فكانوا يتبركون به ويصنعون منه ضفائر الزينة التي يعلقونها على أبواب المنازل كما كانوا يحملون باقات السعف ويوجد تصوير لكاهن يحمل سعف النخيل لمقابر وكذلك جموع الناس ليضعوه على المقابر في العيد ويوزعون ثماره الجافة على موتاهم)..!! يدور بعدها الكتاب في ثلاثة فصول أخرى عن الطقوس القبطية في المناسبات العامة والخاصة.. ثم الأدب الشعبي القبطي.. ثم الفصل الأهم والأجمل في الكتاب والذي بعنوان "اللغة لمصرية في وجدانياتنا الحياتية" والتي ستكتشف فيها عزيزي القارئ أن المصرية القديمة مازالت تعيش بيننا وبقوة في لغتنا المصرية.. والنهاية يا سادة نحن نعيش في دولة حضارتها تضرب في الجذر المصري.. وكلما ابتعدنا عن الجذر سهل جداً وقتها أن يخلعنا أي غزو ثقافي خارجي.