رغم أنني كنت أفكر في الموت كثيرًا أيام صغري، إلا أنني لم أدرك معناه حقًّا، إلا عندما خطف جدتي لأمي، أم عبدالرسول، وهي من أعز الناس على قلبي على الإطلاق، في العام الثالث عشر والألفين بعد الميلاد. كان الموت قد أخذ أعزاءَ على قلبي قبل ذلك، أحببتهم كثيرا، ولكن لم يكن أحدهم في مقام كالذي كان لجدتي من أمي. بقيتُ في حزن عليها طويل، وزاد في الموت تأمّلي وتفكيري، وقرأت الكثير من الأحاديث والكتب الدينية، وسمعت الكثير من المحاضرات أيضا، التي كانت تتكلم عن الموت؛ علّي أفقه كنهه، وعلّي أعرف ما الذي يواجهه الميت حين يتوقف قلبه عن النبض! لطالما شغلني هذا اللغز العظيم، الذي لم تستطع البشرية حله حتى الساعة!
لفت نظري عنوان الرواية منذ المرة الأولى التي رأيته فيها: "ما الذي كتبه فريد رمضان عن حياة ما بعد الموت؟ وعمّ تتحدث هذه الرواية؟ وهل توصل كاتبها إلى شيء من حل لغز الموت، على الأقل عن طريق تأملاته؟ وهل سأجد في هذه الرواية ما يروي فضولي نحو الموت؟".
اقتنيتها في الأسبوع الماضي، وقرأتها بمجرد أن انتهيت من قراءة الكتاب الذي كان بين يدي، ولكنّ الحقّ أنني لم أجد فيها ما كنت ظامئا ومتطلعا إليه. نعم، وجدتُ فيها بعض التأملات عن الحياة والموت، ولكنها قليلةٌ نادرة، ولم تروِ شيئا من ظمئي وتطلعي. بدلاً من ذلك، وجدتُ حديثًا طويلاً، مرةً يكون في الواقع، حيث البطلة على وشك البلوغ ومعاناة الطمث والتغيرات التي شرعت تطفو على جسمها، وعن أبيها حفار القبور، وأختها مريم، وجارتها وأبناء جارتها. ومرةً أخرى يكون في الحلم والفنتازيا، حيث تكلم ثعلبًا أو طاووس!
لم تكن الرواية كما توقعت، ولكنها كانت بالنسبة إليّ، أفضل من رواية "المحيط الانجليزي" التي كتبها الكاتب ذاته، رغم وجود أمور مشتركة بين العملين. فكلاهما مثلا، تعم السردَ فيهما الفوضى! لا توجد وجهة نظر سردية ثابتة؛ فمرةً، تتكلم البطلة عن نفسها وعما يجري لها، وأخرى، يتحدث الراوي العليم، وثالثة، يتكلم ملك الموت! لا أعلم لماذا يلجأ الأستاذ فريد لهذا النوع من الكتابة، وهو الذي فيه ما يشبه التشويش على القارئ! إلا أنه، والحق يقال، بقدر ما هو مزعج -أي هذا النوع الفوضوي من الكتابة-، فهو متميز، وقد ينال إعجاب البعض (نوعا ما يذكرني بفوضى غابرييل غارسيا ماركيز الذي يحوز على إعجاب كبير من الكاتب). إلا أنني لست من محبي هذا النوع من الفوضى.
ورغم وجود بعض التأملات الجميلة عن الموت -لاسيما تلك في الصفحة الثامنة والثلاثين-، إلا أنني وجدتُ في الرواية، ما وجدته في سابقتها من قراءاتي للكاتب "المحيط الانجليزي"، من إعطاء الكاتب أهميةً كبيرةً للغة الرواية، على حساب الحدث الروائي الذي من شأنه أن يجعل في الرواية تشويقا. ثمة ضمور كبير في عنصر الحدث الروائي، تمنيت لو أن الكاتب قد أشبعه أكثر. أزعجتني أيضا بعض الأخطاء النحوية والإملائية -التي ربما هي ناجمة عن التحرير أو عدم التدقيق-.
أما اللغة، فهي من أجمل مميزات فريد رمضان: لغةٌ فصيحةٌ جميلةٌ، لا يعتورها خلل، لولا أنها قد تضخمت إلى الحد الذي انحسر أمامها الحدث متصاغرًا.
أما الرواية بشكل عام، فهي جيدة، وإن كنت قد تمنيت أن تروي من تعطشي إلى حل لغز الموت أكثر، وإن كنت قد تمنيت لو أنها رويت بطريقة أقل تشويشا من هذه. والحق أنني، رغم كل شيء، أُلهِمت أثناء قراءتها فكرةً لعملٍ عن الموت، أتمنى أنها ستنضج في عقلي مع مرور الوقت، لتستحيل عملاً رصينًا متكامل الأركان. شكرًا فريد.
حسين كاظم
9 أكتوبر 2019م
ملاحظة: بعد أن قرأت رواية "المحيط الانكليزي" للمرة الثانية، أتراجع عن قولي بأن هذه الرواية أفضل منها؛ فالمحيط من أروع روايات العزيز الفريد على الإطلاق، على روحه الرحمة.