"تحركت واحة قليلاً فتيقظت حواسي، وفتحت عينيها ببطء، وتأملتني بنظرة طويلة مطفأة، خيل إليّ أنها تبتسم، ثم رأيت أصابعها تتراخى عن الوسادة، وجفنيها ينسدلان ببطء كثير، ثم انفصلت عنا، كان شيء يموت بسكون وبحبور عميق. وكان الراعي يبكي...".
يقف الإنسان عاجزاً لحظة الموت، وعندما تبهت الأيام مع غياب الأحبة، تنطفئ في عين النهار ابتسامة حاول بشر المهزوم في دائرة الحياة، أن يغذيها بدمه، فشل أو لم يفشل؟!! سؤال يلقي ظلالاً فلسفية على مناخ رواية هاني الراهب "المهزومون" وتمتزج فلسفة الموت بفلسفة الحياة بكل أبعادها العاطفية الدينية، الاجتماعية وتبرز شخصيات الرواية معلنة ثورتها غضبها على واقع تأباه، ترفضه... وتستسلم أخيراً لقدر مرسوم لا تستطيع له رداً.
ولد هاني الراهب في اللاذقية عام 1939، درس الأدب الإنجليزي في الجامعة الأميركية في بيروت ونال شهادة الدكتوراه من بريطانيا وكان عنوان رسالته (الشخصية الصهيونية في الأدب الغربي)، درّس لسنوات طويلة في جامعة دمشق، ثم سافر الراهب إلى اليمن والكويت، عاد إلى دمشق وتوفي فيها إثر مرض عضال أصابه (6 شباط عام 2000)، كتب الرواية والقصة والنقد الأدبي، له ثماني روايات وثلاث مجموعات قصصية ـ ، صدر آخرها بعيد رحيله وعدد من الكتب المترجمة، نال في العام 1961 جائزة مجلة الآداب اللبنانية وفي عام 1981 نال جائزة اتحاد الكتاب العرب عن روايته (الوباء)
"عوّد نفسك أن تكون الأخلاق طبيعيّة فيك منفصلة عن المفاهيم و الدين و العرف الاجتماعي... الأخلاق للاخلاق ... يجب أن ينبع كل شيء من ضمير الفرد دون ان يؤمن به لأن هذا سيأسره و يقيّده"...ربما لهذا نجد اليوم كل هذه الرذائل ترتكب بأسماء شتّى منها الدين, لم تعد الفضائل كلمات تحمل معناها بل هي أكاذيب تأسر الفرد في عادات و موروثات و ايديولوجيات لا يجرؤ حتى على مجرّد وضعها موضع الشك...
"أليس من حقارة القرن العشرين أن يوجد فيه حتى الآن بعض من يموتون من أجل الحرية" لو قدّر للكاتب أن يشهد ما نعيشه اليوم, ما تراه كان كتب؟؟؟
"إن الناس مليئون باستعداد ضخم لتقيّؤ مبادئ التحرر الفكري و الاجتماعي بسرعة مذهلة"
رغم قدم الرواية إلا أنها تفرض مقارنة مؤسفة ما بين مرحلة الانفتاح الفكري و الاجتماعي في عصرها و مرحلة الانحطاط التي نعيشها اليوم... الحركة التاريخية التي لا يمكن تفادي استخلاصها هي أن شعوبنا تسير للوراءعكس حركة التطور الإنساني المفترضة...
الصراحة هو أسلوب الكاتب حلو بس القصة خرررةةة ممكن تكون احترافية منه انه يخلينا نكره قصة بالشكل دة! أو عاداتنا هي اللي تخلينا نمقت القرف دة بس بشكل أو بآخر أنا لو شوفت اسمه على رواية تاني مش هقراها
" عوّد نفسك أن تكون الأخلاق طبيعيّة فيك منفصلة عن المفاهيم والدين والعرف الاجتماعي، الأخلاق للاخلاق .. يجب أن ينبع كل شيء من ضمير الفرد دون أن يؤمن به لأن هذا سيأسره و يقيّده، ربما لهذا نجد اليوم كل هذه الرذائل ترتكب بأسماء شتّى منها الدين، لم تعد الفضائل كلمات تحمل معناها بل هي أكاذيب تأسر الفرد في عادات وموروثات وايديولوجيات لا يجرؤ حتى على مجرّد وضعها موضع الشك " ..
- تعود أحداث هذه الرواية إلى ستينات القرن المنصرم، لتتحدث عن مجموعة من الطلاب في جامعة دمشق يربط بينهم شخصية رئيسة هي بشر الشاب المثقف صاحب الأفكار الحداثية والمتحرر من قيود المجتمع، قيممه وأخلاقياته الجامدة .. يعيش بشر مشتتاً بين أفكاره وقناعاته الثورية والتجديدة وشغفه بالثوة والتغيير الذي يشاطره به رفيقاه إلى الحد الذي يدفعهم فى إحدى المرات لعقد العزم على السفر إلى العراق للمشاركة بالثورة التي تندلع على أرضه، وبين يومياته الجامعية وما تحمله من تجارب عاطفية تضعه إحداها في مواجهة مع أخوته الذين يقاطعونه ويتنكرون له نتيجة عزمه على الزواج من زميلته المطلقة ضارباً بكلام وتعريض محيطه بها عرض الحائط ..
في فترة من التاريخ العربي لا تزال ترزح تحت ثقل هزيمة نكبة (1948) وفي جو يعبق بريح الثورات والتغيرات الإنقلابية حول العالم تقع أحداث هذه الرواية حيث تبرز شخصياتها معلنة عن ثورتها الغاضبة على الواقع الذي تعيشهً، ساعية إلى مقاومته وفرض التغيير عليه، لكنها تتعرض لانتكاسات متتالية وضربات قاسية تدفعل للاستسلام لقدرها المحتوم ..
يذكر أن هذه الرواية المكتوبة خلال ثلاثين يوم من قبل هاني الراهب الطالب الجامعي الذي لم يتجاوز عمره آن ذاك الثانية والعشرين شاركت في مسابقة الرواية العربية التي أقامتها دار الآدب في عام (1960) وفازت بالجائزة الأولى ..
- اقتباسات :
" إن الرأي العام عندنا يؤمن إيماناً قطيعياً بقيم ومعايير وجدت لمجتمع سابق، ولا يعرف لماذا يؤمن بها، ولذلك عندما تهاجم إيمانه يشعر بأنك تهاجمه شخصياً " ..
" البشر لم يتعودوا حتى الآن على الحرية، بينما تعودا على أربع زوجات، وملاءة سوداء تصبغ الدنيا أمام المرأة بلون قاتم، لا تراه أبيض إلا عندما ينحصر في جدران أربعة " ..
" إن المجتمع والدين لا شيء، الشيء الوحيد هو أنا، عني تنبع المثل العليا، وبالنسية لي تقدر قيم الأشياء " ..
"إنّ الرأي العام عندنا يؤمن إيماناً قطيعياً بقيمٍ ومعايير وُجدت لمجتمعٍ سابق، ولا يعرف لماذا يؤمن بها، ولذلك عندما تهاجم إيمانه يشعر بأنك تهاجمه شخصياً."
📖 المهزومون – هاني الراهب
لم يسبق لي أن قرأت رواية عربية بهذا القدر من الجرأة وقوة الطرح.
تُروى الرواية على لسان "بِشر"، الطالب الجامعي المتحرّر، الذي يجسّد صورة جيلٍ كامل من الشباب العربي في ستينيات القرن الماضي، بجموحه وأسئلته وصدامه مع المجتمع. ورغم أنها كُتبت عام 1961، إلا أنّ أفكارها ما تزال حيّة إلى اليوم، لأننا ما زلنا ندور في الدوّامة ذاتها.
لا تغيب قضية المرأة عن الرواية، ويُحسب لهاني الراهب أنّه من أوائل الروائيين العرب الذين تناولوا موضوع المطلّقة ونظرة المجتمع إليها وللزواج منها — وهي نظرة ما زالت، للأسف، قائمة حتى يومنا هذا. كما يفتح الراهب باب النقاش حول الأخلاق والقيم والعادات التي كبّلت حياتنا بقوالب جامدة، حتى غدت الفضائل نفسها كلمات خاوية تُستخدم لتقييد الفرد لا لتحريره.
الرواية ثريّة أيضاً بالأسئلة الوجودية والفكرية حول الموت والحياة والدين؛ أسئلة قد يختلف القارئ معها، لكنه لا يستطيع إنكار قوتها وشرعيتها. وفي خلفيتها، تحضر هموم الأمة العربية والوحدة، ففي تلك الحقبة كانت الجزائر تخوض معركة استقلالها، ليطرح "بِشر" سؤالاً موجعاً:
"أليس من حقارة القرن العشرين أن يوجد فيه حتى الآن بعض من يموتون من أجل الحرية؟"
سؤال جعلني أتوقف لأتساءل: لو كان هاني الراهب بيننا اليوم، ورأى ما يحدث في عالمنا العربي، ماذا كان سيكتب؟
ومع ذلك، تبقى الرواية صريحة في قولها إنّ الإنسان، مهما تمرّد على قيم مجتمعه، ينتهي به الأمر إلى الهزيمة والسير مع التيار. وهكذا كان مصير شخصياتها: المهزومون.
إنها رواية استثنائية بجرأتها وعمقها، وإن كانت ليست للجميع. والمدهش أنّ هاني الراهب كتبها وهو لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره — ما جعلني أتساءل: أين ذهب هذا الإبداع في شباب اليوم؟
نُشرت هذه الرواية عام ١٩٦١ وتتمحور حول الشاب الجامعي "بشر" وعائلته وجيرانه وأصدقائه. "بشر" متمرد على المجتمع ولكنه يُهزم في نهاية المطاف بعد أن يشهد هزائم كل من يحيط به. رواية جميلة بلغتها وسردها وحواراتها.