رواية "في القلب جمرة" تصوّر لنا تجربة سياسيّة يمكن اعتبارها من أخطر التجارب في تاريخ تونس المعاصر وهي تجربة الإسلام السياسي من خلال نموذج مثقّف آمن بالنضال وبضرورة دحر الاستبداد ومن هنا فإنّنا نتعرّف على نضالات الإسلاميين في سجون بن علي وعلاقاتهم وما سُلّط عليهم من تعذيب يصل إلى حدّ كبير من البشاعة إضافة إلى مواجهاتهم مع النظام البائد.
أهمّ ما يميّزها هو أنّها محكومة بالنفس الشعري ويبرز ذلك من خلال الإيقاع الداخلي الذي يشدّها فهي تُعرض علينا من خلال زاويتي نظر: زاوية البطل أحمد الشارني وزاوية الشخصيّة الثانية الرئيسيّة في الرواية وهي شخصية ندى.
والرواية لم تكتب وفق اللّغة التقريرية الإحالية بل كتبت بلغة على غاية كبيرة من الإيحائية وهذا ما جعل الراوي يخرق الخطّية المعهودة للزمن من خلال ضرب من التداخل بين الماضي والحاضر، ولذلك فإنّ تواتر الأحداث في الرواية وعلى خلاف غيرها من الروايات لا تحكمه مقتضيات الحبكة بقدر ما يحكمه ضغط الشخصيّة المحوريّة.
يبرز الجانب الشعري في الرواية كذلك من خلال جملة من الثنائيات الأساسيّة التي تجلّت فيها، أهمّها ثنائيّة العاطفي والسياسي (تقاطع الحبّ والالتزام السياسي) وتليها ثنائيّة التاريخي والجمالي.
سنوات الجمر، بما فيها من نضال وعذاب، وبعد آخر يضيفه الكاتب للرواية فزادها رونقا وتكاملت وهو الحياة الشخصية لأبطال القصة فتجد نفسك كأنك تعيش بينهم. للكاتب قدرة عجيبة على حمل القارئ بين مشاهد مختلفة مرة تتسم بالقسوة ومرة تتسم بالحب والعشق، كذلك عيش القصة وفق رؤى مختلفة، مرة من جهة أحمد وأخرى من جهة ندى أضف على ذلك التداخل بين الأزمان .. رواية رائعة .. رواية أدبية مؤثرة
في القلب جمرة رواية سياسية تعود بنا لحقبة سوداء من تاريخ تونس يوم كان "الآخر" تُهمة يعاقب عليها القانون، فإمّا أن تكون إمّعة أو يكون مصيرك السجن و التعذيب و الإقصاء. يعود بنا الكاتب لفترة حكم بورقيبة عبر قصة مجموعة من الطلبة ارتؤوا أن يسبحوا ضدّ التيّار ضاربين عرض الحائط كل ما ينتظرهم من أهوال، هدفهم الوحيد إنقاذ ما يمكن إنقاذه لتكون تونس بلد الحريات و الديموقراطية. أحمد و ندى معارضين سياسيين جمعتهم السياسة و العشق، قصة حب جميلة في زمن الاستبداد فكان مصيرهم السجن و التعذيب. جمع الكاتب إذا بين السياسة و العشق و هل السياسة تتعارض مع العشق؟ فما السياسة إلاّ عشق للوطن أو للكرسي. مزيج جميل بين الحب و الكراهية بين الحب و التضحية بين الماضي و الحاضر فالرواية تنتقل بنا من الحاضر إلى الماضي بطريقة سلسة جميلة ، أحمد و ندى كلٌّ منهما حكى معاناته على حدى فكان البطلين هما الراوي. في القلب جمرة رواية سياسية رومنسية جمعت بين عمق التعبير و سلاسته و بين جمال اللغة و التشويق و دقّة الوصف لدرجة أنني بكيت في إحدى المقاطع. متشوقة كثيرا لقراءة بقية الثلاثية لأعرف بقية حكاية أحمد و ندى. شكرا سيدي على هاته الرواية الجميلة #اقرأ_تونسي