قال أن أقدم وثيقة عن الهندسة كانت هي بردية مصرية قديمة كتبها كاتب الملك أحمس، ومسائلها كانت تنحصر في كيفية حساب مساحة الفلاح لأرضه عقب كل فيضان، وتقدير محيط الدائرة ومساحة المثلث المتساوي الساقين، وعدد من المسائل الرياضية غير المتعمقة الأخرى التي عرفوها منذ ذلك العهد البعيد لاستخدامات البناء والتعمير، فيقول المؤلف أنه رغم هذا فأنهم كانوا يعرفون عمليًا جزءً واحدًا من النظرية الرياضية المتعلقة بهذه المسألة، ولكنهم عجزوا عن الارتفاع عنها إلى النظرية في عمومها، أي أن الحاجات العملية في تقدير مساحة الأرض والبناء هي التي أدّت إلى سيرهم في الطريق المؤدي إلى اكتشاف علم الهندسة عن طريق علم المساحة، ولكن دون اكتشاف الهندسة ذاتها كعلم نظري له قضاياه ونظرياته العامة
والحضارة اليونانية هي مؤسسة الهندسةوالرياضة كعلم يدرس، لأنهم كما قال المؤلف كانوا ككل شعوب حوض البحر الأبيض المتوسط شعبًا يحب الجدل والمناظرة، مما أدى بهم إلى اكتشاف فكرة العلم ذاتها كحجة أو برهان، وهكذا ظهرت بدايات الرياضيات عندهم التي تبرز فيها العقلية النظرية البرهانية إلى أبعد حد
ووضعت أساسها بفيثاغورث، وتدعّمت بأقليدس الذي سأم من السفسطة والجدل البيزنطي مما جعله يزهد حتى في ابتكار نظريات جديدة في هذا العلم، لأنها قد تتعرض للهدم أمام الناس والإنكار نتيجة لحيل الحجج السفسطائية، لذلك تطلع إلى إيجاد حدود ثابتة وحل حاسم، فكان (المنهج!)، فألف كتابه (الأصول) وأتبع منهجه في تنسيق نظريات الرياضة المتفرقة وربطها برهانيًا بحيث يستنبط بعضها من بعض، إي بما إن هذا كذا، إذن فكذا هو ذاك!، وكانت هذه الطريقة المثلى لبناء علم الرياضيات وابتداء تأسيسه الحقيقي!، كانت طريقة ثورية في حقيقة الأمر حتى أن الملك بطليموس سأله شخصيًا ذات يوم: ألا تعرف طريقًا آخر لاتقان الرياضيات وامتلاك ناصيتها غير طريقتك في كتابك (الأصول)؟
ليجيبه أقليدس بعبارته المشهورة: لا يوجد في الرياضيات طريق مَلَكي!
الكتاب ممتع إلى حد ما، ويزخر بكثير من النظريات الهندسية والمسلمات والمذاهب، والطريف أو الغريب أن بورخس حضر بشكل لا مرئي في هذا الكتاب، عندما كان يتحدث برتراند راسل عن تناقض في نظرية من نظريات كانتور القائلة بأن العدد المنته باعتباره مجموعة (class or set) لا يشتمل على ذاته كجزء منها، فقال هذه الفقرة ذات الصبغة البورخسية، قال:
إذا جمعنا كل فهارس مكتبات العالم في هذه الحجرة، بحيث لا يتبقى فهرس خارجها، فنحن لدينا إذن جميع الفهارس للمكتبات (كل المجاميع)، والآن لنضع فهرسًا لكل الفهارس الموجودة بالحجرة، فهذا هو المجموعة لكل المجاميع، وهذا الفهرس الكلي هو في آن واحد فهرس لكل الفهارس، وأيضًا واحد من تلك الفهارس باعتباره فهرسًا، بعبارة أخرى هو في آن واحد لا يشتمل على ذاته كجزء لذاته، وأيضا يشتمل على ذاته كأحد الفهارس، وهذا تناقض!
كتاب جيد ومفيد، أعجبني أنه فرّق بشكل واضح وتفصيلي بين الهندسة والحساب (التحليل) فتناول في الفصل الرابع حركة النقد الذاتي وتطورها وصولًا إلى المنهج الأكسيوماتيكي وابتعاد الهندسة عن الحدوس المكانية، ثم تناول في الفصل الخامس الحساب: تاريخه أولًا ثم حركة النقد فيه وصولًا إلى المذهب الحسابي ورد الأعداد التخيلية والصماء إلى العدد الحقيقي
أعجبني أيضًا الفقرة التي تناول فيها نشأة العلم عند اليونان وقال أن سبب نشوء فكرة العلم كحجة أو برهان كان بسبب أن اليونان -ككل شعوب حوض البحر الأبيض- شعب يحب الجدل والمناظرة
وأضيف هنا فائدة: يعلل الدكتور الطيب بو عزة في سلسلة عن تاريخ الفلسفة في اليوتيوب نشوء العلم عند اليونان بأن النظام السياسي عندهم كان نظامًا ديمقراطيًا، فحتى تستقطب أكبر عدد من الناس تحتاج للجدل والإقناع، وعنه نشأت الأدلة ونشأت فكرة الحجة وتطورت
الملاحظات: 1- أنه في عدد من المواضع حين كان يتناول نظريات رياضية لم يكن يفصلها ويشرحها بصيغ رياضية لأنه لا يريد "التورط في تفاصيل فنية رياضية" تخرجه عن موضوع الكتاب وهو أسس الرياضة، إلا أنه حين تكلم عن المذهب الحسابي دخل في تلك التفاصيل "الفنية الرياضية" وشرح كيف يردون الأعداد التخيلية إلى العدد الحقيقي، وهو أمر حسن وتمنيت أن يفعله في كل النظريات التي تناولها ويدع حرية قراءتها من عدمها للقارئ خصوصًا أن الكتاب صغير فهو يقع في 160 صفحة، وقد فعل هذا بالفعل حين تكلم عن كيف كان يرد راسل الرياضيات إلى المنطق الصوري قال "ونحن نثبت فيما يلي تفكير راسل برموزه بين قوسين كبيرين لأنها مسألة فنية بحتة يمكن للقارئ إغفالها" فيا ليتك فعلت هذا في كل ما سبق
2- حين تناول نظرية المجموعات أبدى إعجابه الكبير بها حتى أنه قال عنها "هي أطرف وأعمق اكتشافات الرياضة في عصورها الأخيرة" لكنه حين وصل إليها تناولها تناولًا مخلًا قصيرًا يفقدها قيمتها، وأنا لكوني قرأت سابقًا في نظرية المجموعات -وهي بحق طريفة كما يقول وممتعة وعميقة- كنت متشوقًا لهذه الفقرة التي تناول فيها النظرية، لكنه أحبطني بالتناول المخل لها مع الأسف، ومن يريد الاطلاع على تناول أعمق لها فليراجع كتاب محمد عابد الجابري "مدخل إلى فلسفة العلوم" الفصل الثالث "نظرية المجموعات وأزمة الأسس"
يستعرض الكتاب بأسلوبٍ سلس تاريخَ الرياضيات؛ من البدايات البسيطة في عمليات الحساب عند المصريين إلى أرقى درجات التجريد لدى اليونانيين بدءًا بفيثاغورس ومرورًا بأقليدس الذي تميّز عن سابقه لا بكثرة النظريات بل بإنشائه نسقًا علميًّا موحَّدًا قائمًا على المسلَّمات. كما تطرّق إلى مشكلة الأسس الشهيرة، ومسلمات إقليدس، لا سيما المسلمة الخامسة، التي أدّت بعد جدلٍ طويلٍ وخلافاتٍ عويصة بشأن إثباتها إلى نشوء الهندسة اللاإقليدية. ثم ختم بالحديث عن “النظرية اللوجستيقية” التي ترى أن الرياضيات البحتة ليست إلا فرعًا من فروع المنطق، أو بالأحرى امتدادًا له.
عندما تناول الكاتب فكرة أن المنطق الرياضي يدّعي لنفسه الاستقلال عن التفكير البشري – وهي فكرة تُخالف فلسفة كانط – أشار إلى كونه نظامًا تجريديًّا، أو نسقًا استنباطيًّا، يحتوي على مجموعة من القوانين تُشتقّ من بعضها البعض، كما يرى فلاسفة المنطق الحديث، أمثال راسل وفريجه. غير أن الكاتب لم يُفصّل في هذه النقطة بشكلٍ واضح. ولم يمهد كذلك كلامه عندما تحدث عن النظرية اللوجستيقية.
عرض محترَم لتيّارات البحث في أُسُس الرياضة وتطوُّرها التاريخي. إلا أنّ عرض لوجستيقا برتراند رسل التي اصطنعَ في كتابتِها المنطق الرمزي كان عرضًا بالغ الصعوبة، وفي رأيي أنه لم يُمهَّد لرموزه وتعقيداتِه الفنية على نحوٍ مناسِب.